حقيقة الـــــــــحرب الصليبية الجديدة

أرجو نشره و ترجمته إلى الإنجليزيةوإيداعه في مكتبة الكونجرس الأمريكي
قاهر الصليبيين / صلاح الدين الأيوبي
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
رجب / 1422هـ
محتويات الكتاب
|
1-مقدمة الطبعة الثانية ــــــــــــــــــــــــــــــــــ4
41-ما هي سبل الجهاد على كل مسلم ؟ـــــــــــــ152
44-رسالة أسامة بن لادن للشعب الباكستاني في هذه الأحداث ــ163 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
لقد كان للاستعجال في إخراج الطبعة الأولى للكتاب في ثمانية أيام أثراً سلبياً على مادة الكتاب ، إذ وجد فيه بعض الأخطاء والنقص في المادة .
لذا رأيت أن أطبعه طبعة ثانية أعالج فيها ما رأيته من أخطاء ونقص ، علماً أنه مجهود بشري ناقص والكمال لله سبحانه وتعالى .
ولقد زدت في الطبعة الثانية عدة مواضيع أهمها :-
1- كتبت إهداء لمن رأيت أن له حقاً عليّ رحمه تعالى .
2- أضفت مقالاً للدكتور محمد عباس في مقدمة الكتاب يسرد فيها بعض جرائم أمريكا .
3- اعتنيت بملخص الكتاب وأضفت الأدلة لحالات جواز قتل المعصومين من الكفار .
4- أضفت بعض الخسائر المادية العالمية من العمليات في ( فصل بعض المصالح المادية من العمليات ) .
5- أضفت زيادة نصوص للعلماء في الترهيب من المظاهرة في ( فصل معنى مظاهرة الكفار التي جهلها أصحاب الفضيلة ) .
6- أجبت أيضاً في ( فصل معنى مظاهرة الكفار .. ) عن عدم حجية حديث حاطب t لمن قال بأن مظاهرة الكفار غير مكفرة .
7- كما أضفت أيضاً في ( فصل يا خيل الله اركبي .. ) بعض مقالات قادة الصليبيين التي يدعون فيها لحرب الإسلام والصحوة الإسلامية .
8- ثم كتبت دعوة لمراجعة المنهج تحت ( باب حكم الجهاد اليوم على المسلمين ) .
9- ونقلت أيضاً خطاباً آخر لأمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله يستنصر فيه بالمسلمين والعلماء في كل بقاع الأرض .
10- كما اعتنيت بتــرتيب الكتاب وقدمت وأخرت بعض النصوص ، ووضحت من العبارات ما كان مجملاً منها ، وصححت ما وجدته من أخطاء مطبعية وإملائية ونحوية .
وأسأل الله أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجه الكريم ، ولا يجعل لأحد فيه شيئاً ، وأن ينفعنا بما قلنا ويجعله حجة لنا لا علينا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
المؤلف / صلاح الدين الأيوبي ( قاهر الصليبيين ) .
إهـــــــــــــــــــــــــــــــداء
إلى فضيلة الشيخ الدكتور الشهيد بإذن الله عبد الله بن يوسف عزام .
إلى مجدد القرن في باب الجهاد .
إلى العالم الذي ترجم المبادئ عملاً وبرهن بدمه حبه لدينه .
إلى العالم الذي ضرب أروع أمثلة البطولة والشجاعة والفداء في عصرنا الحاضر .
إلى العالم الذي عاش مغبر القدمين طيلة حياته في سبيل الله .
إلى العالم الذي أقبلت عليه الدنيا وأدبر عنها من أجل الجهاد .
إلى العالم الذي وهب حياته لعز الأمة وأصبح مماته حياةً لها .
إلى العالم الذي عرفته ساحات الجهاد بطلاً ، وعُرفت ساحات الجهاد بصوته .
إلى المثل الرائع والشخصية التي لا زالت تترد صورتها في المخيلة لتشحذ الهمة .
إلى الصوت الذي لا زال يدوي في النفوس ويهيج المشاعر ويفجر الطاقات .
إلى العالم الذي فجر في وجه الأعداء قنبلة الجهاد .
إلى البطل الذي لا يجارى والأسد الذي لا يبارى ، خاض المعارك فتىً وأبلى فيها شاباً وقادها كهلاً عالماً .
إلى العالم الذي أحزن القلب مقتله ، وسر العدو اغتياله فقد كان غصة للعداء من كل ملة
إلى كل أولئك الذين اجتمعوا في رجل واحد ، إلى ذلك الرمز أهدي هذا الكتاب .
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص الكتاب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:-
لما تقاصرت الهمم عن طلب العلم والقراءة للبحث عن الحق والتفتيش عن الدليل ومقارنة الاستدلال بالدليل ، ضعف بيان الحق وضعف نشره ، لأن الناس أصبحوا اليوم ضعفاء في حججهم لا يعلمون الأحكام إلا إجمالاً ، ولما رأيت ذلك قررت أن أضع ملخصاً لبعض ما جاء في هذا الكتاب ، لأن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، فأخشى أن يأتي أحد ويستكثر قراءة كل هذه الورقات فيترك الكتاب ولا يحصل له زيادة خير ، فحرصت أن أقرب ما جاء في الكتاب لكل الطبقات فقدمت الكتاب بهذا الملخص لعله أن يوضح ما جاء في الكتاب ، ومن أراد الاستزادة فليقرأ الكتاب كاملاً ليفهم ما جاء فيه والله الموفق .
قبل التأصيل الذي ينبغي أن تبنى عليه مسألة قتل نساء وأطفال الكفار في أمريكا يجب أولاً توضيح مسألة مهمة ألا وهي ، هل أمريكا بلاد حرب أم بلاد عهد ؟ .
فالقول المختار أن أمريكا ليست بلاد عهد البتة ولم تكن في يوم من الأيام معاهدة أبداً ، ولو تنازلنا مع المخالف ووافقنا على أنها بلاد عهد فإننا نقول إنها عادت بلاد حرب وذلك بنقضها للعهد وإعانة اليهود قبل أكثر من خمسين سنة على احتلال فلسطين وتشريد أهلها ، وهي بلاد حرب ناقضة لعهدها يوم أن ضربت وحاصرت العراق وضربت وحاصرت السودان وضربت وحاصرت أفغانستان ، واعتدت على المسلمين .
فالمتفق عليه أنها بلاد حرب وبلاد الحرب يجوز للمسلمين أن يضروها بكافة الأضرار لأن أهلها تحل دماؤهم وأموالهم وأعراضهم للمسلمين ، كما فعل الرسول r مع المحاربين خطف رعاياهم كما فعل مع بني عقيل ، وقطع الطريق على قوافلهم كما فعل مع قريش ، واغتال رؤساءهم كما فعل مع كعب بن الأشرف وسلمه بن أبي الحقيق ، وحرق أرضهم كما فعل مع بني النظير ، وهدم حصونهم كما فعل في الطائف إلى غير ذلك من الأفعال .
أما الحديث عن عمليات الثلاثاء المبارك في أمريكا فنريد ممن أراد أن يدين العمليات أو من فعلها أن يتريث لأنه لم يثبت حتى الآن بالدليل أن الفاعل لها من المسلمين ، وكذلك لو أعلنت دولة الصليب أن الفاعل مسلم فإن التحقيقات الجارية باطلة لا تستند لا على كتاب ولا سنة ، وأيضاً باطلة لأن الخصم هو القاضي فلا يجوز شرعاً بناء حكم شرعي على تلك النتائج ، لذا نطلب بالتريث ولا تستعجلوا الحكم على الأشخاص بنتائج التحقيقات .
ولا بد أن يعلم الجميع أيضاً أن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم أنها محرمة لا تجوز إلا بمبرر شرعي كالقصاص أو الردة أو الحدود ، والأصل أيضاً في دماء وأموال وأعراض الكفار الحل ، ولا تحرم إلا بعهد أو بذمة أو بائتمان ، أما الحربي فإن الأصل في دمه وماله وعرضه الحل ، ويخصص بالعصمة في الدماء من الحربيين النساء والأطفال والشيخ الهرم والعسيف ومن ليس من أهل القتال وذلك لتخصيص الأدلة لهم وإخراجهم من الأصل .
ففي حال أن العمليات التي حصلت في أمريكا من فعل المسلمين فهي جائزة شرعاً لأنها ضد دولة محاربة ومن فيها حربيون .
وقد يقول قائل إن الذي راح ضحية ذلك هم الأبرياء من النساء والشيوخ والأطفال ، الذين تقدم حرمة دمائهم حتى لو كانوا من قوم حربيين ، فكيف تكون العمليات جائزة شرعاً ؟ .
نقول إن حرمة دماء نساء وصبيان وشيوخ الكفار حرمة ليست مطلقة بل هناك حالات خاصة يجوز فيها قتلهم إذا كانوا من أهل الحرب ، وهذا الحالات تكون في وقائع معينة ، ونحن نقول إن عمليات الثلاثاء في أمريكا راح ضحيتها من المعصومين ولكن هؤلاء لا يخرجون بحال عن حالة من الحالات التي يجوز فيها قتلهم وسنذكرها الآن ، ويكفي المخالف أن يقرر بأن واحدة من الحالات قد انطبقت عليهم ليلزمه القول بجواز العمليات ، لأن هذه الحالات ليس شرطاً أن تنطبق كلها بل واحدة كافية ، وهذه الحالات هي :
الحالة الأولى : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار كمعاملة بالمثل فإذا كان الكفار يستهدفون نساء وصبيان وشيوخ المسلمين يجوز للمسلمين أن يعاملوهم بالمثل ويقتلوا مثل من قتلوا ، لقول الله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { وغيرها من الأدلة .
الحالة الثانية : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال الإغارة عليهم بحيث لا يمكن أن يتميز المعصومون عن المقاتلة أو عن الحصون فيجوز قتلهم معهم تبعاً لا قصداً ، لقول الرسول r عندما سئل عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال ( هم منهم ) ، وهذا يدل على جواز قتل النساء والصبيان تبعاً لآبائهم إذا لم يتميزوا ، وفي رواية مسلم قال ( هم من آبائهم ) .
الحالة الثالثة : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال لو أعان المعصومون على القتال سواءً بالفعل أو بالقول أو بالرأي أو بأي نوع من أنواع الإعانة ، لأمر النبي r بقتل دريد ابن الصمة لما خرج مع هوازن وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة خرج معهم ليشير عليهم برأيه .
الحالة الرابعة : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال الاحتياج إلى حرق حصون أو مزارع العدو لإضعاف قوته من أجل فتح الحصن أو إسقاط الدولة ، حتى لو راح المعصومون ضحية ذلك ، كما فعل النبي r في بني النضير .
الحالة الخامسة : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال ، الاحتياج إلى رميهم بالأسلحة الثقيلة التي لا تميز بين مقاتل ومعصوم كما فعل النبي r في الطائف .
الحالة السادسة : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال ، تترس العدو بنسائهم وصبيانهم ولا يمكن الوصول إلى قتل المقاتلة إلا بقتل الترس جاز لهم ذلك بالإجماع .
الحالة السابعة : يجوز للمسلمين قتل المعصومين من الكفار في حال ، إذا نكث أهل العهد عهدهم واحتاج الإمام إلى قتل المعصومين تنكيلاً بهم ، كما فعل النبي r في بني قريظة .
ورب قائل يقول ولكن ما أدلة جواز قتل المسلمين الذين كانوا في مركز التجارة العالمي ؟ فنحن نوافق على أن المعصومين من الكفار يدخلون في واحدة من الحالات المتقدمة ، ولكن أين ندخل المسلمين الذين ماتوا في العمليات ممن يعملون هناك ؟ .
نقول الرد على ذلك السؤال من سبعة أوجه يكفي أيضاً للمخالف الإقرار بواحد منها ليلزمه القول بالجواز .
الوجه الأول : لم يثبت حتى الآن وجود مسلمين من ضمن الضحايا وإذا ثبت نجيب بما بعده .
الوجه الثاني : لا بد من معرفة ما هي مبررات الفاعل إن كان مسلماً ، فإذا كانت المبررات عبارة عن حالة اضطرار جاز له هذا الفعل ، وإذا كانت المبررات ليس فيها اضطرار فنجيب بما بعده .
الوجه الثالث : إن غلبة الظن قائمة على أن الأهداف التي ضربت لا يوجد فيها إلا كفار والعمل بغلبة الظن في الأحكام الشرعية هو الذي يُلزم به المكلف .
الوجه الرابع : يرى الشافعي والجصاص من الحنفية أنه يجوز تحريق وتغريق وهدم بلاد المحاربين حتى ولو كان فيها مسلمون ربما يموتون بمثل تلك الأفعال لأن الكف عن ديار الحرب بمن فيها من المسلمين مفضي إلى تعطيل الجهاد ، وأجاب الجصاص عن الآية } فلولا رجال مؤمنون .. الآية { بأنها لا تدل على التحريم ، فإذا كان كذلك فيجوز لمنفذ العمليات إن كان مسلماً هذا العمل .
الوجه الخامس : إن إطلاق الآية المذكورة آنفاً وتعميم حكمها يفضي إلى تعطيل شعيرة الجهاد على كل الدول المحاربة لأنه لا يوجد دولة اليوم إلا وفيها عدد كبير من المسلمين وحروب اليوم تقتل أعداداً كبيرة من الناس ، فإطلاق حكم الآية باطل لأنه يبطل شعيرة الجهاد أو يحصرها بغير دليل .
الوجه السادس : لو أن الفاعل مسلم وعلم بذلك فإن غاية ما عليه أن يدفع نصف دية المقتول كما أفتى بذلك محمد r لمن قتل مسلمي خثعم الذين كانوا يعيشون بين أظهر أهل الحرب من قومهم ، ودفع الرسول r نصف عقلهم من بيت المال ، ولم يكفر من قتلهم أو يعنفه أو يدعو عليه أو يتبرأ من فعله .
الوجه السابع : يجوز أيضاً معاملة المسلم الذي يعين الكفار ويقويهم على أنه منهم في الحكم الدنيوي وحكمه الأخروي يبعث على نيته كما خسف الله بالجيش الذي يغزو الكعبة وفيهم من ليس منهم .
وبعد معرفة أن جواز هذه العمليات من الناحية الشرعية لا غبار عليه ، فإننا لا بد أن نعرج للرد على من حرم العمليات من ناحية المصالح والمفاسد ( المصالح المرسلة ) .
إن القول بأن هذا الفعل أو ذاك مفسدة فعله أعظم من مفسدة تركه أو مصلحة تركه أعظم من مصلحة فعله ، ليس متاحاً لكل أحد وليس قولاً يتفوه به من علم ومن جهل كلا ، بل إن المصالح المرسلة علم له أصوله ولا يجوز لأحد القول به حتى يعرف أصوله .
إن المصالح المرسلة هي نوع من أنواع القياس لأن القياس من أركانه العلة ، والعلة لا بد لها من مناسبة ، والمناسبة تنقسم إلى أربعة أقسام ، أحد أقسامها هو : المناسب المرسل وهي العلة التي تتضمن حكمة ومنفعة شرعية دينية أو دنيوية علماً بأن الشارع لم يأت بما يلغيها أو يأمر بها ، وهذا القسم هو الذي يسمى المصالح المرسلة ، وتتضح المصالح المرسلة بذكر ضوابطها وهي خمسة ضوابط هي :
أولاً : أن تكون ضرورية أي مستندة على الضرورات الخمس ، ثانياً : أن تكون كلية أن منفعتها لكل المسلمين ، ثالثاً : أن تكون قطعية إي لا تبطل دليلاً أو أصلاً آخر ، رابعاً : لا يفضي الأخذ بها إلى مفسدة أعظم منها أو مساوية لها ، خامساً : لا يفضي الأخذ بها إلى تفويت مصلحة أعظم منها أو مساوية لها .
فإذا عرفت هذه الضوابط فيبقى لمن أراد القول بها أن يحقق ركناً مهماً من ركني العمل بها وهو ركن فقه الواقع للحالة التي يراد تحديد المصلحة والمفسدة لها ، لكي يحقق المناط في محل الفتوى قبل إنزال الفتوى عليها .
ونجيب على بعض المفاسد التي عدها المنكرون للعمليات ونبين أنها لا تستقيم مع الضوابط الخمسة المذكورة ، علماً أن الذي قام بالعمليات إن كان مسلماً فإن معه الأصل وهو الدليل فإن المصلحة المطلقة هي باتباع الدليل ، فلا ينبغي أن يقال له ما هي المصلحة من فعلك هذا ، بل يكفي أن يرد بقوله إن المصلحة أني عملت بالدليل فقط .
ومن المفاسد التي لا تعتبر وعدها المنكرون :
أولاً : قالوا أن هذه العمليات ستتسبب بتصفية الرايات الجهادية في العالم وربما في الشيشان وفلسطين .
ونرد على ذلك بنقاط ، 1: هذا لا يمكن أبداً لأنه بان لنا من الكتاب والسنة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة فهذه مفسدة لن تحصل أبداً ، 2 : ثم إن الكفار وأذنابهم قد بذلوا وسعهم لفعل ذلك وليس عندهم ما يزيدونه إلا يسيراً ، 3 : إن الاتحاد الأوربي قبل ثمانية أشهر قرر خنق الحركات الجهادية مالياً وبشرياً وهو ماض بتنفيذ خطته قبل العمليات ، 4 : وإن هذه المفسدة أيضاً تردها سيرة النبي r لأنه كان يثير الكفار ممن هم أقوى منه عددا وعدة بالأعمال الجهادية المتفرقة ، 5 : ثم إن هذه المفسدة إذا أنزلت على الضوابط الخمسة المتقدمة تخترم ولا تستقيم ، فليست ضرورية ولا قطعية ولا كلية ولن تفوت مصلحة أعظم والمفاسد التي خافوها متحقق تسعة أعشارها .
ثانياً : ومن المفاسد التي قالوا إنها حصلت بالعمليات هي أن الأعمال الدعوية والثقافية والإغاثية والتعليمية ستضرب في العالم .
ونقول هذه المفسدة حاصلة قبل أن ينتبه لها المفتون ، ثم نقول أين الأعمال الدعوية الحرة ؟ وأين العلماء ؟ وأين الدعاة ؟ كيف يوزع الكتاب ؟ وكيف يوزع الشريط ؟ لا يوجد أعمال دعوية حرة أبداً ، والعلماء والدعاة في السجون وأحسن أحوالهم في الخارج تحت الإقامة الجبرية أو موقوفون ، والكتاب والشريط لا يمكن توزيعه إلا بإذن من جند الطاغوت ، وكل يوم في تضييق أشد .
أما الأعمال الخيرية فإنها محاصرة وقد اجتمع وزراء الداخلية العرب عام 1414هـ في الجزائر وقرروا محاصرة الهيئات الإغاثية ، واجتمع بعدهم رؤساء الدول العربية وأكدوا ذلك القرار في تونس ، فالمحاصرة وضرب الهيئات معمول به منذ زمن .
ثالثاً : قالوا من المفاسد التي حصلت بسبب العمليات ضرب واضطهاد الشعوب الإسلامية أو بعضها وأيضاً احتمال غزو الشعب الأفغاني .
نقول هذه المفسدة نعيشها قديما قبل أكثر من مائة سنة كيف زعمتم حصولها اليوم ؟ أنتم لا يمكن لكم أن تثبتوا لنا أن شعباً إسلامياً واحداً غير مضطهد ، أو يعبد الله بحرية ، أو يُحكم بالإسلام في جميع شئون حياته ، فإذا كان هذا حال الأمة قديماً فكيف لكم أن تزعموا أنه سيحصل الآن .
ثم إنكم تباكيتم على الشعب الأفغاني وأنكم تخافون أن يغزى من قبل أمريكا ، أنتم أول من خذلتم الأفغان فلماذا تبكون عليهم ، أنتم لم تحاربوا من حاربهم ، أنتم لم تحاولوا رفع الحصار عنهم ولا إعانتهم على مصيبتهم بل لم يسلموا من نقدكم اللاذع وتكفيركم لهم .
وأنتم أيضاً لا تعرفون واقع الإمارة الإسلامية حتى تحكموا هل ستجر عليها هذه العمليات مفسدة أعظم مما هي فيه أم لا ، الإمارة الإسلامية تعيش بين خيارات ثلاث أحلاها مر .
الخيار الأول : أن تستجيب للضغوط الدولية وتطبق ما يريدون وتحكم بالطاغوت وتكفر .
الخيار الثاني : الإصرار على موقفها والتمسك بمبادئها والموت موتاً بطيئاً والسقوط بعد بضع سنين .
الخيار الثالث : أن تدافع عن نفسها وتقاتل وتحاول جر عدوها إلى أرضها لتهزمه كما هزمت من قبله .
ومع هذه الخيارات المرة أي مصلحة للإمارة الإسلامية تحافظ عليها ؟ ، فمفسدة إبادتها أقل المفاسد إذا ماتوا على دينهم ، مع أن احتمال إبادتهم وهزيمتهم احتمالاً ضعيفاً واحتمال النصر كبير ثقة بالله .
ثم إن أمريكا كانت قد أعدت خطة لاجتياح أراضي أفغانستان وشن هجوم شامل عليها من عدة دول قبل عمليات التفجير فإذا وصل الإمارة هذا العلم ، وهي التي بادرت و قامت بالعمليات فإنها قد أحسنت كل الإحسان .
رابعاً : ومن المفاسد التي قالوا أن العمليات في أمريكا أحدثتها هي أن المسلمين في الغرب سيضيق عليهم وسيعتدى عليهم .
نقول هذه مفسدة ليست كلية فكيف تغلب مصلحة 500 مسلم في أمريكا وهم الذين تعد أمريكا خيارهم الوحيد في السلامة من ملاحقة حكوماتهم ، وتهمل مصلحة ثلاثمائة مليون مسلم على الأقل يد الطغيان والعدوان الأمريكي تقتلهم وتنتهك حقوقهم كل يوم بشكل مباشر أو غير مباشر ، فهذه مفسدة باطلة .
خامساً : قالوا من المفاسد التي أحدثتها التفجيرات أن الغرب سيصور المسلم بصورة السفاح .
نقول هذه المفسدة من أبطل الباطل وهذا المنطق منطق المنهزم المتخاذل ، وإلا فكيف يتخلى المسلم عن شريعته وأحكام دينه وسيرة نبيه r وأصحابه رضوان الله عليهم من أجل أن يرضى الغرب عنه ويرسم له صورة الرحيم النبيل ؟ ، إن ديننا دين ذبح للكفار دين قتل واستباحة لهم إذا لم يسلموا ، إن هذه المفسدة المزعومة مفسدتها على دين الناس أعظم من مفسدة ألف عملية تفجير ، لأن فيها تملص من حقيقة هذا الدين نسأل الله العافية .
هذه بعض المفاسد التي صورها المفتون بإنكار العمليات .
وهناك مصالح حصلت من هذه العمليات لم ينظروا إليها أبداً ولم يذكروها ، وهي أن أمريكا حتى ولو انتقمت انتقاماً عاجلاً ومدمراً من أفغانستان فإنها ستنظر فيما بعد لقضايا المسلمين بتعقل لا سيما قضية فلسطين وسيخف طغيانها على المسلمين وهذا ما بدأ ينادي به ساستهم ، وأيضاً العمليات أوقعت أمريكا بأكبر أزمة اقتصادية عرفتها فالخسائر المادية تصل إلى ترليون ، وفقدت ما يقرب من ألفي عقل اقتصادي في العمليات وانخفضت البورصة انخفاضاً هائلاً وتدهور الإنفاق الأمريكي ، وانخفض سعر الدولار ، وتضررت شركات الطيران وأعلنت عن تسريح 26 ألف موظف ربما يصلون إلى 100 ألف في القريب العاجل ، كما ذهب نظام العولمة الأمريكية الذي كان سيفسد العالم بلا رجعة ، إلى غير ذلك من المصالح والخسائر المادية الأولية التي تم رصدها وفي أصل الكتاب تفصيلها.
إلا أن مما يؤسف له أن ينزلق كثير من الدعاة في مزلق عزاء أمريكا والتأسف عليها والإفتاء بعونها والتبرع لأبريائها !! بالدم ، والإفتاء بتجريم من قام بالعمليات وإخراجه من الإسلام وإعطاء الصليبيين الضوء الأخضر بأكثر من شطر كلمة للانتقام من المسلمين ، الذي يعلم كل من أفتى أن أمريكا تقصد الأفغان وأسامة بن لادن ، لذا فإننا نحذر أولئك من الردة بسبب عونهم للصليبيين بالقول أو بإفتائهم للحكومات العربية بأن التعاون ضد الإرهاب جائز شرعاً وهذه ردة جامحة .
ولا بد للفقهاء وللناس في هذا الزمان وهذا الوقت خاصة أن يعرفوا معنى الولاء والبراء ويعرفوا أن هذه الركن الذي لا تصلح ( لا إله إلا الله ) إلا به هو أوثق عرى الإيمان ولا يوجد في القرآن حكم أوضح ولا أبين منه فمن خالفه ووالى أعداء الله بأي نوع من أنواع الموالاة فليس له من الإسلام نصيب ، وليرجع من أراد تفصيل ذلك إلى أصل الكتاب .
كما لا بد للفقهاء وللناس في هذا الوقت خاصة أن يعلموا معنى مظاهرة الكفار التي يصير بها المسلم كافراً ، فالمظاهرة هي المعاونة والمساعدة للكفار على المسلمين سواءً بالقول أو الفعل أو المال قل أو كثر ، فكل من يصدر منه هذا العون بأي شكل من الأشكال وبأي حجم فهو مرتد سواءً كان حاكماً أو محكوماً مدنياً أو عسكرياً عالماً أو فقيهاً سواءً باختياره أو بأمر غيره له ، فكل من يظهر منه ذلك مرتد يجب استتابته فإن تاب وإلا قتل ، وإن كان حاكماً وجب خلعه .
وها هي الحرب الصليبية قد اتضحت معالمها وجمع الصليب حزبه وأعد عدته وأعلن الرئيس الأمريكي بوش أن هذه الحرب هي حرب صليبية طويلة المدى وتحتاج إلى صبر ، وقد أعلن عن أن هذه الحملة ستستهدف ستين هدفاً وقد صرح بسبع وعشرين هدفاً في كل أنحاء العالم الإسلامي ، وبعد هذا الإعلان يجب على المسلم أن يكون على قدر المسؤولية وأن يدع الركون إلى الدنيا ويهب لنصرة الإسلام والوقوف ضد هذه الحملة الصليبية بكل ما يملك بنفسه وبماله وولده ووقته فإن الحرب فاصلة ولا تحتمل تخلف أي مسلم عنها .
وليعلم المسلم أن الجهاد بكل ما يملك فرض عين عليه ، وهو فرض عين منذ زمن طويل إلا أنه تأكد في هذا الزمان ، واعلم أن حكم الجهاد اليوم بأنه فرض عين أن ذلك مجمع عليه ، ومن الفتاوى في هذا الحكم .
قال شيخ الإسلام بن تيمية في الفتاوى الكبرى ( الاختيارات ) 4/520 " وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم " وقال " وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب ، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة ، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا " قلت : وقد دخل العدو ديارنا منذ قرون ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإن أردت التفصيل فارجع إلى أصل الكتاب .
واعلم أنك يا عبد الله بما أن الجهاد متعين عليك فإنه بإمكانك أن تصنع أي شيء لتعذر أمام الله يوم يسألك عن هذا الحكم ، ولقد لخصت بعض السبل التي بإمكان كل مسلم أن يعمل بها أو ببعضها وهذه السبل على سبيل المثال لا الحصر هي :-
أولاً : الدعاء للمسلمين في أفغانستان في الصلوات بالقنوت وفي السجود وفي الأسحار وفي كل مواطن الإجابة ، بأن يحفظهم الله من كل سوء وأن ينجيهم من كل شر وأن يلطف بهم ويحفظ لهم أرواحهم ويستر عوراتهم ، وأن يجعل تدبير الكافرين تدميراً لهم
ثانياً : إصدار الفتاوى من علماء الأمة جميعاً يحذرون فيها أمريكا ودول التحالف بأن لا تكرر حماقتها ضد المسلمين العزل في أفغانستان وذلك بضربهم أو زعزعة أمنهم .
ثالثاً : إصدار الفتاوى من علماء الأمة جميعاً موجهة للمسلمين بوجوب النفير للدفاع عن الشعب الأفغاني المسلم في حال تعرضه لضربات ظالمة .
رابعاً : إصدار الفتاوى من علماء الأمة جميعاً موجهة للمسلمين خاصة في باكستان وطاجكستان وأوزبكستان وإيران والهند ودول الجوار بأنهم هم أول من يجب عليهم حمل السلاح والدفاع عن المسلمين في أفغانستان .
خامساً : إبلاغ الولايات المتحدة ودول التحالف من خلال المظاهرات العارمة في كل الأقطار الإسلامية والعالمية ، وبغيرها من السبل الدبلوماسية ، بأن أي اعتداء على مسلم أفغاني واحد يعد اعتداءً على المسلمين جميعاً في كل مكان .
سادساً : محاولة الإضرار بالمصالح الغربية في الدول الإسلامية وذلك بالمقاطعة الاقتصادية الشاملة ، حتى تكف عن حملتها ضد المسلمين .
سابعاً : يجب تحريك جميع الهيئات الإغاثية الإسلامية عاجلاً إلى باكستان لتكون قريبة من مكان الحدث للتخفيف من الكارثة المحتملة لا قدر الله ضد المسلمين .
ثامناً : يجب جمع التبرعات المادية والعينية من غذاء وكساء ودواء لإخواننا المسلمين الأفغان ، والعمل فيها بفتوى شيخ الإسلام كما جاء في الفتاوى الكبرى 4/519 قال " ولذلك قلت لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى ، فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله " .
تاسعاً : يجب أن يساهم كل مسلم بماله لتمويل هذه الحرب وذلك باستقطاع جزء من دخله بشكل دائم حتى ينصر الله الإسلام والمسلمين ، وكما قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى 4/519 " ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد " ثم قال " فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة " وقال " فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه – أي الخلاف في مصارف الزكاة – فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً " .
عاشراً : يجب استعداد جميع الأطباء الرسميين وغير الرسميين وذلك بالتنسيق مع المستشفيات الباكستانية أو الهيئات الإغاثية للنزول إلى الميدان فور الحاجة لهم .
الحادي عشر : يجب نفير أهل الخبرة والمعرفة من كوادر عسكرية وإدارية والعلماء وطلبة العلم والشباب ليقودوا المعركة فإنا ننصر بالصالحين .
الثاني عشر : يجب تعبئة الأمة جميعها من خلال الكتاب والشريط والخطب والمجالس وعلى الشبكة الإلكترونية بأن الأمة الإسلامية توشك أن تدخل حرباً ضد أعنف حملة صليبية تستهدف المسلمين ، لذا لا بد لها من أن ترمي بثقلها لتكسب المعركة .
الثالث عشر : مناصحة كل من تباكى على موت الصليبيين ووقف معهم سواءً كان فقيهاً أو حاكماً أو عسكرياً أو مدنياً ، فإعانة الصليبيين بأي نوع من الإعانة سواءً كانت مادية أو معنوية أو قولية ضد المسلمين ، تعد مظاهرة ناقضة للإسلام لا يصلح معها إيمان .
هذه بعض السبل التي نوصي بها ونعلقها في رقاب العلماء والدعاة وشباب الأمة وتجارها ، واعلموا أن الوقوف مع المسلمين في كل مكان ليست مهمة أشخاص دون آخرين إنما هي مهمة كل مسلم قادر على غياث المسلمين .
هذا بعض ما جاء في ثنايا الكتاب ولكن ليعلم كل قارئ لهذا الملخص أن الملخص لم يأت على كل ماجاء في الكتاب وذلك لقصد الاختصار ، فكان الاختصار مخلاً شيئاً قليلاً ، لذا لا يتعجل قارئ هذا الملخص بالحكم على ما جاء في الكتاب حتى يقرأ الكتاب كاملاً ، وما مقصدي من الملخص إلا ليتمكن من عجز عن القراءة المطولة أن يحصل على بعض الخير الذي جاء فيه والله ولي التوفيق .
والصلاة والسلام على رسول الله
وعلى آله وصحبه أجمعين .
المقدمة
الحمد لله القائل } أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون { والقائل } أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها { والصلاة والسلام على خير خلق الله المبعوث رحمة للعالمين الذي قال ( حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه ) فعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين
لقد وردت إلينا أسئلة كثيرة تربو على المائة سؤال يسأل أصحابها عن الحكم الشرعي لما حدث في أمريكا ؟
ولقد رأينا إجابة على تلك الأسئلة أن نفصل الإجابة ليتبين الحكم الشرعي الذي نذهب إليه لعل الله أن ينفع بها كل مسلم .
إن ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية من دمار ، لا يمكن لمتابع تلك الأحداث إلا أن يقول إنها عقوبة من الله على الظلم الذي ترتكبه الولايات المتحدة ضد شعوب العالم وضد المسلمين خاصة ، فقد ذاقت جزاء صنيعها ، فإن كانت تألمت من تلك الأعمال التي يقدر عدد ضحاياها بـ20ألف شخص بين قتيل وجريح ، فإن أهل العراق فقدوا من جراء الحصار ما يقرب من مليوني مسلم ، وشعب فلسطين فقد نصفهم تقريباً بين قتيل وجريح من جراء الاعتداء الصهيوني على أرضهم منذ أكثر من نصف قرن ، والشعب الأفغاني هلك منه في الحصار سبعون ألف مسلم ، وكذلك المسلمون في الفلبين وأندونيسيا وكوسوفا والصومال وليبيا والسودان ، وغيرهم من الشعوب الإسلامية التي تلطخت يد أمريكا بدمائهم ، ناهيك عن ملايين البشر من غير المسلمين في أفريقيا السوداء واليابان وفي صربيا وأمريكا الجنوبية وغيرها من دول العالم ، التي طالها العدوان الأمريكي وظلمها الفضيع ، وكل أولئك يقدرون بعشرات الملايين ، هذا من غير المشردين واللاجئين والمطرودين خارج أراضيهم بأيدي أمريكا ، وقد قدم العراق مذكرة إلى الأمم المتحدة يوم 16/7/1422هـ جاء في هذه المذكرة أن أمريكا منذ عام 1870م تقريبا أشعلت مباشرة أو بواسطة 72 حرباً في العالم تعد الأفظع في تاريخ البشرية .
ويصف الدكتور محمد عباس الكاتب في جريدة الشعب المصرية في مقال له في بعد التفجيرات بأسبوع حجم الإجرام الأمريكي الذي طال شعوب العالم بقوله " ويقول :صحفي بريطاني آخر علق ساخرا: " كانت الحرب – أي حرب الخليج ضد العراق - نووية بكل معنى الكلمة ، جرى تزويد جنود البحرية والأسطول الأمريكي بأسلحة نووية تكتيكية ، والأسلحة المطورة أحدثت دمارا يشبه الدمار نووي ، استخدمت أمريكا متفجرات الوقود الهواء المسماة Blu-82 وهو سلاح زنته 15000 رطل وقادر على إحداث انفجارات ذات دمار نووي حارق لكل شيء في مساحة تبلغ مئات الياردات ، و الأبشع من ذلك قنابل اليورانيوم المستنزف التي جرى استخدامها لأول مرة ، وهى أرخص و أحط طريقة للتخلص من نفايات المفاعلات والمحطات النووية ، الدبابات الأمريكية أطلقت ستة آلاف قذيفة يورانيوم ، والطائرات أطلقت عشرات الآلاف ، وتقرير سرى لهيئة الطاقة الذرية البريطانية يقدر ما خلفته قوات التحالف في ميادين الحرب بما لا يقل عن أربعين طنا من اليورانيوم الناضب ، أضف ما جرى من تدمير المفاعل النووي العراقي ومحطات الطاقة ومصانع الكيماويات ، وهكذا توالت كوارث الحرب الأكثر تسميما في التاريخ ، وتقدر مصادر غربية أن هناك 800 طن من غبار وذرات اليورانيوم الناضب سوف تستمر في الهبوب على شبه الجزيرة العربية لمدى طويل جدا ، فقد تم تلويث الهواء والتربة والأنهار بكميات مفزعة من الإشعاع المسبب للسرطان ، والكارثة مستمرة لآلاف السنوات القادمة ، الأطفال يلعبون ببراءة بدمى مصنوعة من قذائف اليورانيوم، والنتيجة موت بطئ ومؤكد ، مكتب السكان الأمريكي يقول أن عمر العراقيين هبط 20 سنة للرجال و 11 سنة للنساء ، ونصف مليون حالة وفاة بالقتل الإشعاعي في العاجل والآجل، سبقت حرب الإبادة المحرقة وتلتها واستمرت حتى الآن في حصار غير مسبوق ولا ملحوق في وحشيته " .
و يواصل الكتاب قوله : " إن الولايات المتحدة هي المهندس الراعي لعملية الإبادة هذه التي تستمر منذ أعوام، ويعمل المسئولون الأمريكيون عن قصد وبتصميم قاس وفظ على منع الإعانة عن شعب يعانى الجوع والمرض ، ولا تنفى واشنطن هذه الحقائق البشعة"
ثم يعقب أمريكي آخر وهو يهودي أيضاً هو نعوم تشومسكي بقوله " إن هناك ما يكفى من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأنهم مجرمو حرب " .
ويقول رامسي كلارك وزير العدل الأمريكي الأسبق : " إن مبادئ القانون والعدالة تدين بقوة هذه العقوبات وتعتبرها إجرامية " .
ويقول هوك ستيفنز : " لقد نجح المؤلف من خلال وثائقه الوفيرة وبسطها بأسلوب ساخط لاذع في تسليط ضوء قوى على أكثر جرائم الإبادة الجماعية وحشية في القرن العشرين – أي حرب العراق - " .
و يصرخ مؤلف الكتاب : " إنني أشعر بالعار المتسم بالعجز إزاء ما حكمت به حكومتي والمتواطئون معها في الإبادة الجماعية ، أولئك المشلولون نفسيا، ومن ينقلون الشعور بالذنب.."
في ليبيريا قتل في أوائل عقد التسعينيات أكثر من 150 ألف شخص ، وقتل الآلاف في زائير (أرغم نصف مليون شخص على هجر منازلهم بسبب التطهير العرقي )، وشرد مليون نسمة في سيراليون ، ومات زهاء60 ألفا في الحرب والمجاعة عام 1990 وحده ، وفي أنغولا مات 20 ألفا أثناء حصار منظمة يونيتا لمدينة كويتو الذي استمر 8 أشهر، وهو حدث بين أحداث مماثلة عدة ، للسياسات الاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا التي لا يكشف عنها .
وقتل القادة العسكريون الإندونيسيون بتشجع وترحيب وسلاح وخطط وخبراء الأمريكان مليونا من مواطنيهم ، وقتل في جنوب أفريقيا أكثر من مليون شخص في ناميبيا وأنغولا وموزمبيق .
لقد طورت الولايات المتحدة التي نشأت عبر التطهير العرقي والإبادة الجماعية ، قدرتها على التطهير العرقي و الإبادة الجماعية باستعمال تقنية لم يسبق لها مثيل ، وقد طور معظم براعة واشنطن في ارتكاب الإبادة الجماعية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها .
وقبل مضي زمن طويل استدارت واشنطن دورة كاملة فأصبحت القوة الجوية الملكية البريطانية والقوة الجوية للجيش الأمريكي راعيتي القصف الاستراتيجي ومضيتا في إتقان أسلوب التدمير الواسع للمدن باستعمال القنابل الحارقة ، وكان الجنرال جورج مارشال ، رئيس الأركان ، قد أمر مساعديه في الواقع بتخطيط هجمات حارقة (تحرق الهياكل الخشبية والورقية للمدن اليابانية الكثيفة السكان ، وفي إحدى الليالي دمرت 334 طائرة أمريكية ما مساحته 16 ميلا مربعا من طوكيو بإسقاط القنابل الحارقة ، وقتلت 100 ألف شخص وشردت مليون نسمة ، ولاحظ الجنرال كيرتس لوماي بارتياح أن الرجال والنساء والأطفال اليابانيين قد أحرقوا ، وتم غليهم وخبزهم حتى الموت ، كانت الحرارة شديدة جدا حتى أن الماء قد وصل في القنوات درجة الغليان وذابت الهياكل المعدنية وتفجر الناس في ألسنة من اللهب ، وتعرضت أثناء الحرب حوالى 64 مدينة يابانية ، فضلا عن هيروشيما وناغازاكي إلى مثل هذا النوع من الهجوم ، وتشير أحد التقديرات إلى مقتل زهاء 400 ألف شخص بهذه الطريقة ، وكان هذا تمهيدا لعمليات الإبادة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد أقطار أخرى لم تهدد واشنطن .
وبين عامي 1952 و 973 1 ذبحت الولايات المتحدة في تقدير معتدل زهاء عشرة ملايين صيني وكوري وفيتنامى ولاووسي وكمبودي . ويشير أحد التقديرات إلى مقتل مليوني كوري شمالي في الحرب الكورية وكثير منهم قتلوا في الحرائق العاصفة في بيونغ يانغ ومدن رئيسة أخرى ، ويذكرنا هذا بالهجمات الحارقة على طوكيو (التقدير الأعلى للقتلى الصينيين حوالى 3 ملايين ) . وشهد الجنرال ايميت اودونيل ، قائد قيادة قاذفات القوة الجوية في المشرق الأقصى ، في جلسات الاستماع المكارثية أن "شبه الجزيرة الكورية برمتها تقريبا في حالة مفجعة ، إذ دمر كل شيء ولم يبق شيء يستحق الذكر قائما، وأن دخول القوات الصينية المفاجئ لكوريا الشمالية لردع ماك ارثر من عبور نهر يالو إلى الصين قد منح قاذفات القنابل الأمريكية فرصا جديدة للقتل الجماعي ، قال : كنا بلا مهام طيران حتى قدم الجيش الصيني ، إذ لم يكن قد بقي هدف في كوريا (سجلات جلسات الاستماع المكارثية) وبعد أقل من عقد واحد أخضعت فيتنام ولاوس وكمبوديا إلى النوع نفسه من المعاملة .
وذكر الراهب البوذي الفيتنامى ثيتش ثين هاو أنه بحلول منتصف عام 1963 سببت حرب فيتنام مقتل 160 ألف شخص ، وتعذيب وتشويه 700 ألف شخص ، واغتصاب 31 ألف امرأة ، ونزعت أحشاء 3000 شخص وهم أحياء ، وأحرق 4000 حتى الموت ، ودمر ألف معبد ، وهوجمت 46 قرية بالمواد الكيماوية السامة . . الخ .
وأدى القصف الأمريكي لهانوي وهايفونغ في فترة أعياد الميلاد وعام 972 1 إلى إصابة أكثر من 30 ألف طفل بالصمم الدائم ، وبعد الحرب بينما عانى الأمريكيون الكرب بسبب 2497 جنديا مفقودا (بحسب أحد التقديرات ) كافحت العوائل الفيتنامية للتكيف مع 300 ألف مفقود ، وربما بلغ عدد القتلى في فيتنام 4 ملايين فضلا عن ملايين كثيرين آخرين من المعوقين والمصابين بالعمى والصدمات والتشويه ، وتقلصت فيتنام إلى بلد للقبور ومبتوري الأعضاء والأرض المسممة واليتامى والأطفال المشوهين ، ولعل مجموع الموتى والمشوهين ، ضحايا الأيديولوجيا الغربية ، يصل إلى 22 مليونا، إلا أن الكآبة الأمريكية بسبب (مرض فيتنام ) لا علاقة لها بذلك .
إن دماء الكوريين والفيتناميين واللاووسيين والكمبوديين ليست وحدها التي لوثت الأيدي الأمريكية التي لا يمكن محو الدماء عنها ، فقد شاركت الولايات المتحدة على نحو مباشر وغير مباشر في عمليات التعذيب والتشويه والقتل في أقطار كثيرة أخرى في أنحاء العالم ، وثمة تواطؤ أمريكي واضح في المجازر الإندونيسية والحروب ضد الناس المكابدين في أمريكا الوسطى (نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس : قتل مئات الآلاف الآخرين عن طريق الأسلحة الأمريكية والتدريب والمشورة الأمريكيين ونيابة عن أمريكا) في الاضطرابات المدنية الأمريكية (الصراع الدامى في وأنغولا وموزمبيق ناميبيا وغيرها)، وفي أعمال القمع التي ارتكبها الطغاة الذين دعمتهم أمريكا عبر العقود (سوموزا وبينوشيت وماركوس وموبوتو وباتيستا ودييم وكي وري ودوفاليه وسوهارتو وسافيمبي وغيرهم من دكتاتوريات العالم ) ، ثمة مثال واحد من أمثلة كثيرة : ذبح الجنود الذين دربتهم الولايات المتحدة قي الوزوتي عام 1981 حوالي 000 1 فلاح أعزل منهم 139 طفلا . وقتل الجيش الأمريكي المدرب في غواتيمالا أكثر من 150 ألف فلاح بين عامي 1966 و 1986" أهـ مقال الدكتور محمد عباس .
و النتيجة التي حصدتها أمريكا وتمثلت في تلك العمليات المدمرة ، إنما هي جزء من ثمار الزرع الأمريكي لكل تلك التوترات والفساد الذي بثته في العالم ، فإن كانت تألمت مرة فإن تلك الشعوب تتألم منذ عقود من أفعالها ولا زالت ، فلتذق جزاء صنيعها بالشعوب ولتتذكر أن ما حصل لها هو حال ملايين البشر الذين وقعوا و يقعون تحت ظلمها ، وما حصل لأمريكا يغيظ أذنابها ويفرح كل عدو لها على اختلاف مللهم .
ولكن مما حز في نفوسنا أن يتعجل كثير من المنتسبين للعلم ويصدروا فتاواهم بالشجب والاستنكار لهذه الأحداث ولمن وراء الأحداث ، ويعزّون أمريكا ويواسونها بمصابها بل ويطلبون من المسلمين التبرع لأعداء الله بالدم ، وهم الذين أراقوا دماء المسلمين في كل مكان ولا زالوا ، وفي اعتقادنا أن أكثر تلك الفتاوى ليست إلا فتاوى سياسية لأنها لم تتسم بأي طابع شرعي تأصيلي ، فالله المستعان فقد عشنا حتى رأينا الآية تترك والحديث يهدر نصه ومعناه وينحرف عنه المنتسبون للإسلام من أجل دنياً فانية سيسلبهم الأمريكيون حلاوتها حتى لو صفوا معهم ودافعوا عنهم .
وإن تعجب من شيء فإنك تعجب من التناقض المنقطع النظير الذي حصل من أصحاب فتاوى الشجب والاستنكار .
فمن صور التناقض أن يسكتوا عن جرائم أمريكا واليهود وعن جرائم غيرهم وحينما تصاب أمريكا ينطق الجميع ويستنكر ضرب أمريكا ويعزّيها ، رغم أننا لم نر لهم بياناً يجرم أمريكا لما فعلته في إخواننا في فلسطين ولم نر لهم بياناً يجرم أمريكا لما فعلته في الصومال أو العراق أو أندونيسيا أو حصار ليبيا و أفغانستان والسودان وضرب تلك الدول ، بل لم يجرموا أمريكا بدعمها العلني للصرب ضد المسلمين في البوسنة أو دعمها للروس ضد المسلمين في الشيشان خلال الحربين التي راح ضحيتها حتى الآن 250ألف مسلم وشرد أكثر من 600 ألف مسلم سوى الجرحى والمعاقين ، فلماذا تحرق أمريكا أرض العراق وتقتل ما يقرب من مليوني مسلم من الحصار والحرب قبلها ولم ينطقوا بشيء ، لماذا يصدر قرار مجلس الأمن بالإجماع مرتين لحصار أفغانستان ويذهب ضحية الحصار آلافاً من المسلمين ولم يستنكروا الحصار رغم أن مؤدى الحرب والحصار واحد في إهلاك الحرث والنسل .
ومن صور التناقض أيضاً أن نسمع من بعضهم بالأمس دعوة لمقاطعة البضائع الأمريكية لضربها اقتصادياً ، ولما ضربت أمريكا اقتصادياً بشكل مباشر دافعوا عنها وعز عليهم ما جرى لأمريكا ، ففي الوقت الذي لا يجيزون فيه شراء السلع الأمريكية حتى لا ينتعش اقتصادها ، يحرمون ضرب الاقتصاد الأمريكي مباشرة ، بل ويدعون المسلمين للتبرع بالدم والمعونة للأمريكيين .
ومن صور التناقض أيضاً أن الذين أجازوا ضرب بغداد وبقية المدن العراقية مع العلم بسقوط عشرات الآلاف من المدنيين أثناء حرب الخليج ، هم أنفسهم الذين حرموا ضرب أمريكا بسبب سقوط الأبرياء بزعمهم ، فلماذا قتل أبرياء العراق حلال و قتل أبرياء أمريكا حرام ؟! .
ومن صور التناقض أيضاً أن الذين استنكروا الضربات ضد أمريكا ، كانوا يدعون بكل صوت من على منابرهم وفي الصحف ووسائل الإعلام ، اللهم عليك باليهود ومن عاونهم ( ويقصدون أمريكا ) وبعضهم يدعوا عليها صراحة أن يمزقها الله ويسلط عليها ويدمرها ، وعندما استجاب الله دعاءهم ، ضجوا مستنكرين ومجرّمين لمن دمر أمريكا ، فيا سبحان الله كيف يريدون دمار أمريكا وإذا دمرت قالوا حرام ؟ فإذا كان دمار أمريكا حراماً فأيضاً الدعاء عليها حرام وهو من العدوان والظلم بناءً على فقهكم ! وأيضاً مقاطعتها اقتصادياً حرام وعدوان بناءً على ذات الفقه ! .
ومن صور التناقض أيضاً أن الذين أفتوا بقتل اليهود واستهداف كل هدف لهم حتى لو سقط النساء والأطفال والشيوخ في تلك العمليات ، هم أنفسهم الذين أفتوا بتجريم من قام بتدمير أمريكا ، بل والذين قالوا إن العمليات الاستشهادية في فلسطين أعلى مراتب الجهاد ، قالوا إن الذي نفذ عمليات أمريكا هو منتحر مرتكب لجرم عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب ، بل قال بعضهم بأنه ليس من الإسلام في شيء !! .
ومن صور التناقض الدالة على صدقهم أيضاً أنهم كانوا يدعون في كل محفل اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الزيغ والفساد ، فلما أوشك علم الجهاد أن يقوم خاف الجميع وقالوا } ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ؟ { ، وظنوا أن الله سبحانه وتعالى سيقيم علم الجهاد بدون غضب أمريكا ، فلما غضبت أمريكا عُرف من يريد الجهاد حقاً ممن يريده بلسانه .
كل تلك التناقضات التي تداعت على منهج أولئك الذي لا هم لهم إلا أن يسبحوا مع التيار السياسي والإعلامي ، تدل دلالة واضحة على أنهم لم يكونوا يسيروا وفقاً لأصول شرعية ، بل هي أصول سياسية أو وطنية أو عاطفية أو إعلامية أو دنيوية ، ولو كانوا صادقين فلم لا يطردون أصولهم في فتاواهم الأخرى وينزلونها على الأحداث الأخيرة ويفتون بناءً على ما يتحصل لهم من قول .
هل أمريكا دولة محاربة أم معاهدة ؟
إن من أهم المسائل التي ينبغي بيانها قبل بحث شرعية المسألة وجوازها من عدمه ، هو تقرير هل أمريكا دولة حربية أم دولة معاهدة ؟ ، وإجابة هذا السؤال الذي تنبني عليه المسألة .
أقول : إن الدول في العالم تجاه المسلمين هي إما بلاد حرب أو بلاد عهد ، فالأصل الذي تكون عليه كل دولة كافرة هي أنها حربية يجوز قتالها بكل أنواع القتال كما كان يفعل الرسول r فقد كان يعترض قوافل الدول المحاربة كما اعترض قوافل قريش ، وكان يأخذ رعايا الدول الكافرة رهائن إذا اقتضى الأمر ذلك كما أخذ الرجل من بني عقيل أسيراً مقابل أسيرين من أصحابه أسرتهم ثقيف ، وكان يغتال أحياناً بعض شخصيات الدول المحاربة كما أمر باغتيال خالد الهذلي وكعب ابن الأشرف وسلمة بن أبي الحقيق والأخيرين كانا معاهدين فنقضا العهد فأباح قتلهما ، وكان يفتي بقتل نساء وشيوخ وأطفال الدول المحاربة إذا لم يتميزوا ولا يمكن الوصول للمقاتلة إلا بقتلهم ، كما فعل هو أيضاً ذلك في الطائف وقصفها بالمنجنيق ، فالدول المحاربة لا يوجد هناك حدود شرعية تمنع الإضرار بهم إلا ما كان من استهداف للنساء والصبيان والشيوخ إذا تميزوا ولم يعينوا على الحرب والعدوان ، ولم نحتج لمعاقبة الكافرين بالمثل كما سيأتي .
إذاً فالدول تنقسم إلى قسمين قسم حربي وهذا الأصل فيها وقسم معاهد ، قال ابن القيم في زاد المعاد 3/159واصفاً حال الرسول r بعد الهجرة قال ( ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة ) والدول لا تكون ذمية بل تكون أما حربية أو معاهدة ، والذمة هي في حق الأفراد في دار الإسلام ، وإذا لم يكن الكافر معاهداً ولا ذمياً فإن الأصل فيه أنه حربي حلال الدم والمال والعرض قال شيخ الإسلام في الفتاوى 32/343 ( وإن كان كافرا حربيا فإن محاربته أباحت قتله وأخذ ماله واسترقاق امرأته ) وجاء في البخاري عن ابن عباس t تقسيم المشركين على عهد النبي r قال كان المشركون على منزلتين من النبي r والمؤمنين ، مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ) .
وأمريكا من المتفق عليه بين المسلمين اليوم أنها لم تكن بلاد إسلام في يوم ما ، ولم تكن أيضاً بلاد عهد مع المسلمين أبداً ، ولو سلمنا أنها كانت بلاد عهد وقد عقدت اتفاقيات ثنائية أو جماعية مع المسلمين ، فإننا بالإجماع نثبت أنها قد نقضت تلك العهود إن صحت منها ، ورجع حكمها إلى أصله بلاد حرب ، ومن أعظم نقضها للعهود دعمها لليهود في فلسطين بكل أشكال الدعم ، فهذا وحده كافٍ لإثبات أنها دولة حربية يجوز معها استخدام كل الوسائل الحربية ضدها التي تسقطها أو تضعفها أو ترهبها سوى استهداف النساء والأطفال والشيوخ قصداً إذا لم يشاركوا بأي نوع من أنواع المشاركة ولم نحتج إلى عقوبتهم بالمثل كما سيأتي بيانه .
والنبي r قتل كعب ابن الأشرف بعدما قال قصيدة فاحشة في نساء المسلمين فعد النبي r هذا انتقاضاً لعهده فأمر باغتياله ، وكذلك غزا النبي r مكة وحارب قريشاً بعدما أعانت حلفاءها بني بكر بن وائل على الحرب ضد حلفاء النبي r من خزاعة ، فعد النبي r هذا ناقضاً وسبباً لانتقاض العهد وحاربهم .
وقد سئل شيخ الإسلام بن تيمية في الفتاوى 28/668 عن رجل يهودي من أهل الذمة قال : المسلمون كلاب يتعصبون علينا وكان قد خاصمه بعض المسلمين فما حكمه ؟ فأجاب رحمه الله : " إذا كان أراد بشتمه طائفة معينة من المسلمين ، فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تزجره وأمثاله عن مثل ذلك ، وأما إن ظهر منه قصد العموم ، فإنه ينتقض عهده بذلك ويجب قتله " .
فهل يمكن لمن يدافع عن أمريكا أن يثبت لنا أنها لم تنقض عهدها إذا صح منها سابق عهد ؟ لا يمكن له أبداً أن ينفي حرب أمريكا للإسلام في كل مكان ، لا يمكن له أبداً أن ينفي أن أمريكا هي الداعم الوحيد لليهود في فلسطين وللنصارى في الفلبين وفي أندونيسيا وللهندوس في كشمير ، وأمريكا لا تتبرأ من هذا أبداً بل تعلن من على كل المنابر أنها تحارب التطرف الإسلامي والأصولية الإسلامية .
فإذا تقرر أن أمريكا دولة حربية ليس للمسلمين معها عهد ولا صلح ، أو على أقل الأحوال أنها نقضت عهودها ومواثيقها بقتل المسلمين أو الإعانة على قتلهم ، أمكننا بعد الاتفاق على ذلك أن ندخل إلى البحث لننظر في الأدلة الشرعية وهل تجيز الشريعة مثل ما حصل بأمريكا إذا كان من وراء العمليات مسلمون .
أولاً : وقبل كل شيء يجب أن نؤكد على أمر مهم وهو أن الهجمات التي شنت على الولايات المتحدة لم يثبت بعد إدانة المسلمين بها .
ثانياً : في حال الإعلان عن نتائج التحقيقات الجارية بأن الفاعل مسلم ، فإننا نبين أن تلك التحقيقات تحقيقات غير عادلة فكيف يكون الخصم قاضياً ؟ ، لذا لا يوثق بها ولا يمكن بناء أي حكم شرعي استناداً عليها فهي باطلة من الناحية الشرعية ، لعدم استنادها على الكتاب والسنة ، وما بني على باطل فهو باطل .
لذا فإننا نطلب من كل متسرع بالشجب والاستنكار أن يتريث لعدم ثبوت التهمة على مسلمين ، ولو أُعلن عن ارتكاب مسلمين لها فإننا لا يجوز أن نحكم بناءً على أخبارهم ، لأنهم أعداء و ليس هناك مانع لديهم أن يكونوا قد عرفوا المنفذين الحقيقيين وعندما وجدوهم غير إسلاميين ستتم ملاحقتهم ومعاقبتهم في الخفاء ، وإلصاق التهمة بالمسلمين لشن حرب عليهم .
أما الكلام من ناحية الحكم الشرعي على تلك العمليات في حال أن الذي نفذها مسلمون فإننا سنناقش الحكم بناءً على هذه الفرضية ، ونكرر بأننا لا نجزم بأن الفاعل مسلم ، ولكن لو فرض أنه مسلم فما الحكم الشرعي لذلك ؟ .
نقول : إن الشريعة قد حرمت دماء المسلمين وانتهاك أعراضهم واستباحة أموالهم ، أو الإضرار بهم بأي نوع من أنواع الإضرار المباشر وغير المباشر إلا بموجب شرعي لقول الرسول r ( لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ، فهذه الأحوال هل التي يباح بها دم المسلم وعلى خلاف بين الفقهاء هل الحديث للحصر أم للتمثيل .
إلا أن غير المسلم ليس الأصل فيه الحرمة بل الأصل فيه الحل ، فهو حلال الدم والمال والعرض - أي بالسبي - ، ولا يحرم دمه وماله وعرضه والإضرار به إلا بحكم طارئ على الأصل كالعهد والذمة والائتمان ، أما النساء والصبيان والشيوخ وغير المقاتلة أو أهل الإعانة على القتال فالأصل فيهم العصمة لتخصيص النص لهم .
ومن الأدلة الدالة على حرمة قتل نساء وأطفال وشيوخ الكفار ما روي في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله r ( فنهى رسول الله r عن قتل النساء والصبيان ) وعند مسلم جاء في حديث بريدة t الطويل قوله r ( اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا .. الحديث ) وجاء عند أحمد وأبي داود عن رباح بن ربيع t قال كنا مع رسول الله r في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال ( انظر علام اجتمع هؤلاء ؟ ) فجاء فقال على امرأة قتيل فقال ( ما كانت هذه لتقاتل ) قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال ( قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا ) قال النووي ( أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا ، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون ) وقال ( وكذلك كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك ) ، قال ابن حجر ( فإن مفهومه – أي الحديث السابق - أنها لو قاتلت لقتلت ) .
هذه الأدلة وغيرها هي التي استثنت النساء والصبيان والشيخ الفاني والعسيف من القتل ولو كان من قوم حربيين بشرط أن يتميز ولا يعين على القتال لا بفعل ولا بقول وبذلك يحرم قتله قصداً إلا عقوبة بالمثل كما سيأتي ، أما قتله تبعاً فقد أجاز رسول الله r ذلك وسيأتي.
بعد هذا البيان يمكننا الآن أن ندخل إلى بحث المسألة بعينها :-
هل الأعمال التي ارتكبت ضد الولايات المتحدة وتدمير مركز التجارة العالمي وتدمير وزارة الدفاع وضرب البيت الأبيض والكونجرس وخطف طائراتها بمن فيها ، هل هذه الأعمال على فرض قيام المسلمين بها هل تجوز لهم أم أنها جريمة محرمة كما يصفها بعض المنتسبين للعلم ؟ .
إن الإجابة على هذا السؤال وبيان جوازه يقرر من عدة حالات ، ويكفي المخالف أن يوافق على حالة واحد فقط ليلزمه القول بجواز هذه الأعمال ، فالقول بالجواز لا يشترط فيه أن تنطبق جميع الحالات التي سنوردها كلها على المسألة ، بل واحدة منها تكفي ليكون الجواز ملزماً لكل من وافق على أن حالة واحدة أو أكثر قد انطبقت على واقعنا .
إن من أهم أدلة المستنكرين لهذا العمل هو أن تدمير مركز التجارة ووزارة الدفاع والبيت الأبيض في أمريكا ، قد أوقعت هذه الأعمال عدداً كبيراً من الضحايا الأبرياء من النساء والأطفال وغير المقاتلة التي حرمت الشريعة قتلهم للأدلة التي قدمنا .
والرد على هذا الإيراد يأتي بذكر عدة حالات خاصة تقضي على هذا العموم الذي احتجوا به :-
لقد سقنا أدلة حرمة قتل النساء والصبيان والشيوخ ومن في حكمهم من غير المقاتلة من الكفار ، إلا أن هؤلاء المعصومين من الكفار ليست عصمتهم مطلقة ، بل إن هناك حالات يجوز فيها قتلهم سواءً قصداً أو تبعاً وسنذكر تلك الحالات بالتفصيل .
الحالة الأولى : من الحالات التي يجوز فيها قتل أولئك المعصومين قصداً أن يعاقب المسلمون الكفار بنفس ما عوقبوا به فإذا كان الكفار يستهدفون النساء والأطفال والشيوخ من المسلمين بالقتل ، فإنه يجوز في هذه الحالة أن يفعل معهم الشيء نفسه ، لقول الله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { وقوله } والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور { وقوله } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون { وهذه الآيات عامة في كل شيء ، وأسباب نزولها لا يخصصها ، لأن القاعدة الشرعية تقول ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) .
فآية } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. { نزلت في المثلة ، روى الترمذي في سننه بسند صحيح عن أبي بن كعب t لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ، ومن المهاجرين ستة ، منهم حمزة بن عبد المطلب t ، فمثلوا بهم ، فقالت الأنصار ، لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين علهم في التمثيل ، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين { فقال رجل : لا قريش بعد اليوم فقال النبي t كفوا عن القوم إلا أربعة ) .
وروى ابن هشام في السيرة " أن رسول r قال حين رأى ما رأى – أي من التمثيل بعمه حمزة t - ( لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش ، في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم ) فلما رأى المسلمون حزن رسول الله r وغيظه على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .. قال ابن إسحاق .. وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس : أن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله r وقول أصحابه } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون { فعفا رسول الله r ونهى عن المثلة " .
روى بن أبي شيبة 7/366 قال لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثلة سيئة جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم فقال أصحاب رسول الله r لئن أنالنا الله منهم لنفعلن فأنزل الله } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين { فقال رسول الله r ( بل نصبر ) .
فالمثلة منهي عنها ومحرمة لقول الرسول r كما جاء عند البخاري عن عبد الله ين يزيد t ( أنه نهى عن النهبى والمثلة ) قال ابن حجر في الفتح 5/120 " المثلة : تشويه خلقة القتيل ، كجدع أطرافه ، وجب مذاكره ونحو ذلك " .
وفي صحيح مسلم من حديث بريدة أن النبي r كان يوصي قادة جيوشه وسراياه بقوله ( اغزوا باسم الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليداً .. ) .
إلا أن العدو إذا مثل بقتلى المسلمين جاز للمسلمين أن يمثلوا بقتلى العدو وترتفع الحرمة في هذه الحالة ، و الصبر وترك المثلة أفضل للمسلمين ، أما الرسول r فالصبر وترك المثلة في حقه على الوجوب لأن الله سبحانه وتعالى أمره بالصبر وقال له } واصبر وما صبرك إلا بالله { وقال للمؤمنين }ولئن صبرتم { ندباً على الصبر ، فالشاهد من الآية أن المثلة محرمة وارتفعت الحرمة في حال المعاقبة بالمثل ، والآية عامة فيجوز أن يعامل المسلمون عدوهم بالمثل في كل شيء ارتكبوه ضد المسلمين ، فإذا قصد العدو النساء والصبيان بالقتل ، فإن للمسلمين أن يعاقبوا بالمثل ويقصدوا نساءهم وصبيانهم بالقتل ، لعموم الآية .
قال ابن مفلح في الفروع 6/218 نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية " إن المثلة حق لهم ، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ، ولهم تركها ، والصبر أفضل ، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها ، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاءً لهم إلى الإيمان أو زجراً لهم عن العدوان ، فإنه هنا من باب إقامة الحدود والجهاد المشروع " و انظر الاختيارات لشيخ الإسلام 5/521.
قال ابن القيم في حاشيته 12/180 " وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيا عنها فقال تعالى } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { وهذا دليل على جدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان والمثل هو العدل ، وأما كون المثلة منهيا عنها فلما روى أحمد في مسنده من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قال ما خطبنا رسول الله خطبة ( إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة ) .
فإن قيل فلو لم يمت إذ فعل به نظير ما فعل فأنتم تقتلونه وذلك زيادة على ما فعل فأين المماثلة ؟ ، قيل هذا ينتقض بالقتل بالسيف ، فإنه لو ضربه في العنق ولم يوجبه كان لنا أن نضربه ثانية وثالثة حتى يوجبه اتفاقا ، وإن كان الأول إذا ضربه حصول واحدة واعتبار المماثلة له طريقان إحداهما اعتبار الشيء بنظيره ومثله وهو قياس العلة الذي يلحق فيه الشيء بنظيره ، والثاني قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة ولازمها فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظي كان من أقوى الأدلة لاجتماع العمومين اللفظي والمعنوي وتضافر الدليلين السمعي والاعتباري فيكون موجب الكتاب والميزان والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب كما تقدم تقريره وهذا واضح لا خفاء به ولله الحمد والمنة " .
وكلام العلامة ابن القيم المتقدم رد على من قال : وكيف تقتلون نساء وصبيان المقاتلة إذا فعلوا هذا بنساء وصبيان المسلمين ؟ وكيف تأخذون ثأركم من غير الفاعل ؟ والله يقول } ولا تزر وازرة وزر أخرى { .
وهذا الإيراد باطل و ينتقض حتى لو قلناه على المقاتلة فكيف يقاتل النبي r مقاتلة قريش والذي نقض العهد هم بني بكر بن وائل أو قادة قريش .
وكيف يقتل النبي r رجال وشيوخ وأجراء بني قريظة وهم لم ينقضوا العهد بل نقضه كبراؤهم وأهل الرأي منهم فقتل بجريرتهم سبعمائة نفس ، واسترق من بقي .
وأيضاً كيف يجيز العلماء المثلة مطلقاً برجال العدو ولم يشترطوا أن تكون المثلة بالفاعل ؟ .
ولو أن رجلاً قتل آخر فلماذا تتحمل عاقلته الدية ويغرمون والذي ارتكب الجناية فرد منهم وهم لم يشاركوه ورغم ذلك تحملوا جريرته ؟
وفي مسألة القسامة أيضاً كيف يجيز الشرع لخمسين رجلاً من أولياء المقتول الذين لم يشهدوا القتل ، على أن يقسموا على رجل مشتبه به بأنه قتل وليهم ثم يدفع لهم برمته ليقتلوه ؟ كيف يُقتل في هذه الحالة والإدانة هنا لم تكن مؤكدة بالطبع كما هي في حالة الإقرار أو الشهود ؟
وجاء في الصحيحين كذلك من حديث رافع بن خديج t قال كنا مع النبي r بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنما وإبلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فجاء رسول الله r ( فأمر بها فأكفئت ) ، فكيف يعاقب الرسول r هؤلاء بإتلاف اللحم وهو من الغنائم التي لم تقسم بعد وللجيش جميعاً حق فيه ، والذي اعتدى هم الذين أغلوا بها القدور فقط ، فلم تكون العقوبة جماعية ؟ .
قال ابن حجر في الفتح " وحمل البخاري الإكفاء على العقوبة بالمال وإن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا , لكن لما تعلق به طمعهم ، كانت النكاية حاصلة لهم " .
وأيضاً يرد على الإيراد المتقدم بعموم قول الله تعالى } واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .. الآية { وقوله } وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً { .
و الشريعة جاءت بمثل هذه العقوبات لمثل تلك الحالات من الجرائم ، لأن هذه الجرائم التي حمل الشارع عقوبتها غير الجناة هي معاص تعتبر جماعية بإمكان الجماعة إذا علموا أنهم سيعاقبون بها أن يجبروا الجاني على أن يكف عن ذلك ، لذا جاءت الشريعة بعقاب الجماعة من أجل الفرد ، حثاً للجماعة وتحريضاً لهم على أن يأخذوا على يد الجاني قبل أن يفعل ذلك والله أعلم .
وراجع كلام ابن القيم المتقدم ليتضح لك المعنى .
والآيات المتقدمة لا تقتصر على المماثلة في القصاص فقط بل هي عامة لكل عقوبة أو حد سواءً مع مسلم أو ذمي أو معاهد أو حربي قال القرطبي 2/357 " قوله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { وقوله تعالى } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { قالوا وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا هذا بأن النبي r ( حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال إناء بإناء وطعام بطعام ) أخرجه أبو داود ، ثم قال ... لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف ، وللشافعية قول أنه يقتل بذلك فيتخذ عوداً على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ويسقى عن الخمر ماءً حتى يموت ، وقال ابن الماجشون إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي r ( لا يعذب بالنار إلا الله ) والسم نار باطنه وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية " .
وأفتى شيخ الإسلام بمقتضى عموم الآية في رد سؤال ورد عليه فقال في الفتاوى 30/ 362 " عن رجل أُخذ ماله ظلما بغير حق وانتهك عرضه أو نيل منه في بدنه فلم يقتص في الدنيا وعلم أن ما عند الله خير وأبقى فهل يكون عفوه عن ظالمه مسقطا لما عند الله أم نقصا له أم لا يكون ، أو يكون أجره باقيا كاملا موفرا وأيما أولى مطالبة هذا الظالم والانتقام منه يوم القيامة وتعذيب الله له أو العفو عنه وقبول الحوالة على الله تعالى ؟ .
فأجاب : لا يكون العفو عن الظالم ولا قليله مسقطا لأجر المظلوم عند الله ولا منقصا له بل العفو عن الظالم يصير أجره على الله تعالى فإنه إذا لم يعف كان حقه على الظالم فله أن يقتص منه بقدر مظلمته وإذا عفا وأصلح فأجره على الله وأجره الذي هو على الله خير وأبقى قال تعالى } وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين { فقد أخبر أن جزاء السيئة سيئة مثلها بلا عدوان وهذا هو القصاص في الدماء والأموال والأعراض ونحو ذلك ثم قال } فمن عفا وأصلح فأجره على الله { .. ثم قال .. وقد قال تعالى } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين { وأباح لهم سبحانه وتعالى إذا عاقبوا الظالم أن يعاقبوه بمثل ما عاقب به ثم قال } ولئن صبرتم لهو خير للصابرين { فعلم أن الصبر عن عقوبته بالمثل خير من عقوبته فكيف يكون مسقطا للأجر أو منقصا له ؟ " أهـ مختصراًَ .
وإذا كانت المماثلة جائزة في حق المعتدي المسلم في القصاص فكيف بها في حق المعتدي الحربي ؟ ، قال النووي في المهذب 2/186 فصل إذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف لقوله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { ولأن السيف أرجى الآلات فإذا قتل به واقتص بغيره أخذ فوق حقه لأن حقه في القتل ، وقد قتل وعذب فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه ومنعه الطعام والشراب فمات فللولي أن يقتص بذلك لقوله تعالى } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { ولما روى البراء رضي الله عنه أن النبي r قال ( من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفى بها القصاص وله أن يقتص منه بالسيف لأنه قد وجب له القتل والتعذيب فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه فجاز " .
قال الشوكاني في نيل الأوطار 6/39 " قوله تعالى } وجزاء سيئة سيئة مثلها { وقوله تعالى } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { وقوله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { والحاصل أن الأدلة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه عمومها مخصص بهذه الثلاث الآيات " أهـ مختصراً
قال ابن القيم في إعلام الموقعين 1/328 " قوله } فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { وقوله } وجزاء سيئة سيئة مثلها { وقوله } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { يقتضي جواز ذلك - إي العقوبة بالمثل في الأنفس والأعراض والأموال - وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه ، وإذا جاز تحريق متاع الغال بكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة فلأن يحرقوا ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى ، وإذا كانت المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى ، ولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد وأشفى لغيظ المجني عليه وأحفظ للنفوس والأطراف ، وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتله أو قطع طرفه قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك وهذا بعينه موجود في العدوان على المال " .
وبعد هذه النصوص المنقولة عن أهل العلم وبيان أن العقوبة بالمثل الواردة في الآيات ليست خاصة بالمثلة التي كانت سبباً لنزول أحدها ، بل هي عامة في القصاص والحدود والمعاملة مع الكفار ومع فساق المسلمين الظلمة ، فإذا جاز الاقتصاص من المسلم بمثل جريمته ، فلأن يجوز معاملة الكافر الحربي بمثل معاملته للمسلمين من باب أولى .
ومن المشاهد أن الكفار اليوم لا سيما أمريكا تقتل أبناء المسلمين ونساءهم وشيوخهم بغير ذنب اقترفوه ، فهاهم يحاصرون العراق منذ عقد من الزمان ولم يقتل إلا الشعب المسلم ، وفي قصفهم للعراق لم يضروا الحكومة العراقية بضرر بالغ بل أضروا المسلمين فقتلوا مئات الآلاف منهم ، ولو أن المسلمين عاملوا أمريكا بالمثل لجاز لهم أن يقتلوا بضعة عشر مليون مدني ، فبصاروخ واحد قتلت أمريكا ما يربوا على خمسة آلاف مسلم في ملجأ العامرية ببغداد أثناء حرب الخليج ، لو كان الفاعل لعمليات أمريكا مسلما لكانت هذه العمليات فقط رد دين مقابل حادثت ملجأ العامرية التي فجعت المسلمين ، ناهيك عن الحصار الذي أودى بحياة أكثر من مليون ومئتي ألف مسلم ، وأيضاً فعدوان أمريكا لا زال مستمراً على الأبرياء في العراق ، فإن آثار الأسلحة الفتاكة التي أصابت أرض المسلمين بالفساد وأصابت مئات الآلاف من الأبرياء بأمراض غريبة أشهرها سرطان الدم لا زالت ظاهرة للعيان ، بسبب اليورانيوم المنضّب وقد بلغت وفيات الأطفال فقط خلال هذه السنوات بسبب ضربات أمريكا مع الحصار أكثر من 750000طفل (ثلاثة أرباع مليون!) ، إن إفساد أمريكا في العراق يعادل مئات الأضعاف مما أصابها في عمليات الثلاثاء المبارك
وإذا نظرت إلى حصار أمريكا لأفغانستان فإنك ترى العجب العجاب فضحايا الحصار يصل إلى سبعين ألف مسلم ، أما الأوبئة والأمراض والفقر فإنه ارتفع إلى نسبة 95% في الشعب الأفغاني المسلم كل هذا تسببت به أمريكا بالدرجة الأولى ، وقد أُمطرت أرض المسلمين بسبعين صاروخ فلم نجد من يستنكر هذا الإرهاب ولا قتل الأبرياء .
وأدر طرفك إلى فلسطين لترى منذ أكثر من خمسين عاماً حرب أمريكا للمسلمين من خلال اليهود ، نتج عنها خمسة ملايين مشرد و 262 ألف شهيد بإذن الله و 186 ألف جريح و 161 ألف معوق ، ولا زال الحصار على إخواننا في فلسطين بعون أمريكا مشدداً منذ أكثر من عشرة أشهر قتل خلاله من جراء الحرب الصهيوأمريكية على المسلمين أكثر من ألف ومائتي مسلم وجرح ما يزيد على واحد وعشرين ألف مسلم .
وفي الصومال تدخلت أمريكا بحجج إنسانية لتفسد في الأرض فقتلت ثلاثة عشر ألف مسلم وحرقت أبناء المسلمين ، وفعل الجنود الأمريكيون بأبناء المسلمين وبنسائهم الفواحش ، ودفنوا نفياتهم النووية في أرض الصومال المسلمة ، ولا زالت أرض المسلمين تعاني من العدوان الأمريكي عليها .
والسودان حاصرتها أمريكا سنين ولا زالت وضربتها بالصواريخ عازمة على قتل أهل الخرطوم جميعاً ، لأنها ضربت ما كانت تزعم أنه مخزون أسلحة كيماوية ولو كان توقعها صحيحاً لتسربت تلك الغازات من جراء الضربات الجوية ولقتلت أهل الخرطوم جميعاً ، ولا زالت أمريكا تقف بشكل علني وراء الصليبيين في جنوب السودان وتسعر الحرب التي راح ضحيتها أبناء المسلمين واقتصادهم .
هذه بعض قضايا المسلمين التي دخلت أمريكا فيها بشكل علني ومباشر لقتل الأبرياء والإفساد في أرض المسلمين ، ناهيك عن القضايا التي تقف وراءها أمريكا كما هو الحال في الفلبين وأندونيسيا وكشمير ومقدونيا والبوسنة وغيرها ، وبإمكان المسلم أن يقول كل مصيبة تحصل للمسلمين فإن لأمريكا يد طولى فيها إما مباشرة أو غير مباشرة .
فهذه أمريكا لا تأبه بشعب ولا بشعوب لا إسلامية ولا غير إسلامية بل لا تحرص إلا على مصالحها حتى على حساب قتل البشرية جميعاً ، فضحاياها عشرات الملايين منذ أن تسلطت على العالم منذ نصف قرن ، فكيف تُوقف أمريكا عند حدها وكيف تكف يدها عن العدوان ضد المسلمين ؟ ، إن الشريعة الإسلامية لم تكن ناقصة أبداً ففي الشريعة حكم بالقصاص من كل معتدٍ أثيم ، فأمريكا تقتل المسلمين بأسلوب بطيء ولا يمكن للضعفاء من المسلمين أن يعاقبوها لأنها لا تواجه أحداً بل تضرب عن بعد أو تحاصر ، فالحل الأمثل لهؤلاء الطغاة أن يعاقبوا بمثل ما عاقبوا المسلمين واعتدوا عليهم به ، فكيف تُطلق يد أمريكا لقتل نسائنا وصبياننا وتشريد المسلمين وضربهم متى شاءت وكيف شاءت وأين شاءت ؟ ويحرم على المسلمين أن يعاملوها بالمثل ؟ إن الذي يقول بهذا إما جاهل أو جائر ظالم للمسلمين ، يسعى لحماية أمريكا لتزيد من التقتيل والتشريد في المسلمين .
ومن أنواع المعاملة بالمثل فإننا سنطبق قانون أمريكا عليها :
فبسبب صدام وحزب البعث عاقبت شعبا بأكمله فقتل بقنابلها وحصارها ملايين من المسلمين العراقيين .
وبسبب أسامة بن لادن حاصرت الأفغان وضربتهم بالصواريخ فمات عشرات الآلاف من المسلمين .
وبسبب (مصنع موهوم) ضربت السودان فدمرت مصنعا للأدوية و قتل من فيه من المسلمين .
وهكذا .
ونقول نحن معاملة بالمثل
بسبب ذنب (الحكومة الأمريكية) وطريقتها في (معاقبة الشعوب ) بسبب (الأفراد) ، سنطبق هذا القانون فنعاقب شعبها بسبب (الحكومة)!.
ثم ما الذي يغضب أمريكا وأذنابها إذا عاقبنا بالمثل فهذا هو قانونها ، أليست هي التي تصدر الحكم على من تشاء ثم تضربه بحجة أنه إرهابي أو داعم للإرهاب ؟ وتقتل غير الفاعل وتهلك الأبرياء ولا ترى في فعلها هذا أدنى حرج .
نعم نحن سنعمل بقانونها هذا وسنتخذ مبدأها غطاءً ، اليهود إرهابيون وأمريكا تدعم الإرهاب الصهيوني في فلسطين ، أليس من حقنا أن نصدر عليها حكماً بضربها وفقاً لمبدئها ؟! بلا شك نعم من حقنا ذلك .
إذا ما الذي يغضبها ويغضب العالم ؟! فإن أردنا أن نعاملها بالمثل جازت العمليات شرعاً ، وإن أردنا أن نعاملها وفقاً لقانونها جاز هذا الفعل في نظامها العالمي الجديد !!! .
إن مما لا شك فيه أن قتل نساء وصبيان وشيوخ أمريكا ومن في حكمهم من غير المقاتلة أنه جائز حلال بل هو من ضروب الجهاد التي أمر الله ورسول r بها ، لقول الله تعالى } فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { وقوله } وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به { إلا أنه لا يجوز للمسلمين في قتل المعصومين من الأمريكيين أن يزيدوا في القتل على أربعة ملايين شخص من غير المقاتلة وتشريد أكثر من عشرة ملايين أمريكي !! ، حتى لا نتعدى وتكون العقوبة زائدة على المثل والله أعلم .
الحالة الثانية : لقد قدمنا بأن معصومي الدم من النساء والصبيان والشيوخ الكفار لا يجوز استهدافهم وقتلهم قصداً إلا عقوبة بالمثل ، أما قتلهم تبعاً من غير قصد فهو جائز بشرط أن يكون في استهداف المقاتلين أو الحصون قتلاً لهم بسبب أنهم لم يتميزوا عن المقاتلة أو الحصون ، فيجوز قتلهم والدليل ما جاء في الصحيحين عن الصعب بن جثامة t قال سئل النبي r عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال ( هم منهم ) ، وهذا يدل على جواز قتل النساء والصبيان تبعاً لآبائهم إذا لم يتميزوا ، وفي رواية مسلم قال ( هم من آبائهم )
ورأي الجمهور أن نساء الكفار وذراريهم لا يقتلون قصداً ولكن إذا لم يتوصل إلى قتل الآباء إلا بإصابة هؤلاء جاز ذلك .
يقول ابن حجر في الفتح 6/146" قوله ( عن أهل الدار ) أي المنزل ، وقوله ( هم منهم ) أي : في الحكم في تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم ، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية ، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم " .
ويقول النووي في شرحه لصحيح مسلم 7/325 " وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم ، وقتل النساء والصبيان في البيات : هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور ، ومعنى البيات ، ويبيتون : أن يُغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبي .. وفي هذا الحديث دليل لجواز البيات وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك " .
ويقول ابن الأثير في جامع الأصول 2/733 " يبيتون : التبييت طُروق العدو ليلاً ، على غفلة للغارة والنهب ، وقوله ( هم منهم ) أي حكمهم وحكم أهلهم سواء ، وكذلك قوله في رواية ( هم من آبائهم ) " .
قال ابن قدامة في المغني والشرح 10/503 "ويجوز قتل النساء والصبيان في البيات ( الهجوم ليلا ) وفي المطمورة إذا لم يتعمد قتلهم منفردين ، ويجوز قتل بهائمهم ليتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم ، وليس في هذا خلاف " .
وقال في المغني 9/231 " فصل ويجوز تبييت الكفار وهو كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون قال أحمد لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات قال ولا نعلم أحدا كره بيات العدو وقرأ عليه سفيان عن الزهري عن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله r يسأل عن الديار من المشركين نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم فقال إسناد جيد فإن قيل فقد نهى النبي r عن قتل النساء والذرية قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم قال أحمد أما أن يتعمد قتلهم فلا ، قال وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث إلى ابن أبي الحقيق وعلى أن الجمع بينهما ممكن يحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه " .
ومعلوم هنا أن النبي r عندما سئل عن قتل الذراري في حال الإغارة والبيات لم يستفصل عن مدى الحاجة التي ألزمت المقاتلة بهذه الغارة حتى يبيح لهم قتل معصومي الدم من الكفار وهم النساء والصبيان ، و القاعدة الشرعية تقول ( ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ) فعموم مقال النبي r ( هم منهم ) بلا ضوابط ، يجيز للجيش الإسلامي إذا رأى أنه بحاجة إلى الغارة فإنه يجوز له فعلها حتى لو ذهب ضحيتها النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم ، ولو من غير ضرورة ملحة للغارة .
فالعلة التي جاز من أجلها قتل النساء والصبيان في حال البيات هي الحاجة إلى إضعاف قوة العدو وضرب قدرته على المقاومة ، بقتل رجاله وهدم حصونه حتى لو ذهب غير المقاتلة ضحية لذلك ، فإذا كانت العلة المبيحة لقتل النساء والصبيان هي إضعاف العدو عن المقاومة ، - كما يتضح ذلك من مجموع النصوص المبيحة لقتل النساء والصبيان وستأتي - ، فإن قتل النساء والصبيان بسبب استهداف مراكز قوى العدو الاستراتيجية هو بمثابة الغارة لأن العلة التي جاز من أجلها قتل النساء والصبيان من الكفار في الغارة هي متوفرة بشكل أكبر في المواقع الاستراتيجية للعدو بما يزيد على مصلحة قتل المقاتلة فقط ، فالمواقع الاستراتيجية التي ضربت في يوم الثلاثاء المبارك ضربها أشد على أمريكا من قتل عشرين ألف مقاتل لها ، فمن أجاز قتل معصومي الدم لأنهم لم يتميزوا عن المقاتلة فإنه يجيز قتلهم لأنهم لم يتميزوا عن المواقع الاستراتيجية التي هي أهم من المقاتلة من باب أولى وفقاً للأصول .
الحالة الثالثة : و يجوز قتل من يحرم قتله من النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم من معصومي الدم وذلك في حال لو حملوا السلاح على المسلمين أو قاموا بأعمال تعين على الأعمال القتالية سواءً بالتجسس أو الإمداد أو الرأي أو غيرها وهذا واضح بسبب تعليل الرسول r في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن رباح بن ربيع t قال كنا مع رسول الله r في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال ( انظر علام اجتمع هؤلاء ؟ ) فجاء فقال على امرأة قتيل فقال ( ما كانت هذه لتقاتل ) قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال ( قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا)
قال ابن حجر في الفتح 6/148 ( فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت ) وقال النووي في شرح صحيح مسلم 7/324 ( أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا ، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون ) وقال ( وكذلك كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك ) وتأمل قوله ( قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك ) .
قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية 132-133 ( وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب ، والشيخ الكبير والأعمى الزّمِن ونحوهم فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله ، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر والأول هو الصواب ) فتأمل أيضا قوله ( إلا أن يقاتل بقوله أو فعله ) وهذا الكلام وكلام النووي السابق ، يدل على أن من يحرم قتلهم قصداً إذا أعانوا بأقوالهم أو أفعالهم لمحاربة المسلمين جاز استهدافهم بالقتل .
قال صاحب العون في شرح قوله r ( انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ، قوله ( لا تقتلوا شيخاً فانياً ) أي إلا إذا كان مقاتلا أو ذا رأي ، وقد صح أمره u بقتل دريد بن الصمة , وكان عمره مائة وعشرين عاما أو أكثر , وقد جيء به في جيش هوازن للرأي ، قوله ( ولا طفلا ولا صغيرا ) واستثنى منه ما إذا كان ملكاً أو مباشراً للقتال ( ولا امرأة ) : أي إذا لم تكن مقاتلة أو ملكة ".
وقال الفقهاء بجواز قتل المرأة إذا أعانت المقاتلة ضد المسلمين بأي نوع من الإعانة المادية أو المعنوية على القتال ، واستدلوا بما رواه ابن ماجة بأن الرسول r عندما حاصر الطائف صعدت امرأة على الحصن وكشفت للمسلمين عن قبلها فقال النبي r ( ها دونكم فارموها ) فرموها فقتلوها وإن كان الحديث ضعيفاً إلا أن الفقهاء استدلوا به على جواز قتل المرأة حتى لو لم تقاتل إذا أعانت أهل الحرب بأي فعل أو قول حل قصدها بالقتل .
قال ابن قدامة في المغني 9/232 " فصل ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا لما روى سعيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال لما حاصر رسول الله r أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقال ( ها دونكم فارموها ) فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها لأن ذلك من ضرورة رميها وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال لأنها في حكم المقاتل وهكذا الحكم فيها وسائر من منع من قتله منهم ".
قال ابن عبدالبر في الاستذكار 14/74 " لم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله ، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل قتل " .
وقال ابن عبدالبر في التمهيد 16/142 " وأجمعوا على أن رسول الله r قتل دريد بن الصمة يوم حنين لأنه كان ذا رأي ومكيدة في الحرب ، فمن كان هكذا من الشيوخ قتل عند الجميع " .
ونقل الإجماع أيضا ابن قدامة رحمه الله في إباحة قتل النساء والصبيان وكبار السن إذا أعانوا أقوامهم على القتال بأي نوع من الإعانة .
ونقل النووي في شرح مسلم في كتاب الجهاد الإجماع " على أن شيوخ الكفار إن كان فيهم رأي قتلوا " .
ونقل ابن قاسم في الحاشية ، قال " وأجمعوا على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد ، ونقل عن ابن تيمية رحمه الله هذا الإجماع ، ونقل عن ابن تيمية أيضا أن أعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم " .
هذا حكم من أعان على القتال من معصومي الدم من النساء والصبيان والشيوخ ومن في حكمهم ممن يسمى اليوم ( مدنياً ) ، والشعب الأمريكي اليوم هو شعب معين على القتال برأيه ، حيث إن القرارات في أمريكا لا تتخذ من قبل الرئيس وحده بل تخرج من خلال مجلس الشيوخ الذي يمثل أعضاءه الشعب الأمريكي فكل عضو فيه يمثل شريحة كبيرة من الناس هي التي قدمته وانتخبته إلى هذا المنصب ، وبإمكان الشعب الأمريكي أن يمنع تنفيذ أي قرار يصدره الرئيس كما بإمكانه أيضاً أن يضغط لإصدار أي قرار يرى أنه محتاج إليه ، كما ضغط الشعب الأمريكي على الحكومة وأجبرها على سحب قواتها من الصومال ، والشعب الأمريكي أيضاً هو الذي انتخب الرئيس بالغالبية وهو على علم بتوجهات وخطط الرئيس من خلال إعلانه لخططه المستقبلية أثناء الحملة الانتخابية ، فانتخاب الشعب الأمريكي للرئيس عن علم مسبق بخططه يعد مشاركة له بهذه القرارات ، ومن خطط بوش الانتخابية التي أعلنها أنه قال في حملته " سأدع ملف البلقان لأهل البلقان وسأركز على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالردع العسكري " ويقصد بالشرق الأوسط العراق وإيران ، فالشعب الأمريكي انتخب الحزب الجمهوري ، وهو يعلم أن الحزب الجمهوري هو بطل أمريكا العسكري وهو الذي خاض الحروب لأمريكا ومصانع السلاح والطائرات والمعدات الحربية معظمها تحت ملك أعضاء الحزب الجمهوري لأنه حزب عسكري وسياسته هي إشعال الحروب ليربح ويتسلط ، فانتخاب الشعب الأمريكي لهذا الحزب مع علمه ببرنامجه وتاريخه من غير قيد أو شرط يوحي برضى الشعب عن تلك البرامج والتاريخ الأسود ، فالشعب الأمريكي يعد من أهل القرار والرأي سواءً كان الرأي عسكرياً أو سياسياً ، والاستطلاعات التي تدرس الإدارة الأمريكية قراراتها بناءً عليها تشير إلى أن الشعب الأمريكي هو الذي يقرر بصوته مباشرة وبصوت نوابه في مجلس الشيوخ بطريقة غير مباشرة ، فتشير الاستطلاعات إلى أنه صاحب النصيب الأكبر في تقرير السياسة الأمريكية المعادية للإسلام في كل مكان وزمان .
فاستهداف الشعب الأمريكي في كل مكان سواءً ممن يقاتل بيده أو يعين على القتال برأيه ، أمر تجيزه الشريعة ، وهذا هو الغالب في الشعب الأمريكي والحكم للأعم الأغلب .
الحالة الرابعة : ومن حالات جواز قتل النساء والصبيان والشيوخ ، إذا احتاج المسلمون إلى حرق الحصون أو إغراقها أو تسميمها أو تدخينها أو إرسال الحيات والعقارب والهوام عليها ، لفتحها حتى لو سقط المعصومون ضحية لذلك .
قال البخاري ( باب حرق الدور والنخيل ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( حرّق النبي r نخل بني النضير ) قال الحافظ في الفتح 6/154 " قوله : باب حرق الدور والنخيل : أي التي للمشركين وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق ، والتخريب في بلاد العدو وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور ، واحتجوا بوصية ( أبي بكر ) لجيوشه أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك ، وأجاب الطبري : بأن النهي محمول على القصد لذلك ، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك ، في خلال القتال ، كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان ، وبهذا قال أكثر أهل العلم , ونحو ذلك القتل بالتغريق ، وقال غيره إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح ، فأراد إبقاءها على المسلمين والله أعلم " .
ويقول الشوكاني في نيل الأوطار 7/266 بعد كلام ابن حجر هذا " ولا يخفى أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي r لما تقرر من عدم حجية قول الصحابي ". أي حجية قول الصحابي إذا عارض النص كما هو مذهب الشوكاني في أول عمره.
وروى أبو داود في سننه قال ( باب في الحرق في بلاد العدو ) عن عروة قال حدثني أسامة رضي الله عنه أن الرسول r كان عهد إليه فقال ( أغر على أُبنى صباحاً وحرّق ) .
قال ابن الأثير في جامع الأصول 2/617 " أُبنى ويُبنى : اسم موضع بين عسقلان والرملة من أرض فلسطين"
فتحريق بلاد العدو هي من أساليب النبي r في الحرب ومعلوم أن التحريق يوقع عدداً من المعصومين قتلى وكذلك يقتل الحيوانات والزروع ، وكل هذا مصلحة إبقاءه أقل من مصلحة تركه لأن مصلحة قتل العدو الممتنع بالقوة أعظم من مصلحة ترك غيره .
قال ابن قدامة في المغني 9/230 " وإذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه وقد كان أبو بكر t يأمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا ، وقد روى حمزة الأسلمي أن رسول الله r أمّره على سرية قال فخرجت فيها فقال ( إن أخذتم فلانا فأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت فقال إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار ) رواه أبو داود وسعيد وروى أحاديث سواه في هذا المعنى وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة t عن النبي r نحو حديث حمزة ، فأما رميهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها لأنهم في معنى المقدور عليه وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي وروى سعيد بإسناده عن صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان أن جنادة بن أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحرين ومن بعدهم كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار يحرقونهم هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء قال عبد الله بن قيس لم يزل أمر المسلمين على ذلك " وقال " وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك " .
قال النووي في المنهاج وفي شرح مغني المحتاج 9/72 " يجوز حصار الكفار في البلاد والقِلاع وإرسال الماء عليهم ، ورميهم بنار ، ومنجنيق وتبييتهم في غفلة " ويقول صاحب مغني المحتاج تعليقاً على كلام الإمام النووي في نفس المصدر " وما في معنى ذلك من هدم بيوتهم ، وقطع الماء عنهم وإلقاء حيات ، أو عقارب عليهم ، ولو كان فيهم نساء وصبيان ، لقوله تعالى } وخذوهم واحصروهم { ، وفي الصحيحين أنه r حاصر الطائف وروى البيهقي أنه نصب المنجنيق ، وقيس به ما في معناه مما يعُم الهلاك به .. ثم يقول .. وظاهر كلامهم أنه يجوز إتلافهم بما ذُكر ، وإن قدرنا عليهم بدونه " .
وقد استخدم الصحابة هذه الأساليب مع أعدائهم جاء في سنن سعيد بن منصور 2/244 ( أن جنادة بن أبي أميرة الأزدي وعبد الله بن قيس الفزازي وغيرهما من ولاة البحر من بعدهم كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار ، ويحرّقونهم هؤلاء لهؤلاء ، وهؤلاء لهؤلاء ) وعن عبد الله بن قيس الفزازي ( أنه كان يغزو على الناس في البحر على عهد معاوية وكان يرمي العدو بالنار ويرمونه ، ويحرقهم ويحرقونه وقال : لم يزل أمر المسلمين على ذلك ) .
ورأي الجمهور أن التحريق والتغريق والهدم والتسميم والتدخين وغيرها من الوسائل التي لا تفرق بين مقاتل ومعصوم ، أنه جائز استخدامها متى كانت الحاجة إليها ولا يمكن الظفر بالعدو وهزيمته إلا بها ، فإذا أمكن بغيرها لم يجز استخدامها ، والشافعية يجيزون ذلك مطلقاً سواءً قدر عليهم بهذه الطريقة أو بغيرها والله أعلم .
وبناءً على ماتقدم فإن الذي أفتى وقال لا يجوز قتل الأبرياء بحال حتى الأمريكيين في نيويورك وواشنطن فإن هذا مجازف قائل بما لا يعلم ، وقتلهم بالتحريق والتغريق والهدم من أجل فتح الحصون أو تخريبها أو إرهاب العدو أمر اتفق عليه الجمهور وعليه عمل الصحابة ، فسبحان الله كيف يعمي الدفاع عن الأمريكيين عما صحت به الأخبار من الكتاب والسنة ؟ .
الحالة الخامسة : ومن الحالات التي يجوز فيها قتل المعصومين من أهل الحرب هي ما إذا احتاج المسلمون إلى رميهم بالأسلحة الثقيلة التي لا تميز بين المعصوم وغيره ، كالمدافع والدبابات وقذائف الطائرات وما في حكمها .
ودليل ذلك أن النبي r نصب المنجنيق على أهل الطائف ورماهم به قال صاحب المبدع 3/319 " ورميهم بالمنجنيق نص عليه - أحمد - لأنه r نصب المنجنيق على أهل الطائف رواه الترمذي مرسلا ونصبه عمرو بن العاص على الاسكندرية ولأن الرمي به معتاد كالسهام وظاهره مع الحاجة وعدمها وفي المغني هو ظاهر كلام الإمام وقطع المياه عنهم وكذا السابلة وهدم حصونهم وفي المحرر والوجيز والفروع هدم عامرهم وهو أعم لأن القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي الله " .
قال ابن قدامة في المغني 9/231 " ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها لأن النبي r نصب المنجنيق على أهل الطائف وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر جاء الحديث عن النبي r أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام " .
قال النووي في المهذب 2/219 " فصل ولا يجوز قتالهم بالنار والرمي عن المنجنيق إلا لضرورة لأنه لا يجوز أن يقتل إلا من يقاتل والقتل بالنار أو المنجنيق يعم من يقاتل ومن لا يقاتل وإن دعت إليه الضرورة جاز كما يجوز أن يقتل من لا يقاتل إذا قصد قتله للدفع " .
وفي هذه الحالة أجاز العلماء قتل المعصومين من النساء والصبيان إذا دعت الحاجة إلى رميهم بالمنجنيق وهي آلة كانت تستخدم في السابق ترمى بها الحجارة الكبار وأحياناً تكون الحجارة مشتعلة بالنار ، فإما أن تحرق أو تهدم البيوت وتقتل من فيها ، وإجازتهم لهذا الأسلوب إنما كان من باب المصلحة التي ترجى من فتح هذا الحصن حتى لو قتل النساء والصبيان نتيجة لذلك ، فالمصلحة التي توفرت في فتح حصن واحد وذلك بقصف أهله بالمنجنيق ، ألا توجد هذه المصلحة في تدمير مقر قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتكف عن حصار المسلمين وقتلهم حتى لو ذهب ضحية ذلك النساء والصبيان ؟ بلى إن هذا أعظم مصلحة ، وإن كان مثل هذا لا ينال إلا بهذه الطريقة فقد تأكد .
الحالة السادسة : ويجوز قتل معصوم الدم من الكفار في حال تترس الكفار بهم أي إذا تترس الكفار بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة حتى لو هلك النساء والصبيان جاز ذلك ، بشرطين أحدهما : أن تدعو الحاجة إلى ذلك ، والثاني : أن يكون القصد القلبي للمسلمين موجه إلى المقاتلة لا إلى المعصومين .
قال ابن قدامة في المغني 9/233 " فصل وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة لأن النبي r رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد وسواء كانت الحرب ملتحمة أو لا ، لأن النبي r لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب " .
قال الأنصاري في فتح الوهاب 2/301 " وحرم إتلاف لحيوان محترم لحرمته وللنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكله إلا لحاجة كخيل يقاتلون عليها فيجوز إتلافها لدفعهم أو للظفر بهم كما يجوز قتل الذراري عند التترس بهم بل أولى " .
قال الشربيني في مغني المحتاج 4/227 بعدما ذكر جواز قتل الحيوان الذي يعينهم وذكر منها " ما يقاتلونا عليه أو خفنا أن يركبوه للغد كالخيل فيجوز إتلافه لدفعهم أو للظفر بهم لأنها كالآلة للقتال وإذا جاز قتل النساء والصبيان عند التترس بهم ،فالخيل أولى وقد ورد ذلك في السير من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم " .
قال صاحب قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/82 " لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز مثل ذلك في أطفال المسلمين " .
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/ 546 – 20/52 " وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم " .
وقال ابن قاسم في حاشية الروض 4/271 " قال في الإنصاف : وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم إلا أن نخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار ، وهذا بلا نزاع".
ويجب التنبيه هنا على أمر مهم ألا وهو ، أن هناك فرقاً في الحكم إذا كان المُتترس بهم من المسلمين أو من المعصومين من الكفار كالنساء والأطفال ، فإذا كان الترس من المسلمين فلا يرمى العدو إلا لضرورة وذلك بأن تكون مفسدة ترك رميه أعظم من مفسدة قتل الترس من المسلمين ، كأن يخشى من اجتياح العدو لأرض المسلمين وقتل أكثر ممن تترس بهم ، أو يخشى من قتل جيش المسلمين وكسر شوكتهم وذهاب أمر المسلمين ، والضرورة تقدر بقدرها .
أما في حالة أن يكون المُتترس بهم من نساء وصبيان الكفار فإن الأمر أخف من الحالة الأولى فيجوز رمي العدو مع هلاك الترس من المعصومين إذا دعت الحاجة لذلك ولو لم تكن لضرورة ملحة ، لأن عصمة دماء نساء وصبيان الكفار أخف من عصمة دماء المسلمين ، فالأولى تباح للحاجة والثانية تباح للضرورة ، لأن النبي r عندما أجاز في حديث الصعب بن جثامة قتل ذراري المشركين وقال ( هم منهم ) لم يستفصل عن الحالة التي تضطرهم لذلك ولم يضع ضوابطاً لجواز ذلك ، علماً أن حاجة البيات والإغارة لم تكن في زمن النبي r ملحة بشكل دائم على المسلمين والنبي r كما في الصحيحين عن أنس t قال كان رسول الله r ( إذا غزا قوما لم يغر حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح ) وفي رواية للبخاري عن أنس t قال ( كان إذا غزا بنا ) فيدل ذلك على أن النبي r لم يكن يحتاج البيات والإغارة دائماً بل لم يكن يغزو إلا بعد الصبح وقول أنس ( كان النبي r إذا غزا بنا ) يدل على أن هذا غالب فعله r ، فترك النبي r الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال ، فلا يقيد قتل الترس من المعصومين من الكفار إلا بقيد الحاجة فقط ، وقتل الترس من المسلمين لا يجوز إلا في حال الضرورة الملحة .
هذا ما أحببنا التنبيه عليه ، حتى لا يقول قائل أنكم استدللتم بمسألة التترس وأجزتم قتل المدنيين من الأمريكيين قياساً على هذه المسألة ، ومسألة التترس لا تجوز إلا في حال الضرورة فأي ضرورة ألجأت من فعل ذلك إذا كان مسلماً ؟ ، نقول إن قتل الترس من الكفار لا يلزمه الضرورة بل يكفي أن تقوم الحاجة له ولا يمكن أن يحقق المسلمون هدفهم إلا بذلك جاز هذا الفعل كمسألة التحريق وغيرها مما تقدم .
الحالة السابعة : ومن حالات جواز قتل النساء والصبيان والشيوخ من معصومي الدم ، أن ينكث أهل العهد عهدهم ، ويرى الأمير قتلهم جميعاً وإبقاء من شاء ، كما فعل النبي r ذلك في بني قريظة فقد قتل رجالهم وشيوخهم وكل عسيف لهم ولم يستبق أحداً إلا النساء والأطفال في الرق ، وقتل من سواهم من المعصومين كالشيوخ والأجراء ، وقد قتل النبي r كل من أنبت من يهود بني قريظة ولم يفرق بين الذي نكث العهد والذي لم ينكث .
قال ابن حزم في المحلى 7 / 299 تعليقا على حديث " ( عرضت يوم قريظة على رسول الله r فكان من أنبت قتل ) ، قال ابن حزم : وهذا عموم من النبي r ، لم يستبق منهم عسيفا ولا تاجرا ولا فلاحا ولا شيخا كبيرا وهذا إجماع صحيح منه " .
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد " وكان هديه r إذا صالح أو عاهد قوما فنقضوا أو نقض بعضهم وأقره الباقون ورضوا به غزا الجميع ، وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل في بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ، وكما فعل في أهل مكة ، فهذه سنته في الناقضين الناكثين " وقال أيضا " وقد أفتى ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لمّا أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح ، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ورآهم بذلك ناقضين للعهد ، كما نقضت قريش عهد النبي r بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه " .
فهذه هي الحالات التي أجاز الفقهاء فيها قتل المعصومين من الكفار كالنساء والصبيان والشيوخ ومن في حكمهم ممن يسمى اليوم ( مدنياً ) ، والذين قتلوا في أمريكا في عمليات الثلاثاء المبارك ، لا يخرجون بحال عن هذه الحالات التي ذكرت أبداً ، وكما قدمت فإنه يكفي الذين قالوا على الله بغير علم وأفتوا بأن الشريعة لا تجيز قتل الأبرياء بحال ، يكفيهم هم ومن وافقهم ، أن يوافقوا على أن حالة واحدة من الحالات المذكروة آنفاً تنطبق على من سموهم ( بالأبرياء !! ) في أمريكا ، فإذا وافقوا على أن حالة واحدة تنطبق على أبرياء أمريكا فقد لزمهم القول بجواز قتلهم إما قصداً معاملة بالمثل أو تبعاً وفقاً للحالات السابقة .
وإذا لم يوافقوا على ذلك فيلزمهم أن يصرفوا كل الحالات التي قدمناها عن أبرياء أمريكا كما يسموهم ، ليستقيم قولهم ، وأنى لهم ذلك ؟ ، أما الاستدلال بعمومات وتهويشات لا تقوم بها الحجة على وقائع معينة ولا تنضبط حينما تنزل على الواقع فهذا باطل ، كقولهم الشريعة لا تجيز الظلم والعدوان ، وقولهم الشريعة لا تجيز قتل النساء والصبيان ، و الشريعة ليس فيها إرهاب ، وعقيدة المسلم تمنعه أن يعاقب من لا يستحق العقوبة ، والإسلام يحرم الإرهاب والعنف ، وكل هذه عمومات ربما تنطبق أحياناً أو تكون هي الأصل في بعض الأبواب ، ولكن هناك أدلة خاصة تقضي على هذه العمومات ، وذلك في حال إنزالها على وقائع معينة ، فالجهاد أو القصاص من الجاني لا يسمى عدواناً ولا ظلماً ولا اعتداءً ، وقتل النساء والصبيان إذا كان وفقاً للحالات السابقة وما تفرع عنها فإنه لا يسمى ظلماً ولا عدواناً بل هو من المأمور به شرعاً وأقله أن يكون من المباح ، والإرهاب أمرنا الله به في قوله } ترهبون به عدو الله وعدوكم { فإرهاب الأعداء ومن عاونهم أمر واجب على المسلمين ، وعجباً لمن ترك الواجبات وجعلها في صف المحرمات كل ذلك ليرضى عنه أهل الكفر والموبقات !! .
حكم قتل المسلمين الذين كانوا في مركز التجارة العالمي
وهناك إيراد وجيه : فرب قائل يقول إن ما أوردتم من جواز قتل المعصومين من الكفار في بعض الحالات كلام حسن ، إلا أنه يوجد مسألة مهمة وهي أن هناك عددا من المسلمين راح ضحية تدمير مركز التجارة العالمي ، فكيف جاز قتل المسلمين الذين في مركز التجارة العالمي ، رغم أنكم لا تجيزون قتل الترس من المسلمين إلا حال الضرورة ولا ضرورة لذلك ؟ .
ونجيب عن هذا من سبعة أوجه :-
أولاً : إن عدد المسلمين في مركز التجارة العالمي لم يعرف حتى الآن ، بل لم يتأكد وجودهم من عدمه وإذا كانت لم تنتشل حتى الآن أكثر من ثلاثمائة جثة فكيف لهم بإثبات موت عدد من المسلمين ، وإذا ثبت أن هناك عددا من المسلمين فنقول .
ثانياً : إننا لا نعلم من الفاعل الذي قام بالعمليات ، فإذا كان مسلماً فلا بد أن نعرف ما هي المبررات التي دفعته لمثل ذلك الفعل ، هل هي ضرورة أم حاجة ؟ ، فإن كانت ضرورة وقدّرها بقدرها جازله الفعل مع احتمال هلاك مسلمين ، وإن كانت حاجة فهي خاضعة لأمر آخر وهو الوجه الثالث .
ثالثاً : إن من المؤكد لدى الجميع بأنه لا يوجد في مركز التجارة العالمي إلا شركات كافرة ، وإن غلبة الظن قائمة بأن هذه الشركات لا توظف إلا كفارا ، كما أن هذه الأبراج تقع في منطقة تعد أكبر منطقة يتجمع فيها اللوبي الصهيوني والجالية اليهودية ، فالحكم على غلبة الظن في هذه الحالة جائز .
رابعاً : حتى ومع التأكد من وجود المسلمين فإن الشافعي يرى أن الكف عن الكفار في بلاد الحرب خشية قتل المسلمين الذين اختلطوا معهم يرى أنه على الندب لا على الوجوب وأجاب عن قول الله تعالى } ولولا رجال مؤمنون ونساءُ مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم .. الآية { أجاب في الأم 4/244 بقوله " وإن كان في الدار – أي دار الحرب – أسارى من المسلمين ، أو تجارٌ مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق ، والتغريق وما أشبهه ، غير محرم له تحريماً بيناً ، وذلك أن الدار إن كانت مباحة فلا يبين أن تحرم بأن يكون فيها مسلمُ يحرم دمه ، وإنما كرهت ذلك احتياطاً ، لأن مباحاً لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها وإن قاتلناها بغير ما يعم من التحريق ، والتغريق " .
وقال الإمام الجصاص من الأحناف في أحكام القرآن 5/275 معززاً هذا الرأي " وأما احتجاج من يحتج بقوله } ولولا رجال مؤمنون ، ونساء مؤمنات .. الآية { ، في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين ، فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم ، لأنه كان فيهم قوم مسلمون ، لم يأمن أصحاب النبي r لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم ، وذلك إنما تدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم ، فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين ، لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين ، وجائز أيضاً إباحة الإقدام على وجه التخيير فإذاً لا دلالة فيها على حظر الإقدام " .
خامساً : ثم إن من أجرى عموم هذه الآية ومنع الإضرار بدار الحرب لوجود مسلمين فيها ، فإن قوله هذا يقتضي منع الحرب ضد أية دولة حربية في زماننا ، لأنه اليوم لا توجد دولة من دول الكفر والحرب إلا وفيها عدد ليس بالقليل من المسلمين ، والحروب في هذا الزمن تضر كل السكان إما بشكل مباشر أو غير مباشر ، فإذا منعنا الإضرار بهم بأية طريقة فقد أفضى ذلك إلى تعطيل الجهاد ضد دول الكفر والحرب بحجة وجود مسلمين فيها ، إلا أنه لا يجوز التغافل عن الإضرار بالمسلمين وذلك في البلاد التي يكون الأغلبية العظمى من سكانها مسلمون ، فالإضرار بهم من غير ضرورة كضرورة التترس غير سائغة ، أما قتل مسلم أو عشرة في دار حرب كل أهلها كفار محاربون فإن كلام الشافعي والجصاص السابق يرد عليه والله أعلم .
سادساً : ولو قدر أن منفذ عمليات الثلاثاء المبارك مسلم ولا ضرورة له بهذا الفعل ، فإن غاية ما عليه إذا ثبت وجود للمسلمين من ضمن الضحايا على أشد الأحكام عليه ، أن يدفع نصف دية المقتولين بناءً على فتوى النبي r لمن قتل مسلمي خثعم عندما اختلطوا بالكفار ، ولم يكفر من قتلهم ولم يعنفه ولم يقتص منه ولم يدع عليه ولم يتبرأ من فعله كما تبرأ من فعل خالد t عندما قتل من أسلموا من بني جذيمة فدفع النبص r ديتهم كاملة وقال ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) .
ولماذا يلام من أراد أن يفعل المأمور بقتل وترويع أهل الحرب واستباحة ديارهم ؟ ولا يلام من خالف أمر النبي r وأقام بين ظهراني المشركين ؟ فأصبح من قام بأمر الله مجرماً ، ومن تبرأ منه الرسول r مؤمناً يجب المحافظة على دمه وأمنه ، وهذا لا يعني أننا نكفر من أقام بين ظهراني المشركين وإن كان ظاهر كلام النبي r يقتضي ذلك ، إلا أننا نقول هم مسلمون وغاية ما يدفعه من قتلهم نصف ديتهم ، وهذا يتضح بما يأتي .
روى الترمذي في سننه عن جرير بن عبد الله t أن رسول الله r بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي r ( فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) قالوا يا رسول الله ولم ؟ قال ( لا ترايا ناراهما ) .
وروى أيضاً عن سمرة بن جندب عن النبي r قال ( لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم ) .
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي 5/189 قوله : ( فاعتصم ناس بالسجود ) أي ناس من المسلمين الساكنين في الكفار , سجدوا باعتماد أن جيش الإسلام يتركوننا عن القتل حيث يروننا ساجدين ، لأن الصلاة علامة الإيمان ( فأمر لهم بنصف العقل ) أي بنصف الدية ، قال في فتح الودود : لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته ( بين أظهر المشركين ) أي بينهم , ولفظ أظهر مقحم ( لا تراءى ناراهما ) من الترائي تفاعل من الرؤية , يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا , تراءى الشيء أي ظهر حتى رأيته ، والأصل في تراءى تتراءى , فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، وإسناد الترائي إلى النار مجاز من قولهم داري تنظر من دار فلان أي تقابلها ، قال في النهاية أي يلزم المسلم ويجب أن يتباعد منزله عن منزل المشرك , ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للمشرك إذا أوقدها في منزله , ولكنه ينزل مع المسلمين , هو حث على الهجرة ، قال الخطابي في معناه ثلاثة وجوه : قيل : معناه لا يستوي حكمهما ، وقيل : معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر , فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارا كان منهم حيث يراها ، وقيل : معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله . قوله : ( وفي الباب عن سمرة ) أخرجه أبو داود عنه مرفوعا : " من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله , وذكره الترمذي بنحوه , ولم يذكر سنده . وحديث جرير المذكور في الباب أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات , ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم , ورواه الطبراني أيضا موصولا كذا في النيل " . قلت وصححه الألباني في الأدب المفرد .
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في حاشيته على عون المعبود 7/218 " : قال بعض أهل العلم : إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم , لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار , فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره ، وهذا حسن جدا ، والذي يظهر من معنى الحديث : أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم , وهي تدعو إليهم , والطارق يأنس بها , فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم . فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة , فإنها إنما توقد في معصية الله , ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه , فكيف تتفق الناران , وهذا شأنهما ؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله , المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة . وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال " قلت يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه - أن لا آتيك , ولا آتي دينك , وإني كنت امرأ لا أعقل شيئا إلا علمني الله ورسوله . وإني أسألك بوجه الله : بم بعثك ربنا إلينا ؟ قال : بالإسلام . قلت : وما آيات الإسلام ؟ قال : أن تقول : أسلمت وجهي إلى الله وتخليت , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة . كل المسلم على المسلم محرم , أخوان نصيران , لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملا , أو يفارق المشركين إلى المسلمين " . وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول عن النبي r " لا تتركوا الذرية إزاء العدو".
قال العظيم آبادي في عون المعبود 7/218 " ( إلى خثعم ) : قبيلة ( فأمر لهم بنصف العقل ) : أي بنصف الدية . قال في فتح الودود : لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة , فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته ( بين أظهر المشركين ) : أي بينهم ولفظ أظهر مقحم ( لا ترايا ناراهما ) : كذا كتب في بعض النسخ وفي بعضها لا تراءى . قال في النهاية : أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يتباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للمشرك إذا أوقدها في منزله , ولكنه ينزل مع المسلمين , وهو حث على الهجرة ، قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي . وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلا . وأخرجه الترمذي أيضا مرسلا وقال وهذا أصح , وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل يعني ابن أبي خالد لم يذكروا فيه جرير أو ذكر عن البخاري أنه قال الصحيح مرسل ولم يخرجه النسائي إلا مرسلا والله أعلم " .
سابعاً : إن من يعمل بمركز التجارة العالمي هو يعمل بالتأكيد في أهم مركز اقتصادي لدولة حربية ، فيمكن للمسلمين أن يعاملوه على أنه معين للكفار ويأخذ نفس الحكم الدنيوي لهم وليس الأخروي ، والدليل ما جاء في الصحيحين وغيرهما أن عائشة رضي الله عنها قالت : عبث رسول الله r في منامه فقلنا يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله فقال ( العجب إن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس قال نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم ) وفي رواية البخاري قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال ( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ) زاد الترمذي في حديث صفية ( ولم ينج أوسطهم ) وفي لفظ لمسلم من حديث حفصة ( فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم ) .
قال ابن حجر في الفتح تعلقاً على هذا الحديث " يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده , قال المهلب : في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم . قال واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب ".
وقد استدل ابن تيمية في الفتاوى الكبرى وتلميذه ابن القيم بهذا الحديث لقتال الطائفة الممتنعة بشوكة حتى ولو كان في صفوفهم مسلمون ، قال يهلكون مهلكاً واحداً ويبعثون مصادر شتى .
فالمسلمون الذين عملوا في مركز التجارة العالمي بالإمكان اعتبارهم في حكم من يعين على الحرب حكماً دنيوياً ، وبالإمكان اعتبار ما حصل لهم عقوبة على تكثير سواد الكفار ونفعهم والله أعلم .
هذه الأوجه السبعة كلها تأتي رداً على من قال لقد تقرر لدينا جواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا لم يتميزوا ، ولكن ما حكم قتل مسلم كان موجوداً في مركز التجارة العالمي ؟ فمن تمعن في الأوجه السبعة المقدمة علم أن الشريعة لم تكن لتعطل الأحكام العامة من أجل حالات عينية لا تحصل إلا نادراً ، ويكفي لجواز قتلهم تطابق وجه واحد فقط على حالهم .
بحث أوجه المصالح والمفاسد للعمليات
قبل الدخول في هذا الباب ينبغي أن نعرف ما هو ضابط المصالح والمفاسد ، وهل القول بأن هذه مصلحة وهذه مفسدة هو أمر متاح لكل أحد بلا ضوابط شرعية ، فيقوم رجل ويقول إن عمليات الثلاثاء المبارك ليس فيها مصلحة بل إن مفاسدها أعظم من مصالحها ، ويأتي آخر ويقول إن إقامة الجهاد في الشيشان أضر بالمسلمين ولم يجن منه المسلمون إلا المفاسد وليس فيه مصلحة ، ويأتي آخر ويخترع لنا مصلحة ومفسدة فيضع المصلحة فيما يريد والمفسدة فيما لا يريد ، لذا قبل الخوض في المصالح والمفاسد المترتبة على العمليات في حال أن الفاعل لهذه العمليات مسلمون ، نقرر معنى المصالح والمفاسد ونحدد الضوابط التي يضبط بها هذا الباب .
لقد اصطلح المتأخرون وأولهم الغزالي اسم المصالح المرسلة ، على نوع من أنواع القياس يأتي تفصيله ، واصطلح غيره على تسميته الاستدلال والجواب ، وهو معمول به عند المتقدمين وإن كانوا لم يصطلحوا على هذه التسمية إلا أنه وارد عندهم ولكن على نطاق أضيق من المتأخرين .
وقولي إنه نوع من أنواع القياس ، يبينه أن القياس من أركانه العلة ، والعلة لا بد لها من مناسبة ، والمناسبة تنقسم إلى أربعة أقسام .
القسم الأول : المناسب المؤثر وهو العلة التي قام النص أو الإجماع على أن عينها هي التي أثرت في عين الحكم كقوله r ( إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) .
القسم الثاني : المناسب الملائم وهو ما قام نص أو إجماع أيضاً على تأثير جنس الوصف في عين الحكم كإدخال الصحابة شارب الخمر مع القاذف في الحكم الواحد وهو الجلد بثمانين جلدة .
وكذلك ما قام نص أو إجماع على تأثير عين الوصف وهو في جنس الحكم .
وكذلك إذا قام الدليل على تأثير جنس الحكم في جنس الوصف كمن فهم من إسقاط الشارع الصلاة عن الحائض أنه من أجل المشقة .
القسم الثالث : المناسب الغريب ومعناه المصلحة التي أهدرها الشارع ولم يرد الأخذ بها ، نظرا لأنها تعارض مصلحة أعظم منها ، أو تؤدي إلى فساد أعظم منها .. ، ومثل هذه المصالح التي أهدرها الشارع لا يجوز التعليل بها ، ولا بناء الأحكام عليها ، وهذا القسم اليوم هو أكثر ما ينزع إليه الناس ليبنوا أحكاماً عامة للأمة على مصالح شخصية أو مصالح تهدر أصولاً أعظم منها وسيأتي تفصيله .
القسم الرابع : المناسب المرسل وهي العلة التي تتضمن حكمة ومنفعة شرعية دينية أو دنيوية علماً بأن الشارع لم يأت بما يلغيها أو يأمر بها .. وهذا القسم هو الذي يسمى المصالح المرسلة .
والفرق بين المصلحة المرسلة والقياس هو أن المصلحة المرسلة ليس هناك أصل محدد تقاس عليه ، ولا واقعة تماثلها من كل الوجوه حتى يجمع بينهما بالعلة الجامعة ، وإنما هناك مصلحة يراد الوصول إليها ، وهذه المصلحة سواء كانت لحفظ دين الناس أو دنياهم لم يأت نص شرعي بالنهي عنها ولم يأت نص شرعي بأخذها بخصوصها فإننا نستنبط لها حكماً ، ونأخذ بها لأننا نعلم ونوقن في الجملة أن الشريعة قد جاءت بمصالح العباد ، ويتضح الفرق حينما نأتي على ضوابط المصالح المرسلة .
قال الشاطبي في الاعتصام 2/364 " إن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين ، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص ، ولا كونه قياساً بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول " .
وقال أيضاً 2/365 " فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقاً عليه ، بل قد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده ، وأن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل ، وذهب مالك إلى اعتبار ذلك ، وبنى الأحكام عليه على الإطلاق ، وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذي لم يستند إلى أصل صحيح ، لكن بشرط فإنه من معاني الأصول الثابتة هذا ما حكى الإمام الجويني ، وذهب الغزالي إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر حتى يشهد له أصل معين ، وإن وقع في رتبة الضروري فميله إلى قبوله لكن بشرط قال ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد " ..وقال " وكذلك القول في الاستحسان فإنه على ما ذهب إليه المتقدمون ، راجع إلى الحكم بغير دليل ، والنافي له لا يعد الاستحسان سبباً فلا يعتبر في الأحكام البتة فصار كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها " ثم ذكر لتقرير هذا عشرة أمثلة عن الصحابة والتابعين .
قال الشوكاني في إرشاد الفحول 1/403 " المصالح المرسلة قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس وسنذكر هاهنا بعض ما يتعلق بها تتميما للفائدة ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال ولهذا سماها بعضهم بالاستدلال والجواب و أطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم الاستدلال قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق ، قال الغزالي هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلا ولا يوجد أصل متفق عليه ، وقال ابن برهان هي ما لا تستند إلى اصل كلي ولا جزئي وقد اختلفوا في القول بهذا على مذاهب الأول : منع التمسك بها مطلقا وإليه ذهب الجمهور ، الثاني : الجواز مطلقا وهو المحكي عن مالك قال الجويني في البرهان وأفرط في القول بها حتى جرّه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستندا وقد حكي القول بها عن الشافعي في القول القديم وقد أنكر جماعة من المالكية ما نسب إلى مالك من القول بها ومنهم القرطبي وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك قال وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه ، قال ابن دقيق العيد الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه احمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما انتهى ، قال القرافي هي ثم التحقيق في جميع إذنه لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك الثالث إن كانت ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي جاز بناء الأحكام عليها وإلا فلا حكاه ابن برهان في الوجيز عن الشافعي وقال إنه الحق المختار ، قال إمام الحرمين ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول الرابع إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار هذا الغزالي والبيضاوي ، ومثل الغزالي للمصلحة المستجمعة بمسألة الترس وهي ما إذا تترس الكفار بجماعة من المسلمين وإذا رمينا قتلنا مسلما من دون جريمة منه ولو تركنا الرمي لسلطنا الكفار على المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى الذين تترسوا بهم فحفظ المسلمين بقتل من تترسوا به من المسلمين اقرب إلى مقصود الشرع لأنا نقطع أن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان فحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة على الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له اصل فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية كلية قطعية فخرج بالكلية ما إذا اشرف جماعة في سفينة على الغرق ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض وبالقطعية ما إذا شككنا في كون الكفار يتسلطون ثم عدم رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى اخذ القلعة قال القرطبي هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها ، وأما ابن المنير فقال هو احتكام من قائله ثم هو تصوير بما لا يمكن عادة ولا شرعا أما عادة فلان القطع في الحوادث المستقلة لا سبيل إليه إذ هو عبث وعناد وأما شرعا فلأن الصادق المعصوم قد اخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدوها عليها ليستأصل شأفتها قال فينبغي كلام الغزالي رد الاستدلال بها لتضييقه في قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده ، قال الزركشي وهذا تحامل منه فإن الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتمال وقوعها بل المستحيلة لرياضة الأفهام ولا حجة له في الحديث لأن المراد به كافة الخلق وتصوير الغزالي إنما هو في أهل محله بخصوصهم استولى عليهم الكفار لا جميع العالم وهذا واضح .
قال ابن دقيق العيد لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح لكن الاسترسال فيه وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد وربما يخرج عن الحد وقد نقلوا عن عمر t انه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو فإن صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة وهذا يجر إلى النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة قال وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين واسترسال قبيح في أذى المسلمين " أهـ كلام الشوكاني رحمه الله من السيل الجرار .
وما أجمل كلام ابن دقيق العيد المتقدم وهو النهي عن الاسترسال فيها وعدم الخوض فيها عند كل أمر ، بل إن الكلام فيها يحتاج إلى نظر سديد ، وقد نقل الشاطبي في الاعتصام 2/365-383 وفي الموافقات 4/148-153 ، وكذلك الشوكاني في كلامه المتقدم بعض الضوابط التي تضبط القول بالمصالح المرسلة ونلخصها بهذه النقاط :-
أولاً : أن تكون ضرورية أي مبنية على الضرورات الست أي تكون مصلحة حقيقية تندرج تحت قاعدة كلية من قواعد التشريع ، وتحقق فعلاً مصلحة شرعية لحفظ الدين ، أو النفس ، أو العقل ، أو العرض ، أو النسب ، أو المال ، وترتيب المصالح التي ينبغي أن تراعى يكون أولها الدين وثانيها النفس وهكذا ، فأول المصالح التي تراعى مصلحة الدين ومن ثم النفس فالأمر الذي يحقق مصلحة دينية ويحفظ للناس دينهم يعمل به ولو أضر بالأرواح فحفظ الدين أولى ، ولتفصيل هذا انظر الموافقات 2/29.
ثانياً : أن تكون كلية أي مصلحتها قائمة لجميع المسلمين أو لأغلبهم في واقعة معينة على الأقل .
ثالثاً: أن تكون قطعية أي لا تكون هذه المصلحة معارضة لنص شرعي أو إجماع أو قياس لأنه لا مصلحة قط في مخالفة أمر الله ونهيه .
رابعاً : أن لا يفضي الأخذ بهذه المصلحة إلى حصول مضرة مساوية لها أو زائدة عنها لأن هذا يكون عبثاً وضرراً ، فالمصلحة التي تؤدي إلى مضار مساوية أو زائدة لا شك أنها مصلحة ملغاة .
خامساً : ألا تكون مفوّتة لمصلحة أعظم منها لأن السياسة الشرعية تقتضي تحصيل أعظم المنفعتين ، فلو كنا أمام منفعتين لا سبيل إلا لتحصيل واحدة منهما ، وجب أن نأخذ بأعظم المنفعتين وأكبر المصلحتين .
وبهذه الضوابط يتحدد هذا الأصل ، وتصبح المصالح المرسلة طريقاً صحيحاً من طرق الحق والعدل ، ويسد الباب على ما ينافي الشرع ممن يريد أن يصادم تشريع الله بمصالح موهومة مظنونة لا تحقق إلا الفساد في الأرض .
إذا تبين هذا واتضحت الضوابط التي يبنى عليها القول بالمصالح المرسلة ، فإنه يلزم القائل بها ركناً مهماً وهو أحد ركني القول بالمصالح المرسلة ، وهذا الركن هو الإحاطة بعلم الواقعة وملابساتها وتاريخها ، وذلك ليتمكن من معرفة هل هذا العمل تركه أولى أو فعله أولى وهل تركه يحقق مصلحة أعظم أم فعله يحقق مصلحة أعظم ، وهل الترك سيمنع المفاسد أم أن المفاسد حاصلة لا محالة ، فيكون ترك الفعل لا معنى له ، المهم والمؤكد أنه ينبغي على من أراد القول بها أن يعرف الواقع حق المعرفة ليتمكن من الحكم .
وبالنسبة لعمليات الثلاثاء المبارك ضد الولايات المتحدة ، لا شك أن الصليبيين اتهموا الأفغان مباشرة قبل أن ينقشع غبار الحطام ، ونحن نقول ليس من المؤكد لدينا أن الأفغان هم الذين قاموا بذلك ، ولكن لنفترض أن المسلمين هم وراء تلك العمليات ، لأن هذه الافتراض هو الذي بنى عليه المنتسبون للعلم فتاواهم المستنكرة ، ونحن بصدد بحث مدى شرعية العمليات إن كان من وراءها مسلمون .
وبعد بيان جواز هذه العمليات من حيث الأدلة الشرعية إن كان من وراءها مسلمون ، ندخل إلى بحث العمليات من ناحية تقدير المصالح والمفاسد ، والعمليات لم يتهم بها حتى الآن إلا الأفغان ، فالذي يريد أن يقدر المصالح والمفاسد للعمليات يلزمه أن يعرف وضع المسلمين في أفغانستان والذين طالهم العدوان الأمريكي الغاشم منذ سنوات ، فإننا نقول إن الذي في أفغانستان باستطاعته أن يقدر المصالح والمفاسد بنسبة تربو على 80% ومن هو خارج أفغانستان لا يمكن تقدير أكثر من 30% لأن الأفغان إن كانوا هم الذين فعلوها حقاً فإن الذي دفعهم لذلك لا شك أنها دوافع قوية اضطرتهم لهذا العمل ، وقد طغت تلك الدوافع على كل المفاسد المتوقعة بعد هذا العمل ، فكل عاقل يعرف أن أمريكا سترد بكل قوة على هذه العمليات ولا يمكن أن يتصور أن الفاعل إن كان عاقلاً أن يغفل عن حجم وقوة ردة الفعل الأمريكية ، لذا قبل أن يحكم المرء على مصلحة هذا العمل أو مفسدته فينبغي له أن يحيط علماً بواقع الذين ارتكبوا هذه العمليات ويعرف علم الواقع الذي وصلهم فالمباشر للأحداث ليس كمن يتابع عن بعد ، فمن المجازفة أن يحكم رجل متكئ على أريكته يبيت آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوته بعيد آلاف الأميال ولا يعرف عن حال إخوانه إلا ما تناقلته وسائل الإعلام المعادية ، أقول من المجازفة أن ينبري من حاله كذلك ليحكم بمفسدة عمل قام به كما يزعمون الذين شرد أبناؤهم ولم يذوقوا الراحة ولا الأمن ولا الطمأنينة تتخطفهم الأمراض وتقتلهم المجاعة والجفاف من الحصار ولا يجد أحدهم ما يواري به سوأته أو يسد به جوعته ، وأبناءه يتضاغون عنده يقتلهم الجوع أو المرض ، إن من حاله كذلك فإن الشهادة بالنسبة له أعظم مصلحة يحققها إذا وفقه الله إليها مؤمناً صابراً محتسباً .
ولذلك يقال مثلاً لا بد أن ينظر المفتي في الواقع جيدا ، ثم ينزل الحكم الشرعي الصحيح على الواقع ، فيكون الناظر هنا له نظران :
الأول : النظر في الواقع وتنزيله منزلته الصحيحة الشرعية ، مثل : تحقيق المناط في : أمريكا ، أي دار تكون في الفقه الإسلامي ؟.
الثاني : النظر في الحكم الشرعي المترتب على الواقع هذا ، فدار الحرب لها أحكام مخالفة لدار العهد .
فإذا اختل أحد النظرين ظهر الخلل .
فقد ينظر أحد إلى مصالح معينة لأنه عرف الواقع – مثلا – ولكنه لم يعرف (تنزيل الحكم الشرعي الصحيح عليه لجهله بتحقيق المناط ) .
وقد يعرف أحد الحكم الشرعي ولكنه لا يعرف الواقع فيحصل الاختلال من هذا الوجه .
أما إذا صح النظران فإن الحكم يصح ، ولا يحتاج النظر بعد ذلك إلى مفاسد ومصالح .
وليتضح المقصود من الكلام الآنف فإني سآتي على ما اعتبره بعض المنتسبين للعلم مفسدة تحرم هذه العمليات إن كان الفاعل مسلماً ، وأوضح وجهة نظر المتهمين فيما أعلمه من واقعهم ، علماً أن الأصل في مثل تلك العمليات الجواز لأنها من الجهاد والإثخان المأمور به شرعاً ، فلا يحتاج القائل بجوازها أن يقيم دليلاً على المصلحة الراجحة أبداً إنما يكفيه أن يقول هذا جهاد أمر الله به في كتابه وأمر به رسوله r في سنته ، فإذا أراد أحد منع هذه الأعمال فعليه هو أن يقيم دليلاً قوياً أو مفسدة راجحة تنضبط مع الأصول التي قدمناها ليصار إلى قوله وفقاً لمقاصد الشريعة ، فالأصل إذاً هو جواز العمليات بالدليل ، والمنع طارئ لا يقبل إلا بضوابط .
المفسدة الأولى : قالوا بأن هذه العمليات يمكن أن تتسبب بسعي جاد لتصفية البؤر الجهادية في العالم خشية أن تفرز مثل هذا العمل ، وهذا ربما ينعكس على فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها من المناطق الإسلامية .. الخ .
وهذه المصلحة هي من جنس المصالح الملغاة التي تهمل ، وإذا أنزلنا عليها الضوابط السابقة فإننا نجد أنها لا تصلح أن تسمى من المفاسد التي تمنع القيام بهذا العمل ، ويرد عليها بما يلي :-
1 : يقال هذه مفسدة لا يمكن أن تحصل أبداً لأن الرسول r يقول كما في الصحيحين وغيره ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ، ويقول r أيضاً كما عند أبي داود ( الجهاد ماض إلى يوم القيامة ) فلا يمكن أبداً أن يصفي الكفار الرايات الجهادية ولو اجتمع الإنس والجن جميعاً فإن هذا الدين ماض والجهاد ماض إلى قيام الساعة ، فما بين الشرع أنه لن يحصل أبداً كيف بنا أن نجعله مفسدة تفضي إلى تعطيل الدليل والنكاية بالكفار ؟! .
2 : إن الواقع يشهد أن الكفار وأذنابهم لم يألوا جهداً في تصفية الرايات الجهادية فكلما قامت راية جهاد اجتمعوا جميعاً لإسقاطها بكل ما يملكون ، فالعارف بأحوال المجاهدين يعلم علم اليقين أن دول الكفر وعلى رأسها أمريكا وأذنابهم قد بذلوا قصارى جهدهم لضرب رايات الجهاد وقتل واعتقال رموزه ، فهذا العمل لن يزيدهم إلا أن يصرحوا بالعداوة بعد أن كانوا يسرون بها ، بل إن تصريحهم بالعداوة أيضاً يعد مصلحة حصلت من هذه العمليات ، فهم قد استنفدوا وسعهم في القضاء على الجهاد بكل الأساليب ولا يتصور أن عندهم زيادة مهمة على ما قدموا .
3 : وحتى لو قيل إن العالم بعد هذه العمليات سوف يمنع تحريك الأموال والأشخاص إلى ساحات الجهاد ، نقول : إن هذا ما عزموا عليه قبل عمليات الثلاثاء ، ففي اجتماع للاتحاد الأوربي قبل ثمانية أشهر قدمت فرنسا وروسيا مشروع قرار محاصرة الحركات الجهادية بشكل أكبر ، وكان المشروع المقدمة توصياته في مذكرة تبلغ أربعين صفحة ، أعدها خبير فرنسي في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط ، وتم الاتفاق على البدء بخطوات عملية ودولية لمحاصرة الحركات الجهادية مالياً وبشرياً ، ثم اجتمعت دول ( الكومنولث ) وطرحت نفس المشروع وقررت أولاً حصار أفغانستان والشيشان بشكل مكثف ، فإذا علمنا ما أعلنوه فقط من خطط استطعنا أن نحكم بأن هذه العمليات لن تزيد الوضع سوءً لأن السوء حاصل قبلها ، وكذلك نستطيع القول إن الهامش الضيق المعطى للحركات الجهادية قبل العمليات لن يدوم أكثر من شهرين على أحسن الأحوال ، فمن نظر إلى الواقع عرف خطأ القول بهذه المفسدة المطروحة .
4 : وإن هذه المفسدة أيضاً تردها السيرة ، فالنبي r بقتاله للكفار في بدر وأحد وتعرضه لقوافلهم وتجارتهم جمعوا له الأحزاب من كل جانب ، وحاصروه حتى وصفهم الله بقوله } إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا{ ، فجاء كفار قريش من فوق المدينة ، ونقض اليهود العهد أسفل المدينة ، وصرح بالنفاق داخل المدينة حتى قال أحد الصحابة (كان أحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته) !!! وعلى مقياس هذه المصالح يقال : إن النبي r أخطأ وأثار الأحزاب عليه والذين هم أقوى منه عدداً وعدة -وحاشاه – وذلك بالتعرض للكفار وجرهم لحربه في المدينة ، فطبيعة الجهاد أنه يثير العدو ، وكيف بالنبي r بعدما فتح الجزيرة وهو ضعيف القوة بالنسبة لفارس والروم ورغم ذلك يثيرهم عليه بدعوتهم وإرسال الجيوش لهم كجيش مؤتة وغزوته هو إلى تبوك ؟ .
5 : وأيضاً إن المفسدة المتقدمة التي زعم القائلون بها أنها مفسدة ، إذا أنزلنا عليها الضوابط الخمس التي قدمناها نجد أنها تخالف أهمها فهي ليست مبنية على شيء من الضرورات الخمس يقيناً ، وهي أيضاً ليست كلية ، وأيضاً غير قطعية بل معارضة لنص شرعي وقد قدمنا طرفاً من النصوص التي تفيد بأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة ، وأيضاً هي لن تفوت مصلحة أعظم ولن تحدث مفسدة أعظم لأن ما خافه أصحاب هذه المفسدة هو متحقق والمفسدة حاصلة قبل هذا العمل ، وطرداً لأصلهم ينبغي أن نوقف الجهاد في فلسطين والجهاد في الشيشان حتى لا يتكاتف العالم لتصفية المجاهدين عجباً لهذه المصالح المرسلة !! .
المفسدة الثانية : قال المفتون بمنع العمليات إن مفسدة تصفية البؤر الجهادية قد تمتد التصفية إلى كثير من الأعمال الإسلامية والدعوية والثقافية والخيرية والتعليمية التي قد يصنفونها على أنها البيئة التي تضع القوالب ، وتهيئ المناخ ..الخ.
نقول لهم إن هذه المفسدة حاصلة منذ القدم قبل أن يتنبه لها هؤلاء المفتون ، فنظرة إلى العالم وخاصة العالم الإسلامي أين الأعمال الدعوية الحرة فيه ؟ أين العلماء والدعاة ؟ لا يوجد عمل دعوي حر ، والعلماء في السجون ، وأحسن أحوالهم في الإقامة الجبرية أو موقوفون عن الدعوة إلا بإذن السلطات ، والشريط والكتاب الذي يوزع لا يوزع إلا على نطاق ضيق جداً وأيضاً لا بد أن يفسح جند الطاغوت هذه المادة أو تلك لتكون قابلة للتوزيع أو الطباعة ، فالعمل الدعوي الذي ترون أن ضربه مفسدة هو مضروب منذ عقود ، أين أنتم عن الواقع ؟ .
وكذلك الأعمال الخيرية محاصرة أشد المحاصرة بل إن روسيا وأمريكا قد طالبتا أكثر من مرة بإغلاق بعض المؤسسات الإسلامية بحجة أنها تدعم الجهاد ، وفي الصيف الماضي نشرت جريدة الشرق الأوسط تصريحات وزيرة الخارجة الأمريكية ( أولبرايت ) التي تطالب بإغلاق بعض الهيئات الإسلامية ومنها مؤسسة الحرمين في السعودية وبعض الهيئات الأخرى بتهمة تمويل العمليات الإرهابية .
بل إن مؤتمر وزراء الخارجية العرب المعقود في الجزائر عام 1414هـ كان موضوع الاجتماع الذي جاءوا من أجله هو تجفيف الموارد المالية للإرهاب – أي الجهاد – ومنع وصول أموال الزكاة والصدقات إلى الإرهابيين ، وأنشأت كل دولة عربية لجنة حكومية تدخل تحتها جميع الهيئات الإغاثية ليمكنها أن تسيطر على نشاطاتها وتراقب حساباتها الصادرة والواردة ، ثم بعدها اجتمع روؤساء الدول العربية في تونس لمعالجة مشكلة الإرهاب وقرروا قرارات حرب على الإسلام حتى إن صحيفة القدس العربية القومية قالت بعنوان كبير في صفحتها الأولى ( الدول الإسلامية تجتمع لحرب الإسلام ) ، ثم وقعت الدول العربية تحت مظلة الجامعة العربية قرار التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ( الجهاد ) وتم التوقيع قبل ستة أشهر ، ونحت دول مجلس التعاون الخليجية المنحى نفسه ووقعت على التعاون فيما بينها في مجال مكافحة الإرهاب ( الجهاد ) ولم ترفض التوقيع إلا الكويت وقطر ، لمصالح سياسية تم إعلانها .
فزعمكم أن العمليات في أمريكا ستحدث مفسدة ضرب المؤسسات الخيرية هي مفسدة حاصلة منذ القدم أيها الفقهاء ، وليتضح ذلك جلياً انظر إلى فصل يا خيل الله اركبي في هذا الكتاب ، ففيه ذكر لبعض خططهم وتوجهاتهم لضرب الصحوة منذ عشرات السنين .
أما الأعمال التعليمية التي بكيتم على ضربها ، فإننا نقول أقيموا لنا دليلاً واحداً أنه يوجد أعمال تعليمية مستقلة ومثمرة لدى أي جماعة إسلامية ونسلّم لكم ؟ أم أنكم تبكون على خيال وأوهام ؟ .
وهذه المفسدة المزعومة حينما نطبقها على الضوابط الخمس التي سبق ذكرها فسوف يتبين لنا أنها مصالح موهومة لا يعتد بها الشرع .
المفسدة الثالثة : زعم المستنكرون للعمليات أنه ربما تحصل مفسدة وذلك باضطهاد الشعوب الإسلامية أو بعضها من الظالمين ، ويخشون على الشعب الأفغاني أن يغزى من قبل أمريكا .
نقول لهم أثبتوا لنا أن شعباً من الشعوب الإسلامية لم يضطهد الآن من قبل الظالمين ؟ بل أثبتوا لنا أن شعباً من الشعوب الإسلامية يمكن له أن يقول ما يعتقد ؟ ويمكن له أن يعبد الله بكل حرية ؟ بل أثبتوا لنا أن شعباً من الشعوب الإسلامية تحكّم عليه شريعة الله كاملة في كل مجالات الحياة ؟ .
لا يمكن لهم أبداً أن يجيبوا بالإثبات على أي سؤال سبق سوى ما يحصل في أفغانستان ، فإذا كنتم لا تجدون شعباً يُحكم بالشريعة ولا تجدون شعباً غير مضطهد ، فكيف جاز لكم أن تحكموا على عمل مشروع أنه مفسدة لأنه يسبب اضطهاداً للمسلمين ؟ ، سبحان الله واعجباً !! مفسدة حاصلة كيف زعمتم حصولها الآن ؟ .
أما عن الشعب الأفغاني وبكاؤكم عليه ، فإننا نقول لكم اليوم تنتصف الإمارة الإسلامية في سنتها السادسة قائمة بأمر الله مدافعة عن الجهاد والمجاهدين ، ولم نر ممن تباكى عليها مجهوداً يذكر لتقويتها أو نصحها أو إرشادها ، فمفسدة اضطهاد الظالمين للأفغان حاصلة بسبب خذلانكم لهم ، وبسبب عدم وقوفكم مع الإمارة الإسلامية ، لم يتطوع عالم واحد أو طالب علم حتى بالنزول عند الإمارة والشد على عضدهم ، حوصرت الإمارة من أجل الجهاد والمجاهدين من قبل كل الدول قاطبة ولم نسمع صوتاً مستنكراً واحداً كالذين استنكروا قتل الأبرياء ( الشقر ) ، و ضربت أفغانستان بالصواريخ ولم نسمع من يساند أو يشجب أو حتى يعزي ، أنتم خذلتم الأفغان وتركتموهم يواجهون الحصار والضرب والتكالب ، ثم لما ردّوا إن - صح اتهامهم - على كل ما يحصل لهم قلتم إن مفسدة ردهم أعظم من مفسدة سكوتهم !، سبحان الذي رزق الفقه للفقهاء ! .
كما أنه لا يحق لأحد أن يتباكى على أفغانستان وهو أول من خذلها ، فأيضاً لا يحق لأحد أن يحكم على الأفغان بأنهم أحدثوا مفسدة بهذه العمليات إن كانوا هم إلا أن يكون عارفاً بواقعهم .
الإمارة الإسلامية تواجه حرباً عسكرية يدعم أعداءهم فيها أمريكا وروسيا وإيران والهند والصين وطاجكستان وأوزبكستان وتركيا ، وأخيراً الاتحاد الأوربي بعد زيارة الهالك مسعود لهم ، وأيضاً الإمارة الإسلامية تواجه حصاراً محكماً من قبل دول العالم كلها بالإجماع ولم تمتنع عن التصويت إلا ثلاثة دول شيوعية ووثنية .
والخيارات التي أمام الإمارة الإسلامية خيارات محددة لكي تخرج من هذا الحصار وتخرج من هذه الحرب ، أولاً : أن تخضع للنظام العالمي الجديد وللشرعية الدولية وتنفذ قرارات الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 1333، وتشكل حكومة إئتلافية كفرية وتحكّم الطاغوت ، ثانياً : أن تصر على موقفها وتتمسك بدينها ويستمر الحصار ويستمر العمل العسكري الموحد ضدها ، وإن لم توافها منيتها وتسقط هذا العام فستسقط العام القادم وتموت موتاً بطيئاً ، ثالثاً : أن تبذل وسعها وتدافع عن نفسها وتحاول أن تجر قدم من تولى كبر حصارها إلى أرضها لتسحق هامته وينصر الله جنده كما نصرهم مرتين على البريطانيين وعلى الاتحاد السوفييتي .
فهذه الخيارات الثلاث التي لا رابع لها حقاً خيارات محيرة أحلاها مر ، ويكفي المرء أن يموت على دينه ليعلن للناس أجمعين ويصرخ بها مدوية ويقول ( فزت ورب الكعبة ) ، فأي مصلحة يمكن للإمارة الإسلامية أن تحافظ عليها وهي التي تشعر أن العالم يحيط بها ويناصبها العداء ويرميها عن قوس واحدة ويهلك المسلمين فيها ، كل ذلك مع خذلان المسلمين لها وأولهم العلماء بل مع تكفير بعض العلماء لهم ، فلم يكن خيارهم هذا إلا خياراً مبنياً على ثقتهم بنصر الله يوم أن يدخل العدو أرضهم .
ثم إن الإمارة الإسلامية تعلم علم اليقين أن أمريكا تعد خطة عسكرية لاجتياح أراضيها وضربها ضربة عسكرية جوية قاصمة لنزع حكومة الإمارة وتنصيب حكومة ظاهر شاه المنفي في روما حتى لو لم تحصل العمليات أي قبل العمليات بشهرين ، فقد نقلت صحيفة ( ضرب مؤمن ) الإسلامية الباكستانية عن وزير الخارجية الباكستاني الأسبق نياز زينك أن مسؤولين كباراً في الحكومة الأمريكية أبلغوه في منتصف شهر يوليو تموز من عام 2001م بأن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات عسكرية ضد أفغانستان بحلول منتصف شهر أكتوبر تشرين أول 2001م ، وقال الوزير الباكستاني السابق إن المسؤولين الأمريكيين أبلغوه بالخطة أثناء انعقاد مؤتمر لدول مجموعة الاتصال الخاصة بأفغانستان الذي عقد تحت رعاية الأمم المتحدة في برلين .
وقال نواز إن المسؤولين الأمريكيين أبلغوه أنه إذا لم يتم تسليم بن لادن على الفور فإن الولايات المتحدة ستقوم بعمل عسكري لاعتقاله أو قتله هو والملا عمر زعيم حركة طالبان ، ويشير المسؤول الباكستاني إلى أن الهدف الأوسع من تلك العملية سيكون إسقاط حكومة طالبان وتنصيب حكومة انتقالية من الأفغان المعتدلين من الممكن أن يتزعمها ملك أفغانستان السابق ظاهر شاه .
وأوضح المسؤول الباكستاني السابق أن واشنطن ستشن عملياتها من قواعد في طاجكستان حيث يقيم عدد من المستشارين الأمريكيين بالفعل .
وقال إن أوزبكستان ستشارك في العمليات وأن سبعة عشر ألف جندي روسي يقفون في حالة استعداد ، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية ستتم قبيل سقوط الثلوج في أفغانستان بحلول منتصف أكتوبر تشرين أول على أكثر تقدير .
وشكك المسؤول الباكستاني السابق في إمكانية تراجع الولايات المتحدة عن خططها حتى إذا تم تسليم بن لادن على الفور من قبل الإمارة الإسلامية .
وقد نقلت ( البي بي سي ) هذا التقرير عن دبلوماسي باكستاني سابق قوله ، بأن الولايات المتحدة كانت تخطط لعمليات عسكرية ضد أسامة بن لادن وحركة طالبان حتى قبل وقوع هجوم الأسبوع الماضي .
فإذا كان هذا الخبر قد وصل إلى الإمارة الإسلامية فإن مبادرتها بالهجوم – إن كانت هي – يعد سبقاً عسكرياً رائعاً ، لذا فقد قامت بناءً على هذه المعلومات بعملية رائعة خلطت الأوراق وذلك باغتيال الهالك أحمد شاه مسعود ، فخلطت أوراق المعارضة وشتت أفكارها ، فإن كانت هي التي قامت أيضاً بعمليات أمريكا فإن هذه هي الحنكة السياسية والعسكرية المطلوبة ، فمن الغباء أن تنتظر الإمارة الأمريكيين وأعوانهم حتى يجهزوا عليها ، بل إن العمليات التي حصلت في أمريكا رأينا أنها فرقت التحالف الأمريكي ضد الإمارة فكان التحالف في أول يوم بلغ أوجه وذروته ، ثم رأينا التصريحات المتخاذلة والخائفة والمتعقلة تظهر خلال أول أسبوع ، فكيف ستكون المواقف بعد شهر ؟ بل كيف ستكون بعد شهر من الحرب لا قدر الله ؟ .
المهم من الكلام السابق هو أن نبين أن الإمارة الإسلامية كانت بين خيارات أفضلها أن تدخل الحرب هي بفعلها ولو أنها خسرت وقتلوا جميعاً فيكفي أنهم ماتوا على الإسلام وهم قائمين بأمر الله ولم يحنوا لغير الله هامة ، وكما قال الشيخ عمر عبد الرحمن فك الله أسره في كتابه أصناف الحكم والحكام " لأن يقوم الناس جميعاً و يطالبوا بتحكيم الشريعة عليهم فيقتلوا جميعاً ، خير لهم من أن يعيشوا جميعاً في رغد تحت حكم الطاغوت ، فإن الذين ماتوا جميعاً من أجل الدين هم الذين سمى الله فعلهم } ذلك الفوز العظيم { كما فعل أصحاب الأخدود " فالأفغان حقيقة لم يخسروا وإن خسروا الدنيا وقتلوا ، ولكن المسلمين في بقاع الأرض هم الذين خسروا يوم أن استكانوا وآثروا السلامة ورضوا بأن تحكمهم القوانين الوضعية ، وظنوا أن هذه هي المصلحة ، فحسبوا أن المصلحة أن يعيش المرء والمفسدة أن يقتل بغض النظر هل يعيش كافراً أو يموت مؤمناً ، فالمصلحة المطلقة هي أن يعيش العبد مؤمناً ويموت على ذلك .
ثم إن الذين يقولون إن العالم بأسره سوف يواجه الأفغان ويقتلهم جميعاً بعد العمليات التي حصلت ، نقول إن هؤلاء يحكمون بناءً على ظنون وتخمينات وتوقعات فقط ، ولكن الأفغان حينما قاموا بالعمليات فإنه من المؤكد لديهم أن حالهم سيتغير إلى الأحسن ، إذا نصرهم الله على عدوهم ، فهم يحسنون بالله الظن وأنه ناصرهم ، وفعلوا المأمور وسلكوا جميع السبل لإقامة دولتهم واستمرارها ، فكيف بغيرهم من الذين لا يحسنون الظن بالله يحكمون بخطأ هذه العمليات لأنهم يتوقعون أن يخذل الله عباده وينتصر الصليب عليهم !! والقاعدة الشرعية تقول ( الشك لا يبطل اليقين ) فاليقين أن الله ناصر عباده ولو بعد حين واليقين أن الله سيعلي راية الإسلام ويهزم الكفر ، فكيف بشك أولئك وسوء ظنهم بالله ، أن يبطل يقين الأفغان بالله ؟! .
وعلى كل حال فإن المفسدة التي زعم المستنكرون للعمليات أنها ستحصل من العمليات ، هي مفاسد حاصلة ومتحققة ، والعمليات لا تزيدها شيئاً إلا أنها جعلتها علنية فقط بعدما كانت سرية ، وهذه في حقيقتها مصلحة ظاهرة ليتبين المسلمون ويعرفون عداء الكفار لهم ، فالمصالح المزعومة لا يعتد بها شرعاً وهي مصالح ملغاة ، ومن أراد التأكد منها فلينزلها على الضوابط الخمسة المتقدمة بعدما يفقه واقع العالم الإسلامي والأفغان خاصة .
المفسدة الرابعة : قال المستنكرون للعمليات إن من المفاسد التي ستحدثها العمليات أن يواجه المسلمون في الغرب تضييقاً ويعرضون لبعض المضايقات والاعتداءات ، بعد استغلال اليهود إعلامياً هذا الحدث ضدهم ، وهذا يفقدهم مصلحة ظاهرة إذ يعد الغرب متنفسا لكثير من المسلمين المضطهدين في بلادهم .
نقول إن هذه المفسدة ليست كليه وقد قدمنا إن المصالح التي تعتبر لابد أن تكون كليه أي للمسلمين جميعاً أو على أقل الأحوال لأغلب المسلمين أو للأكثر عدداً على الأقل ، والمسلمون في أمريكا يبلغ تعدادهم كما تشير آخر إحصائيات المراكز الإسلامية ثمانية ملايين مسلم ، يرتاد المساجد والمراكز الإسلامية مليون من هؤلاء على أكثر الأحول كما تشير الإحصائية ، وعدد الذين يسكنون أمريكا باعتبارها مهجراً لهم يهربون فيها من ملاحقة الطواغيت قد لا يتجاوز عدد من هذا حالهم خمسمائة مسلم بعد المبالغة ، هؤلاء الذين يمكن القول بأن أمريكا تعتبر بالنسبة له المكان الوحيد الذي يأمن فيه من الفتنة ، والبقية الباقية من المسلمين المهاجرين أغلبهم جاء للقمة العيش والبحث عن الدنيا.
وإذا كان كذلك فكيف نغلب مصلحة خمسمائة مسلم أو مليون أو حتى ثمانية ملايين على مصلحة أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم على أقل الأحوال تضطهدهم أمريكا ، فالشعب العراقي المسلم والبالغ عدده عشرين مليون مسلم محاصر من قبل أمريكا منذ عقد من الزمان وقتل من جراء الحصار مليون ومئتي ألف مسلم أغلبهم من الأطفال وانشرت الأمراض الفتاكة فيهم بشكل مذهل ، والشعب الأفغاني المسلم البالغ عدده ثلاثين مليون مسلم محاصرة من قبل أمريكا منذ عامين تقريباً وقتل في الحصار سبعون ألف مسلم ، وانتشرت الأمراض والفقر بنسبة 95% بين المسلمين ، والشعب الفلسطيني المسلم محاصر ومشرد ومقتول من قبل أمريكا منذ أكثر من خمسين سنة ، والشعب الأندونيسي البالغ عددهم مائتين وخمسين مليون مسلم مزقته أمريكا ونصّرته ولا زالت تحاصره بخطط تهدف إلى تفتيت دولته وتفتيت المسلمين ، والفلبين كذلك مثلهم وغيرها من دول العالم الإسلامي ، وكل هذه القضايا التي تقف أمريكا وراء مآسي المسلمين فيها ، لا يوجد لها حل واضح لدى المسلمين بل الجميع يقف ليتفرج كيف يسقط شعب من بعد شعب وكيف تنتهك حرمة من بعد حرمة ، فالتريث والتأني ليس فيه مصلحة ظاهرة ولا حتى فيه مصلحة متوقعة بل المفسدة فيه أظهر ، فإذا لم يكن هناك حل لدى المنكرين للعمليات فلماذا يغضبون إن بادر أحد لصناعة حل قد يؤدي إلى خطوة تهدف لتحرير هذه الشعوب الإسلامية من الظلم الأمريكي ؟ .
إن مراعاة مصلحة عدد قليل من المسلمين يعيشون في الغرب لنوفر لهم عيشاً هنيئاً وإهمال عشرات الملايين من المسلمين لم نفكر قط بمراعاة مصالحهم أو رفع الظلم عنهم ، يعد ذلك من أعظم الظلم والعدوان على الشعوب الإسلامية ، وإلا فكيف لنا بالسكوت عن نصرة ملايين من المسلمين وأقربهم لنا شعب فلسطين والعراق أقصد نصرة حقيقية فعالة ثم إذا ارتكب أي عمل فعال لنصرتهم ، قلنا ليس من الحكمة ؟! ، فما هي الحكمة التي ستؤدي إلى النصرة الفعالة عندكم ؟! .
فلو أن الأفغان فقط قاموا بهذا العمل من أجل فك الحصار عنهم أو من أجل الثأر لسبعين ألف مسلم ماتوا تحت الحصار ولخمسة ملايين مشرد من بلادهم لكفى بها مصلحة تبيح لهم هذا الفعل حتى لو تضرر مليون من المسلمين في أمريكا ، وإن كنا نعتقد أن الضرر وهمي إلا بنسبة لا تكاد تذكر .