(الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح الرستمي)

 

 

- الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، نسبه وحياته ومبايعته:

إن الإمام أبا اليقظان يعد الخامس في الدولة الرستمية، أما نسبه فهو: محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وكنيته أبو اليقظان نسبة إلى ابنه يقظان، وله كذلك من الأبناء يوسف وخالد وزكريا وعبد الوهاب،  وكانت إمامته في آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين 241هـ بعد اعتزال أخيه أبي بكر ابن أفلح الإمامة سنة 241هـ وقد تولى الخلافة هذا بعد وفاة أبيه أفلح بن عبد الوهاب وذلك سنة 240هـ.

وعلى أية حال فإن الإمام أبا بكر بن أفلح عرف بالجود ولين العريكة والميل إلى الأدب والحياة الرغيدة، بحيث لم يكن صارما حازماً كأبيه وجده- يقول المؤرخ ابن الصغير: ( فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من آبائه، ولكن كان سمحاً، جوادا لين العريكة، يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءاتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضي).

وعلى أية حال فإن هذه الأخلاق اللينة الضعيفة تخرج الرجل عن جادة الإسلام وذلك بعدم تكوين المسلم القوي الصالح الناجح، وهكذا فإن تصرفات وسلوكات أبي بكر بن أفلح قد استغلها الخصم بحيث فقدت الدولة الرستمية هيبتها وتأثيرها على أفراد شعبها، وبالتالي ظهرت صراعات وتحديات على مستوى قمة السلطة والحكم.

فقد تمكن ابن عرفة وهو صهر الإمام أبي بكر بن أفلح الذي سيطر على شؤون الحكم وهو الآمر والناهي في شؤون الدولة، فأمسك زمام الأمر في يده فعاشت الدولة الرستمية في صراعات ونزاعات ومؤامرات، تسيرها أيد خفية، وتم اغتيال ابن عرفة بيد مجهولة.

إن هذه الحادثة تعد منعطفاً خطيرا في تاريخ الدولة الرستمية المعروفة بتمسكها بشريعة الإسلام وترك حرية المذاهب الإسلامية الأخرى، إذ كانت المناظرات والمناقشات تعقد أمام الأئمة في مسائل الاختلاف بصدر رحب.

والجدير بالذكر أن أبا اليقظان محمد بن أفلح قد سجنه الخليفة العباسي الواثق مع أخيه المتوكل حينما ذهب إلى الحج في خلافة أبيه أفلح بن عبد الوهاب، وكانت عيون العباسيين تلاحق حركاته حتى ألقت القبض عليه في مكة المكرمة، فأرسل إلى بغداد وسجن هناك، إلا أن الخليفة المتوكل، أطلق سراحه مكرماً مبجلاً حيث كانت هناك علاقة أخوية حميمة، تأصلت بينهما في سجن بغداد لأنهما ذاقا نفس المصير.

يقول الشيخ سليمان باشا الباروني رحمه الله في كتابه الأزهار الرياضية في تاريخ ملوك وأئمة الإباضية ما يلي: (كان أخو الخليفة كثير التعلق بأبي اليقظان لما رآه فيه من حسن الآداب والتطلع في العلوم والمعارف والورع الكامل حيث اتقان الطهارة ومراقبة أوقات الصلوات والقيام بالليل والناس نيام فتآلفا وامتزجت مودتهما وعقدا أخوة الصفا).

ولما رجع أبو اليقظان بن أفلح من المشرق إلى تاهرت، وجد أن الحالة مضطربة جدا والفوضى ضربت أوتادها في الدولة الرستمية بسبب الصراعات القائمة بين القبائل البربرية زيادة على أنصار ابن عرفة ومحمد بن مسالة الذي احتل مدينة تاهرت سبع سنوات ولم يخرج منها إلا بعد حرب دامية بينه وبين جيش الإمام أبي اليقظان.

إن الحوادث المؤلمة التي وقعت في عهد أخيه الإمام أبي بكر بن أفلح جعلت أبا اليقظان محمد بن أفلح يتخذ موقف الحياد والحيطة، لاسيما في مسألة ابن عرفه، فالغرض من هذا هو معرفة الحقيقة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلا، لقد تيقن أبو اليقظان وجبل نفوسة بطرابلس أن الهدف من كل هذا، هو مؤامرة دنيئة تسعى إلى القضاء على الدولة الرستمية وإمامها أبي بكر ابن أفلح، الذي اعتزل الإمامة، إن هذه اللفتة الأخلاقية التي أظهرها الإمام أبو بكر بن أفلح لهي دليل على سمو أخلاقه وحب الخير لأمته ووحدتها.

وفي هذا المنظور التاريخي، فإن الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح حين قبل بيعة الأمة اشترط عليها عدم الرجوع إلى صفحة الماضي ونبشها، بحيث بويع إماما بحصن لواتة القريب من تاهرت، عن طريق العلماء وعامة الناس.

يقول ابن الصغير: (والمدينة بها رجال هواهم وقلوبهم عند أبي اليقظان، فخرجت إليه فصارت الدعوة والإمامة كلها لأبي اليقظان وأتته الإباضية من كل الأقطار وحمل أبو اليقظان الناس على الخيل ودعي له بالإمارة والإمامة وألغي ذكر أبي بكر ومحمد بن مسالة).

ومن هنا فإن الإمام أبا اليقظان شمّر عن ساعده فبذل مجهودات كبيرة في توطيد أركان الدولة الإسلامية في أمنها ودينها واقتصادها فأجمع الناس على حبه والرضا بسيرته التي لا تختلف عن سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

 

2- أخلاقه وزهده وآثاره الفكرية:  

كان الإمام أبو اليقظان رحمه الله ذا أخلاق سامية صلبة، يحاسب نفسه قبل أن يحاسب آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فاتخذ العدل سجية وسلوكا في حكمه وهو لم يغفل عن مراقبة النشاطات الاجتماعية والتجارية السائدة في الميدان.

أما بالنسبة إلى ورعه وزهده عن مفاتن الدنيا فقد كان رحمه الله مثالا في ذلك، فلما مات لم يترك أكثر من سبعة عشر دينارا، وقد ملك أربعين سنة ما بين تاهرت وسيرت يقول ابن الصغير المالكي في كتابه أخبار الأئمة الرستميين: " ولما مات أبو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر دينارا ".

يعجبني في ظل هذه الأخلاق الإسلامية العالية أن نسمع إلى ما قاله المؤرخ الكبير علي يحيى معمر رحمه الله في هذه القصة المبصرة:"لا شك أن أي إنسان يحترف المسالة يعيش أربعين سنة في ذلك العهد الزاهر يستطيع أن يوفر أكثر من هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يعبر تركه لحاكم أبداً اللهم إلا أن يكون حاكماً مسلما حريصاً على الإسلام ".

إن رجلاً بهذا الوصف جدير بأن يضرب به المثل في حياة البشرية الطويلة وان يجعل قدوة لمن تسند إليهم الأمم وأمرها وتكل إليهم رعاية مصالحها وتوجيه سياستها.

وهكذا فإن محاسبة النفس هي الأساس الأول في الأخلاق الإسلامية، وبدونها تكون أخلاقنا مفلسة كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا ، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).

وفي ظل هذا يمكننا أن نلمح إلى جانب آخر من شخصيته، وهو الجانب الفكري حتى تكتمل رؤيتنا الشاملة حول شخصيته.

إن المتأمل في تاريخ الدولة الرستمية، يدرك كل الإدراك أن أئمتنا قاموا بدور حيوي في تعميق وترسيخ الدين الإسلامي في قبائل البربر وهذا بطبيعة الحال يتطلب دراسة كل العلوم التي تخدم الدين الإسلامي الذي لا يفهم جوهره إلا بلغة عربية أصيلة لقوله تعالى:

              ( إِنَّآ أَنَزلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيَّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)   - يوسف:2-

 

ومن هنا نجد الأئمة السابقين قبل الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح كانوا أعلاماً في العلوم الشرعية، أما بالنسبة إلى عهد الإمام أبي اليقظان فإن الحياة الثقافية كانت حيوية نشيطة ويتجلى هذا في المساجد، هناك من يقرأ وهناك من يناقش، يقول الشيخ الدرجيني ما يلي: ( حدث غير واحد من أصحابنا أن محمد بن أفلح أجمعت على توليته جماعة من المسلمين فولوه على أنفسهم فلم يختلف عليه اثنان وبلغ الغاية في العدل والفضل والإقتداء بمن سلفه فكانت نفوسه فيما قيل لا يعدلون أيامه وسيرته إلا بأيام جده عبد الرحمن وسيرته وذلك أنهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد، فطائفة يصلون وطائفة يقرأون الكتاب، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم).

وفي هذا المسار الفكري، يمكننا أن نشير إلى أن الحياة الثقافية في الدولة الرستمية هي انعكاس لحرية الرأي والمعتقد، بحيث نجد أن هناك عدة مدارس فكرية اجتهادية كالإباضية والمعتزلة والمالكية والحنفية والشيعة.

ومن هذا المنحنى الفكري الإسلامي المتميز بعدة آراء إسلامية اجتهادية نستخلص أن الإمام أبا اليقظان كان ملما بالعلوم الكلامية والشرعية بحيث تمكن من أن يكتب رسالة في مشكلة خلق القرآن الكريم إذ بين في هذه الرسالة أن القرآن الكريم مخلوق كالأشياء، إن هذه الرسالة التي حررها تبين لنا القدوة الفكرية التي يتمتع بها الإمام أبو اليقظان، لقد جاء في هذه الرسالة:

" نسأل الله الواحد القهّار أن يوفقنا لمعالم دينه عز وجل:

              ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ)    - الأنبياء:2-

 

والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثم كان فإن عارض معارض فقال: (إن المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق وهو حكاية لكلام الله عز وجل: الكائن فيه القائم بذاته الذي ليس مخلوق) إن هذه الرسالة تحتوي على ثلاثة وعشرين صفحة وهي توجد في كتاب الجواهر المنتقاة للشيخ أبي القاسم البرادي.

أضف إلى هذا فإن الإمام له رسائل عدة يدعو أمته فيها إلى طلب العلم والمعارف وأخذه بكل جد، يقول في إحدى رسائله ما يلي: (واعملوا رحمكم الله إن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا، فرحم الله امرءا مسلما احتسب بنفسه وأرصدها لله في طلب العلم، وعليكم معاشر المسلمين بإتباع الماضي من أسلافكم والمتقدمين من أمتكم الصالحين من أهل دعوتكم، فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهداهم واحذروا الزيغ عن طريقهم والميل عن مناهجهم).

وفي ضوء هذا فإن الإمام أبا اليقظان لم يكن بعيداً عن الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه بل وقد احتك بكل الفئات الاجتماعية وزراء وعامة الناس، قضاة وعساكر، بحيث شهد تطورات هامة وخطيرة في حكمه، نظرا إلى حياته الطويلة.

يقول الشيخ أبو العباس الدرجيني رحمه الله: (ومكث في إمامته أربعين سنة على هذا الحال، محمود السيرة مجتهداً في الصلاح قائما بالحق قاضيا بالعدل إلى أن علت سنة ورق عظمه وتوفي رحمه الله سنة 281هـ فولي بعده ابنه يوسف بن محمد ابن أفلح).

لقد بويع هذا الإمام سنة 281هـ وحمل على الأعناق والأكتاف وكان رجلاً عظيماً وشهماً كأسلافه إلا أن سرطان حب الزعامة بدأ ينخر الأسرة الرستمية وكان السبب في سقوط هذه الدولة العظيمة.

وبالفعل فإن الإمام يوسف بن محمد قد قتله أحد أبناء أخيه اليقظان بن أبي اليقظان سنة 294هـ حيث أخذ الإمامة غصباً ولم يدم في حكمه أكثر من سنتين عاشهما في قلق واضطراب بسبب الظروف المحلية واستفحال أمر الشيعة إذ أنهم دخلوا تاهرت في شوال سنة 296هـ بزعامة أبي عبد الله الحجاني الذي قتل اليقظان بن أبي اليقظان وأسرته وحاشيته.

وهكذا سقطت الدولة الرستمية بدون مقاومة على يد أبي عبد الله الشيعي- إن الأمر والملك لله وحده- لتكن هذه الخلاصة عبرة مبصرة لنا، فالتاريخ هو درس في التربية قبل كل شيء.

 

 **    **     **