( الإمام الوارث بن كعب الخروصي)

 

تمهيــــــد:

أيها القارئ الكريم:

إن حديثنا سيكون إن شاء الله عن الإمام الوارث بن كعب الخروصي الذي بويع بالإمامة سنة 179هـ وقبل الحديث عنه يحسن بنا أن نجعل هذه الشخصية التاريخية في إطارها الاجتماعي والتاريخي من خلال مدخل تمهيدي.

وفي ضوء هذا المنطلق المنطقي فإن عمان عرفت نظام الحكم المستقل عن السلطة العباسية في إمامها الجلندى بن مسعود الذي استشهد سنة 134هـ بعد حرب قاسية مع الجيش العباسي الذي قاده خازم بن خزيمة.

وكان الجلندى بن مسعود رحمه الله عادلا حازما مثاليا في حكمه، وبعد وفاته عاشت عمان تحت القهر والاستبداد، إن المؤرخين العمانيين يذكرون أن عمان كانت تحت قبضة الجبابرة من بني الجلندى خاضعين للسلطة العباسية إلى سنة 177هـ، لقد جاء في كتاب- كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان بن سعيد الأزكوي.

ولما قتل الجلندى وأصحابه رحمهم الله وغفر لهم، استولت الجبابرة أهل الظلم على عمان فأفسدوا فيها وكانوا أهل ظلم وجور فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة وراشد بن النضر الجلندانيان وفي زمنهما أوقع غسّان بن سعد الهنائي الذي هو من بني محارب بنزوى ونهبها وهزم بني نافع منها وبني هميم بعد أن قتل خلقا كثيرا وذلك في شهر شعبان سنة 145هـ.

وعلى هذا فإن العمانيين قد عاشوا تحت القهر والطغيان حوالي أربع وأربعين سنة(44 سنة) أي من سنة 134هـ إلى سنة 177هـ إلا أن رجال العلم والإصلاح قد ثاروا على هذه الوضعية المزرية وعلى رأسهم العلامة موسى بن جابر الأزكوي العماني الذي يعد مرجع المسلمين في الفتوى والعلم، وهو يعد أحد أركان دولة الإمام الوارث بن كعب.

إن هؤلاء الرجال الأحرار قد أعلنوا قيام إمامة وعلى رأسها محمد بن عبد الله بن أبي عفان، وهو من اليحمد وقد نشأ في العراق لأن العمانيين قد سكنوا البصرة مدة طويلة ، حتى قيل عنها بصرة عمان، فكان محمد بن عبد الله بن أبي عفان شديد الصلابة، طموح المعالي، فيه ذكاء وإرادة فعّالة لا تعرف المستحيل، هذه الصفات جعلته يتقلّد زمام الإمامة إلا أنه لم يلتزم بآداب وأخلاق الإمامة الإسلامية حيث بدّل وغيّر فأساء السيرة فعزل عن منصبه لأنه لم يأخذ بنصيحة ورأي الشورى، بل كان غليظ المعاملة مع إخوانه وأمته بحيث عزل عدة ولاة بدون سبب من مناصبهم، هذه العوامل التي شرحناها دفعت المسلمين إلى عزله بطريقة سليمة ذكية.

يقول صاحب كتاب كشف الغمة ما يلي: (وظهرت منه للمسلمين أحداث لم تعجبهم وبلغني إنما الذي أنكروه عليه جفوته للمسلمين ورده للنصائح والله أعلم- فلم يرضوا بسيرته فعملوا له حيلة وأخرجوه من معسكر نزوى، فلما خرج اجتمعوا واختاروا إماما وهو الوارث بن كعب الخروصي وعزلوا محمدا وكانت إمامته سنتين وشهرا).

 

2- الإمام الوارث بن كعب الخروصي- نسبه وأخلاقه:

إن الإمام الوارث بن كعب الخروصي وهو من أهل بلدة هجار من وادي بني خروص وهذه العائلة الشريفة هي التي تولت زمام الإمامة العمانية عدة مرات، يقول الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي المتوفى يوم الجمعة 17 رجب 1414هـ الموافق 31/12/1993م رحمه الله: ( وبنو خروص معدن دين وإيمان وعلم وعمل، وهدى وتقوى طيلة العهد الإسلامي في عُمان فخرجت منهم أئمة أنجبها الدين والإيمان إلى هذا العهد الذي نحن فيه وبنو خروص في مقدمة الأفاضل والأخيار علماً وعملاً وديناً وإيماناً).

إذن فالإمام الوارث بن كعب يعد أول إمام من بني خروص وهو من اليحمد وذلك بعد أن عزل محمد بن أبي عفّان وكان ذلك في ذي القعدة من سنة 179هـ.

أما بالنسبة إلى حياته الذاتية قبل تحمله الإمامة فإن المصادر الإباضية القديمة لا تشير إلى حياته الذاتية مفصلة، إلا أنها تقول إنه كان يسكن في قرية هجار الواقعة على حاشية وادي بني خروص، حيث كان يعمل في حديقته فلاحا وقد عرف عنه أنه كان ذا أخلاق رفيعة في ورعه وزهده وكرمه وشجاعته بحيث أصبح الناس يتحدثون عنه في كل مكان.

وقيلت عنه عدة كرامات، فهذه الكرامة هي الأمر الخارق والمفارق للعادات الثابتة التي تعود الناس عليها فالله عز وجل هو أعلم بها، منها أنه كان يرى الرؤيا في نومه تدل على ظهور الحق على يده وغير ذلك.

 

3- جهاده وسياسته الداخلية:

أما إذا عدنا إلى جهاده السابق قبل أن يتولى الإمامة فنلاحظ أنه قد ساهم مساهمة فعّالة في إزالة الإمام محمد بن عبد الله بن أبي عفان عن منصبه وفي رواية للشيخ السالمي رحمه الله يقول: (وقد خرج وارث يريد العسكر مناظرا محتجا لابن أبي عفان إذ أرادوا عزله فقالوا لموسى: من إمامنا؟ فقال موسى بن جابر الأزكوي: أنا إمامكم فلما وصل وارث إلى نزوى أخذ موسى بيده فقدمه إماما).

وقال أبو الحسن: (بايعوا وارث بن كعب على ما بويع به أئمة العدل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشراء في سبيل الله وإظهار الحق وإخماد الباطل، والجهاد في سبيل الله وقتال الفئة الباغية وكل فرقة امتنعت من الحق حتى تفئ إلى أمر الله لا يستحلون منهم غنيمة مال ولا سبي عيال وانتحال هجرة بعد النبي صلى الله عليه وسلّم ولا يسمون بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادتين قال: فقام وارث بالحق ما شاء الله والمسامون عنه راضون وله مؤازرون وعليه مجتمعون ولمن امتنع من طاعته مفارقون).

 

عزيزي القارئ:

إذا تأملت هذه الفقرة يمكننا أن نقسمها إلى قسمين:

القسم الأول يتناول فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وقتال الفئة الباغية وأمل القسم الثاني فيتناول فيه عدم استحلال مال الفئة الباغية وكذلك سبي عيالهم.

على ضوء هذا يمكننا أن نقول إن الفئة الباغية هي العصابة الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل الذي تم انتخابه بطريقة المجلس الشوري، ومن هنا فإن الإسلام قد أمر برفع السيف على هذه الفئة التي تفسد في الأرض.  

ومن هنا يجب محاربتها وإلا أحدثت تصدعا وانقساماً في جسم الأمة الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة إلى أبي بكر رضي الله عنه حيث حارب المرتدين الذين رفضوا أداء الزكاة، ولولاه لعظم المرتدون والعصاة في كل مكان، وبالتالي ينهار صرح الإسلام الخالد.

وأما الفكرة الثانية التي نريد علاجها فهي أخذ المال وسبي العيال في وقت الحرب، فالإباضية قد رفعوا أيديهم عن هذه الأموال في وقت حروبهم من خصومهم لأن كل من أقر بالشهادتين فهو مسلم وإن كان عاصيا فاسقاً، يقول الشيخ السالمي رحمه الله: (ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالاً لأن الله لم يأمر به في كتابه ولا نرى أن نقذف أحداً ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه برئ من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون).  

أما الشيخ محمد بن يوسف أطفيش رحمه الله فيقول: (التوحيد عاصم لدم الموّحِد وماله وسبيه ومن أحل مال الموحد أو سلبه أشرك)، فأما الدكتور الأردني عوض محمد خليفات فيقول:(إن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم واستعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفوا الخوارج مثل الأزارقة والنجدية).

إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعاً للسنة الشريفة والإقتداء بها، أما ما تلصقهم به بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب، فالإباضية هم وحدهم الذين طبقوا الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر.

ومن هذا المسار الموضوعي والتاريخي فإن الفترة التي قضاها الوارث بن كعب الخروصي في حكمه ما بين سنة (179- 192هـ) تعد في نظر المؤرخين من أحسن وأبهى عهود الإمامة فقد ساد في البلاد الاستقرار والأمن والقضاء على الصراعات القبلية، وأزال مظاهر الاستبداد وأعاد للإنسان العماني كرامته.

لقد جاء في كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان بن يوسف الأزكوي ما يلي ( فوطأ الوارث أثر السلف الصالح من المسلمين وسار بالحق وأظهر دعوة المسلمين وأعز الحق وأهله وأخمد الكفر ودفع الله الجبابرة ولم يزل الوارث إماما ًحسن السيرة قائماً بالعدل حتى اختاره الله إليه ).

ولقد أشار نور الدين السالمي في حياة الوارث إلى كفاءته الإدارية وشجاعته وعدله بحيث لم يميز بين هذا وذاك ولو كان من أقاربه إذ منع أبناء أخيه من أخذ العطايا لأنهم تخلفوا عن نصرة الدعوة الإسلامية. 

وهكذا فإن التاريخ يؤكد لنا أن الوارث بن كعب كان عادلاً صارماً, ومضحياً وملتزماً أشد الالتزام بالشريعة الإسلامية ولا أدل على ذلك من إنقاذه السجناء الذين سجنهم في سجن قريب من أحد أودية عمان فلما سال الوادي بقوة حاول هو بنفسه إنقاذ هؤلاء باعتباره مسؤلا عنهم، إلا أن القدر شاء أن يغرق هو وسجناءه فلاقوا حتفهم فيه وذلك سنة 192هـ.

إن هذه الحادثة تجعلنا نجزم ونقول إنها حادثة فريدة في تاريخ الإسلام والإنسانية، لقد صدق من قال: كل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح.

 

4- الإمام الوارث والخلافة العباسية:

فبعد هذا التحليل الشامل لأخلاق إمامنا الوارث بن كعب الخروصي يحسن بنا أن نبين علاقة دولته بالخلافة العباسية، إن المصادر الإباضية القديمة وغير الإباضية تؤكد لنا بأن الإباضية تمكنوا من تأسيس دولة قوية في عمان في خلافة هارون الرشيد وذلك سنة 170هـ-193هـ.

وهذا يعود إلى الظروف الجغرافية العمانية البعيدة عن مركز الخلافة ببغداد ثم صعوبة وطول الطريق البري أو البحري الذاهب إلى عمان والبيئة الجغرافية العمانية المحلية بجبالها الشاهقة وصعوبة مسالكها في الجبال والودية والصحراء المتحركة برمالها التي تبتلع من دخلها، أضف إلى ذلك قلة القبائل العمانية المتحالفة مع السلطة العباسية.

ومن هنا كان من الصعوبة بمكان ما أن تجد الدولة العباسية قدمها الراسخ في الدولة العمانية، وبالرغم من هذه الحقائق التي ذكرناها فإن هارون الرشيد حاول أن يجعل عمان جزءا من مملكته لأسباب اقتصادية ودينية وهكذا فإن هارون الرشيد جهّز جيشا كبيرا بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر بن المنصور وعقد له لواء ستة آلاف مقاتل.

إن هذه الحملة التي دخلت عمان جعلت داود بن زيد المهبلي يخبر بها والي صحار مقارش بن محمد اليحمدي وهذا بدوره كتب إلى الإمام الوارث بن كعب المقيم في مقر الإمامة بنزوى فكتب الإمام إلى واليه مقارش بن محمد اليحمدي أن يقاتل الجيش العباسي فبعث إليه ثلاثة آلاف مقاتل فالتقى الجيشان العباسي والعماني في منطقة (حتا) وهي بشمال صحار.

وفي هذه المعركة انهزم عيسى ابن جعفر وأسر أغلبية الجنود العباسيين وتمكن أبو حميد بن فليح الحداني السلوتي ومعه عمرو بن عمر وجماعة أخرى أن يأخذ ثلاثة مراكب فهاجموا عيسى ابن جعفر ابن منصور في البحر فأسر وخرج به إلى صحار فحبس هناك. 

ولما خرج الإمام الوارث بن كعب من نزوى للقاء عيسى بن جعفر بن منصور أخبر بأنه قد سجن في صحار وأن جيشه قد هزم، بعد هذا النصر قام الإمام الوارث في الناس خطيباً فقال: (يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل، فقال الفقيه علي بن عزرة: إن قتلته فواسع لك وإن تركته فواسع لك) غير أن الإمام الوارث بن كعب قد تركه في السجن فهذا دليل آخر على حنكته السياسية حتى لا تتعرض عمان لغزو جديد من العباسيين، انتقاما لعيسى ابن جعفر.

إلا أن هناك فئة شابة، قامت بقتله بدون علم والي صحار والإمام الوارث، وحينما علم هارون الرشيد بهذا، هم بغزو عمان غزواً شاملاً، إلا أن قضاء الله كان أقوى وأعدل فتوفي هارون الرشيد في طوس سنة 193هـ وهذه الوفاة خلفت صراعاً عنيفاً بين الأمين والمأمون حول خلافة هارون الرشيد في السلطة، مما جعل عمان بعيدة عن أي غزو جديد وأمست تنعم بالسعادة والأمن والاستقرار تحت راية إمامها الوارث بن كعب الذي حكمها اثنى عشر عاما.

وتوفي رحمه الله في اليوم الثالث من جمادى الأولى سنة 192هـ وسبب وفاته كما رأينا سابقاً أنه غرق هو ومجموعة من سجنائه في وادٍ، إذ حاول إنقاذهم من هذا السيل الجارف، فهذه الحادثة وقعت في أحد أودية نزوى ودفن الإمام الوارث بين العقر وسعال وقبره معروف مشهور وهو يزار إلى الآن.

وبعد وفاته اجتمع المسلمون وأهل العلم والحل والعقد فبايعوا إماماً جديداً وهو: غسّان بن عبد الله الذي يعد من الأئمة الأطهار ودامت خلافته من سنة 192هـ إلى سنة 207هـ وفي زمنه بنى أسطولا قوياً فقضى على القراصنة الهنود وبذلك تمكن من السيطرة الكاملة على الخليج العربي وبحر عمان.

 

**    **     **