
(الشيخ أبو
أيوب وائل بن أيوب الحضرمي)
1- المقدمة:
في هذه الدراسة الموجزة صورة لأحد الأبطال المسلمين الذي ضحّى بزهرة حياته في سبيل تحقيق المنهج الإسلامي، إن هذا المجاهد هو الشيخ أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي.
عزيزي القارئ:
اعلم أن هؤلاء المجاهدين كانوا لا يهتمون بتسجيل أعمالهم وسيرتهم، كما يفعل اليوم رجال السياسة والفكر، بحيث كانوا ولا يزالون يدونون أعالهم والحوادث المؤثرة في سلوكهم وسلوك المجتمع في مذكراتهم اليومية، ومن هنا نجد صعوبة في أغلب الحالات لنحلل شخصية هؤلاء القدماء.
ولكن الشيخ أبا أيوب وائل بن أيوب قد ترك لنا رسالة هامة من ضمن رسائله الخالدة، يبين لنا فيها آراءه وأفكاره العامة، إن هذه الرسالة توجد في كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان حققته الأستاذة سيدة إسماعيل كاشف، دون أن نتجاهل المصادر الأخرى التي تناولت جزءا من حياته لاسيما كتب السير القديمة التي تشير إلى إنه كان من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي أسس مدرسة عظيمة تخرج منها دعاة الحق ورفعوا مشعل العلم ولواء الجهاد في عمان وفي حضرموت والحجاز وشمال أفريقيا.
2- أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي حياته وأخلاقه:
عزيزي القارئ:
اعلم أن هناك عدة مصادر قديمة قد تناولت حياة أبي أيوب وائل الحضرمي من خلال بعض التلميحات فقط إلا أنها لم تشر إلى مولده ووفاته غير أنها تتفق كلها أن موطنه الأصلي هو حضرموت وهذا الوطن الأمين يقع في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية وقد أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة وكذلك عن العلامة الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي العماني الذي يعد زعيما للمذهب الإباضي بعد وفاة أستاذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
وعلى أية حال فإن أبا أيوب وائل لا يختلف عن الأعلام السابقين في العلم إذ تولى رئاسة علماء الإباضية بالبصرة بعد رحيل الربيع إلى عمان.
قال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني عنه: (فإن لوائل بن أيوب الحضرمي أنواعا من حميد الصفات، أحيى الله بها على يده أعظُم الدين الرفات- هو الفتات من كل ما تكسر- فكم من ضال هداه الله به إلى صراط مستقيم، وسافل أعاده إلى أحسن تقويم، فله الحظ الأوفر في طريقة المتفقهين من قوله: إنما الفقيه الذي يعلّم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه عنه. وأما ما يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط.
أما الشيح الشماخي فيقول عنه: (وهو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقىً وأمرا ونهياً). ومن هنا ندرك بأن أبا أيوب وائل بن أيوب الحضرمي كان له باع طويل في العلم، بحيث أن أبا غانم بشر بن غانم الخراساني صاحب المدونة الكبرى قد أخذ العلم عنه، ودوّن آراءه في مدونته التي تطرح المسائل الفقهية كالصلاة والصوم والحج والزكاة.
وقد رحل أبو غانم بشر بن غانم الخراساني من البصرة التي درس فيها إلى تاهرت (عاصمة الدولة الرستمية) وذلك في القرن الثاني الهجري مارا بجبل نفوسة بيد عمروس بن فتح.
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن العلامة أبا أيوب وائل لم يكن بعيدا عن مشاكل أمته وشعورها العميق بالظلم والفساد الخلقي السائد في آخر الدولة الأموية التي كانت تخضع حضرموت لسلطتها.
ومن هنا يحسن بنا أن ننظر إلى هذه الصفحة النضالية في حياته من خلال ثورة طالب الحق عبد الله بن يحيى الحضرمي.
3- أبو أيوب وائل في رحاب ثورة طالب الحق:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور). – متفق عليه-.
وهكذا فإن طالب الحق وأنصاره قد ثاروا على الفساد الخلقي والظلم والطغيان الذي كان ينخر المجتمع الإسلامي في عهد الدولة الأموية.
يقول الأستاذ عوض محمد خليفات:
( وفي ظل هذه الظروف كان الدعاة الإباضية يجوبون المنطقة يدعون إلى مذهبهم ويؤلبون السكان ضد الحكم القائم، وتولى الدعوة في حضرموت واليمن بعض الأشخاص المشهورين بالعلم من أهل البلاد الذين يتمتعون بالإرادة القوية والكلمة النافذة وعلى رأسهم عبد الله بن يحيى المشهور بطالب الحق، والذي ينتمي إلى قبيلة كندة الحضرمية القوية، ووائل بن أيوب الحضرمي وهو من مشاهير علماء الإباضية البارزين ومن تلاميذ أبي عبيدة النجباء).
وعلى أية حال فإن ثورة طالب الحق التي اندلعت في حضرموت سنة 129هـ ضد الدولة الأموية قد وجدت مساندة فعالة من القبيلة العربية الكندية الحضرمية التي ينتمي إليها. والجدير بالذكر أن ثورة طالب الحق امتد نفوذها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة بقيادة أبي حمزة المختار الشاري الذي خاض معركة عنيفة مع القوات الأموية في أسفل مكة فاستشهد رحمه الله في هذه المعركة سنة 130هـ.
ولما وقعت هذه الهزيمة بالإباضية في مكة، خرج طالب الحق هو وأنصاره من اليمن لمقاتلة جيش الأمويين فالتقى الجيشان بأرض الطائف فكانت بينهم حرب عظيمة فقتل فيها طالب الحق وكثير من أنصاره.
وعلى ضوء هذا، فإن الشيخ أبا أيوب وائل بن أيوب الحضرمي، كان من الرجال العاملين المخلصين لثورة طالب الحق في حضرموت، يقول الأستاذ مهدي طالب هاشم في كتابه: الحركة الإباضية في المشرق العربي: "وردتنا معلومات تشير إلى الصلات الوثيقة بين الدعوة في البصرة وحضرموت ولقاءات جمعت بين أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في ثورة اليمن سنة 129هـ.
وقد ذكر وائل بن أيوب الحضرمي دعاة في حضرموت كانوا قبله من ذوي القدرات العلمية والإدارية ، ولذا نستطيع القول إن تسرب الدعوة الإباضية إلى اليمن وحضرموت يعود إلى تاريخ سبق الحركة التي قامت في سنة 129هـ بسنين طويلة.
وهكذا فإن أبا أيوب وائل يعد من الشخصيات العسكرية التي قامت بدور جوهري في تاريخ الإسلامي لتغيير الأوضاع الفاسدة، أما بالنسبة إلى وفاته فإن المصادر القديمة لا تشير إلى ذلك وهو ينتمي إلى الطبقة الرابعة التي ينتمي عصرها إلى القرن الثاني الهجري.
والجدير بالتنويه أن هناك جانباً آخر من شخصيته وهو الجانب الفكري الذي لا يزال مغمورا، فلابد من إبرازه من خلال رسالته التي سجل فيها آراءه وأفكاره فهذه الرسالة تشتمل على عشرين صفحة ومن المنطقي أننا سنعالج بعض آرائه الأساسية فقط.
4- رؤيته الدينية:
يقول رحمه الله في بداية رسالته ( الله ربنا ومحمد نبينا والبيت الحرام قبلتنا والإسلام ديننا وهو من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان والبر والوفاء من الإيمان بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرائض الله ولا بالمقام على حرام الله).
أيها القارئ الكريم:
إن شيخنا قد ركّز قوله على الأركان الجوهرية الثابتة في الإسلام وهي الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسّلم وبقرآنه الكريم وبقبلته الكعبة الشريفة – وأن دين الله هو الإسلام القائم على التقوى والبر والوفاء والعمل على تطبيقه في الحياة تطبيقا شاملا دون الأخذ بالبعض دون الآخر.
وهكذا نشاهد أن أغلبية المسلمين أصبحوا هيكلا بدون روح وقوة، وأن التربية الدينية الأصيلة النابعة من الضمير لا وجود لها الآن في العالم الإسلامي الحاضر بسبب التميز والانفصال بين القول والعمل وتتجلى هذه الازدواجية في حياتنا العامة، ولا شك أن هذا الاتجاه السائد في سلوك المسلمين يعد انحرافا خطيرا عن القرآن الكريم.
وهناك قيمة أخلاقية ذكرها الشيخ أيوب وهي فضيلة البر والوفاء المرتبطان بالإيمان أما بالنسبة إلى البر فيقصد به الطاعة مع حب الله تعالى، وذلك أن الإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ولنتأمل هذه الآية الكريمة الصريحة:
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) - البقرة: 44.
ثم إن هذه الطاعة يجب أن تكون مرتبطة بحب الله عز وجل، فهذا الحب يفوق حب الإنسان لذاته ولأبنائه ولزوجته ولماله، فإذا بلغ الإنسان هذه الدرجة فإنه يتخلص من غرائزه وأنانيته ويكون هذا الحب هو القوة الدافعة الموجهة لكل تصرفاته.
وأما بالنسبة لفضيلة الوفاء التي أشار إليها الشيخ أبو أيوب بن وائل فهي مرتبطة كذلك بالإيمان أشد الارتباط ويقصد بالوفاء كمال الشيء ويقال رب العامل وفي حقوقه عماله- أي أعطى حقوقهم كاملة – وإذا أعطى المسلم عهدا، فعليه أن يلتزم به مهما كانت الظروف والوفاء بالعهد من صفات الإيمان القوي، وهكذا فإننا قد حللنا رؤية الشيخ أبي أيوب وائل في مسألة الإيمان إذ أن رؤيته تعد أصلية ثابتة قائمة على القرآن الكريم والسنة الشريفة – والآن ترى رؤيته الأخلاقية القائمة على الإيمان الصحيح.
5- رؤيته الأخلاقية:
لقد رأينا أن الشيخ أبا أيوب بن وائل يؤكد لنا أن الفلاح الخلقي لا يتم إلا بالإيمان والالتزام الكامل بالقرآن الكريم، قولا وعملاً، وعدم الفصل بينهما ويحسن بنا الآن أن نشير إلى بعض آرائه الأخلاقية من خلال رسالته، يقول رحمه الله: ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، وتطهير القلوب من حقدها وحسدها وتنزيه الألسن عن مكروهها، وعصيان النفس في سوء ما تأمر به، وصدها عن سبيل هواها وما فيه ردها عن مراتع هواها وتنبيهها عن غفلتها ودفعها عن ذلك إلى معالي الإسلام ومكارمه).
إن هذا النص الموجود أمامنا يدعونا ويدفعنا إلى تطهير نفوسنا من الأخلاق الذميمة لاسيما الحقد والحسد، فهذه الصفات شريرة لا تليق بأي إنسان فضلاً عن المسلم الصالح لأن الإنسان الحاسد يريد زوال نعم الآخرين منهم.
فالمسلم يجب عليه أن يطهّر قلبه من هذا المرض الخطير الذي أشعل نار الفتنة والحرب بين الأشخاص، وبين الأمم، فالمسلم النظيف قلبا وسلوكا هو الذي لا يحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، بل يريد له المزيد، ثم أن الشيخ أبا أيوب ابن وائل تطرق إلى تنزيه اللسان من مواطن الشر والخوض في أعراض الناس والجدال والنميمة والغيبة...الخ. وإن تنزيه اللسان لا يكون بضبط دوافعنا إلا بالصمت، إذن فإن بلوغ مكارم الأخلاق لا يكون إلا بضبط دوافعنا ومحاربة هوى النفس، انطلاقا من الفكر الإسلامي الأصيل. ومن هنا نقول: إن النظرة الأخلاقية عند العلامة أبي أيوب بن وائل تميزت بالواقعية الإنسانية لأنها تناولت طبيعة الإنسان والنفس البشرية بنظراتها الشمولية الواضحة وهي تعترف بالروح والجسد، والخير والشر والإرادة والهواء، ثم عن الإسلام لم يغفل عن مطالب النفس البشرية في هذه الحياة فهو يؤكد ويقرر التلاحم الضروري بين حياة الدنيا والآخرة، والله عز وجل يقول:
( وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتاكَ اللهُ الدَّارَ الأَخِرَةَ وَلا َتَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن
كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) - القصص:77-
وهكذا فإن الشيخ أبا أيوب وائل لم يخرج تفكره الأخلاقي عن أصالة الإسلام الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فالرسالة التي كتبها لنا شيخنا تعد من عيون الأدب الإسلامي الرفيع وعظاً وإرشاداً وأسلوباً وأخيراً نسأل من الله له ولنا المغفرة والرحمة في ظل هذه الآية الكريمة:
( رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاْعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) - البقرة:286-
** ** **