(الإمام الجلندى بن مسعود)

 

1- نسبه وإمامته:

إن الجلندى بن مسعود، أحد تلاميذ النجباء الذين تخرجوا من مدرسة أبي عبيدة، فقد بايع طالب الحق في اليمن لما ثار على الظلم الأموي، فالمصادر القديمة والحديثة كلها تشير إلى أنه أول إمام بويع بعُمان.

وفي ضوء هذا فإن تلك المصادر تنسبه إلى ما يلي: الجلندى بن مسعود وهو أحد بني الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عبد عز بن معولة بن شمس ملوك عمان.

والجدير بالذكر أن عمان قد دخلت في الإسلام بدون قتال، إذ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث كتابا مع عمرو بن العاص إلى عبد وجيفر ابني الجلندى اللذين كانا ملكين على عمان وبعد حوار مع عمرو بن العاص لم يدم طويلا فهم عبد وجيفر رسالة الإسلام، فأسلما ودخلا بكل طواعية وإخلاص هما والأمة العمانية في الإسلام.

وعلى أية حال فإن سيرة الجلندى بن مسعود قد تركت أثرا طيبا في نفوس أنصار ثورة طالب الحق في الحجاز وعمان، ولما تحقق للعمانيين كفاءة وقدرة وصلاحية الجلندى لإمامة المسلمين، طلب منه أن يتحمل هذا الأمر العظيم وهذا العبء الكبير لتستقيم حياتهم الدنيوية والدينية، فقبل طلبهم، وبويع بالإمامة وذلك سنة 132هـ وقد عاصر هذه البيعة عدة أعلام وشيوخ كهلال بن عطية الخرساني والبشير بن المنذر النزواني.

يقول الشيخ السالمي رحمه الله: "عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود فكانت سبباً لظهور الإسلام وقوة شوكته، وكان عادلا مرضيا وكان الجلندى ممن حضروا بيعة عبد الله بن يحيى طالب الحق في اليمن".

 

2- أخلاقه – جهاده ووفاته:

تقول المصادر القديمة إن الجلندى يعد أفضل الأئمة المسلمين في عمان أخلاقا وسلوكا وجهادا حيث أنقذ عمان من الفوضى التي ضربت إطنابها في ربوع الوطن، وأعاد للحق نصابه وأنصف المظلوم وأعطى كل ذي حق حقه، وكان رحمه الله إماما عادلا عالما بأحكام الشريعة، رؤوفا رحيما بأبناء أمته مجاهدا في سبيل الحق، وقد جمع الله له من الصفات التي لا تكاد توجد في غيره وهي الورع، الزهد، العلم، العدل، ثم الشهادة وقد أخذ الدولة من يد أهل الجور وحارب السلطة العباسية لأنها لم تلتزم بأخلاق القرآن الكريم وإقامة العدل وإحقاق الحق وكان ذلك في عهد أبي العباس السفاح الذي كان أول خلفاء بني العباس، وقد عين هذا أخاه أبا جعفر المنصور واليا على العراق.

وولى المنصور على عمان جناح بن عبادة بن قيس الهنائي وعزل هذا وعين بدلا منه محمدا إلا أن الجلندى بن مسعود قد رفض الحكم العباسي بحيث أن الدولة العباسية حسبت ألف حساب لظهور الدولة الإسلامية العمانية، لأن عمان تحتل موقعا استراتيجيا في مدخل الخليج العربي من الناحية الأمنية والاقتصادية لأنها بوابة اقتصاد الشرق، وبالتالي فإن أمن ومصالح الدولة العباسية تكون تحت رحمة الدولة العمانية.

ومن هنا فإن الدولة العباسية فكرت تفكيرا مصيريا في هذا الأمر، إذ أن انتصار هذه الدولة معناه رجوع حكم الخلفاء الراشدين من جديد، إضافة إلى تجارتهم نحو الشرق الأقصى كالهند والصين ستصاب باضطربات جوهرية لا محالة.

وعلى ضوء هذه الحقائق فإن العباسيين وجهوا حملة عسكرية كبيرة بقيادة خازم ابن خزيمة التميمي الذي طلب منه القضاء على الخوارج الصفرية الموجودين في جزيرة ابن كاوان التي تقع بين عمان والبحرين، ويتزعم هذه الفرقة شيبان ابن عبد العزيز الذي لجأ إلى هذه الجزيرة بعد هزيمته على أيدي الأمويين سنة 129هـ بالعراق فإذا تمكن خازم بن خزيمة التميمي من القضاء على هذه الحركة الخارجية فسيتجه إلى عمان لإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود هناك.

وبالفعل فإن خازم تمكن أن يهزم الصفرية في الجزيرة إلا أن هناك أعدادا تمكنت من الهروب فاتجهت إلى منطقة (جلفار) رأس الخيمة في الشمال الشرقي من عمان مقر المذهب الإباضي.

 

اعلم أيها القارئ الكريم أن المذهب الإباضي لا يمكن أن يصنف ضمن فرق الخوارج، كما صنفه أغلبية الكتاب القدامى، وبعض المعاصرين غلطا أو مغالطة فالإباضية لا يجمعهم بالخوارج إلا قضية أمر التحكيم، أما الصفرية فهي فرقة من الخوارج زعيمها زياد بن الأصفر ويرون أن مرتكب الكبائر من المسلمين مشرك ولو أقر بالشهادتين، ولكن الإباضية يرون أن هذا العاصي فاسق، وبالتالي لا يجوز الاعتداء على ماله وعرضه ونفسه، لأن كلمة التوحيد جعلته مسلما وهؤلاء هم أخوة لنا في الإسلام- وهكذا فإن الجلندى بيّن للصفرية طريقة الهدى والرشاد وطلب منهم الدخول في حظيرته إلا أن هؤلاء رفضوا دعوته القائمة على السلم والحرب.

وهكذا فإن الإمام الجلندى وجد نفسه مرغما على تعيين القائدين هلال ابن عطية الخرساني ويحيى بن نجيح لمحاربة شيبان بجلفار- أي برأس الخيمة الآن- ثم زحف القوم بعضهم على بعض فكان أول قتيل يحيى بن نجيح، وأول قتيل من الصفرية شيبان ولما قتل شيبان وصل إلى عمان خازم بن خزيمة، وقال للجلندى: إنا كنا نطلب هؤلاء القوم، يعني شيبان وأصحابه، وقد كفانا الله قتالهم وشرهم على يديكم ولكن أريد أن أخرج من عندكم إلى الخليفة-أبي العباس السفاح- وأخبره أنك له سامع ومطيع، فشاور الجلندى أصحابه فرفضوا هذا الطلب.

وهناك رواية تقول: سأل خازم بن خزيمة الإمام الجلندى أن يعطيه سيف شيبان وخاتمه، فأبى الإمام الجلندى فوقعت معركة بين الجيش العباسي تحت قيادة حازم بن خزيمة وجيش الجلندى بن مسعود الأزدي فقاتل حتى قتل رحمه الله وذلك سنة 134هـ وكانت إمامته سنتين وشهرا، وبقيت عمان بعده على يد الجبابرة من بني الجلندى فمنهم محمدا ابن زايد وراشد بن شاذان بن النضر الجلنديان، وصارت عمان منقادة لأمر بني العباس إلى سنة 177هـ، ثم رجعت الإمامة بزعامة محمد بن أبي عفان الذي حكم ما بين سنة 177هـ و 179هـ وهو رجل من اليحمد، إلا أن هذا الإمام لم يكن إماما عادلا فأنكر عليه رجال العلم والإصلاح ذلك فعزلوه سنة 179هـ وبعد هذا بايع المسلمون الوارث ابن كعب الخروصي إماما لهم والتزم بأثر السلف الصالح وحكم اثني عشر عاما، وكان من أقوى الأئمة وأشدهم أخلاقا وعدلا ونزاهة في حكمه.  

 

3- الجلندى وتنظيماته لأسس الدولة الإسلامية:

مما لاشك فيه أن الدولة الإسلامية هدفها الأول والأخير هو إقامة عدالة حقيقية في المجتمع فهذه العدالة لا تميز بين هذا وذاك، مهما بلغ شرفه ونسبه يقول الله عز وجل:

     ( اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)    "المائدة:8 "

 

وهكذا فإن الجلندى بن مسعود قد طبق هذه الفكرة في دولته إلا أن هناك بعض النفوس المريضة ترى أن وجودها في السلطة والزعامة لها الأولوية والأسبقية بسبب نسبها وعلى ضوء هذا فإن جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النصر وزائدة تحالفا مع الدولة العباسية لإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود.

وحينما اُكتشفت تلك المؤامرة ضربت أعناقهم بالرغم من وجود صلة الرحم الرابطة بين هؤلاء والإمام الجلندى بيد أن علامات الحزن والأسى قد ظهرت على وجه الإمام فاستنكر أصحابه هذه العاطفة فقالوا: أعصبية يا جلندى؟ فقال: لا ولكن رحمة ، وطلب منه أن يعتزل الإمامة ، فاعتزلها ولكن طلبوا مرة ثانية أن يعود إمامته بعد إلحاح فعاد إليها.

وعلى هذا يمكن القول بأن الإمامة التي تزعمها الجلندى استطاعت أن تحقق العدالة الإسلامية الحقيقية بين أبناء الأمة الواحدة، بيد أن الدولة الإسلامية الفتية في حاجة إلى سند عسكري ليستقيم أمرها و إلا أصبحت في يد العابثين والخارجين عن سلطة الدولة، فالإسلام يأمر المسلمين أن يكونوا أقوياء في إيمانهم وفي علمهم وفي اقتصادهم، ليتحقق المجتمع الإسلامي، ولكن هناك شروطاً ضرورية لذلك وهي القوة العسكرية حتى تضمن حماية وجودها من الفتن والانتفاضات الداخلية والهجومات الخارجية، وهذه القوة العسكرية تتطلب نظاما ورجالا وعتادا وتربية أخلاقية رفيعة.

وهكذا فإن الشروط (الخصائص التي ذكرناها) قد جسمها الإمام الجلندى ابن مسعود في نظام عسكري يتمثل في الشُراة الذين تطوعوا لخدمة دولة الإسلام. 

   ومن هنا فإنه قد قسّم هؤلاء إلى مجموعات وكل مجموعة تتكون من مائتين إلى أربعمائة، ثم عيّن لكل مجموعة قائداً لها وهذا القائد يشترط فيه أن يكون عالماً فقيهاً حازماً، وكل عشرة من هؤلاء لهم معلم يعلمهم أمور دينهم ويغرس في نفوسهم الأخلاق القرآنية الكريمة وهؤلاء لهم رواتبهم الشهرية المقدرة لكل واحد منهم بسبعة دراهم في فترة تميزت بارتفاع أسعار البضائع.

يقول الشيخ السالمي رحمه الله: ( وكان المرء منهم يرزق في الشهر سبعة في غلاء من السعر، فيصبر على القوت اليسير، رغبة في الآخرة والثواب من عند الله).

ثم إن الجلندى بن مسعود قد وضع الولاة على المناطق العمانية على حسب كفاءتهم وعيّن كذلك القضاة للفصل في القضايا التي ترفع إليهم واهتم الإمام أيضا بالسلوكات الاجتماعية العامة، لاسيما ما يتعلق بالمرأة العمانية التي طلب منها الالتزام بآداب الحجاب الإسلامي، دون إغفاله عن سلوك الرجال حيث أمرهم بتقصير شعرهم ونظافة لباسهم والتزامهم بآداب الإسلام في الطرقات العامة.

وخلاصة القول أن الإمام الجلندى يريد من الأمة الإسلامية أن تعيش في ظل الأخلاق القرآنية قولا وعملا، بحيث جسّد هذه الفكرة الحيوية في سلوكه، وسقاها بدمائه الزكية الطاهرة العابقة حينما سقط شهيدا سنة 134هـ وهكذا فإن تاريخ عمان المجيد خلد بالرجال العظماء ومن بينهم هذا الإمام الشهم، نسأل الله له ولنا المغفرة وجنة الخلود آمين.

 

 **    **     **