الفصل الأول

معرفة الحقيقة وأسباب الجنوح الفكري

 

الباب الأول

الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة

 

إن من يريد الخير لأمة الإسلام عليه أن يبحث عن الحقيقة ويعبر عنها كما هي وهذا سيقرب المسلمين من بعضهم حيث أن نقاط الخلاف تكون قليلة جدا بخلاف الحاقدين الذين يجعلون الخلاف يزيد ويتسع فإذا كان في خمس نقاط يجعلونه عشرا 0

ولا يمكن أن يصل الباحث إلى الحقيقة وهو يبحث عنها من غير مصدرها فكيف يعرف حقيقة فرقة من عند خصومها – إن صح التعبير –

وكذلك لا يمكن أن يصل إلى الحقيقة إلا باستقراء تام للفرقة أو الموضوع وأيضا لا يمكن الوصول إلى الحقيقة إلا بالتخلص من أسباب الخطأ والجنوح الفكري الذي يعمي الإنسان ويصمه فيرى مالا ترى عيناه ويسمع مالا تسمع أذناه .

ولقد أجاد العلامة الشيخ عبدالرحمن الميداني في كتابه " بصائر للمسلم المعاصر " في إيضاح الطريق التي توصل إلى الحقيقة وإيضاح أسباب الجنوح الفكري التي تبعد الإنسان عن إدراك الحقيقة .

ومن تمام الفائدة نبقى مع العلامة الميداني نقلت ذلك مع بعض التصرف بالاختصار والزيادة.

يقول الميداني في الكتاب المذكور :-

( إن لكل أمر حقيقة ، ولكل حقيقة حدود ومقادير وكل إدراك أو تعبير عنه يهدف إلى إصابة الحقيقة ولو دعاء له أحد الوجوه التالية :-

(1) أن يطابق الحقيقة مطابقة تامة وهو تمام الحق 0

(2) أن يزيد عليها من غيرها وذلك تجاوز وغلو وفيه من الباطل بقدر الزيادة 0

(3) أن ينقص منها وذلك تقصير أو قصور فإن كان مع إدعاء المطابقة ففيه باطل بقدر النقص .

(4) أن ينحرف عن مطابقتها وذلك تجاوز وقصور وفيه من الباطل بمقدارهما إن كان مع إدعاء المطابقة .

(5) أن يخرج عن الحقيقة خروجا كليا وهو إدراك أو تعبير كله باطل .

إن الزيادة على حدود الحقيقة التي يوجه لها الإدراك مع تصور أو ادعاء إن هذه الزيادة داخلة في حدود الحقيقة تعميما فاسدا غير مطابق للحقيقة يسند إليها أحكاما وصفات ليست لها .

والتعميم الفاسد في الحكم قد ينجم عنه قلب الحق باطلا والباطل حقا ، والمعمم تعميما فاسدا قد يقبل المذهب كله لأنه قد رأى بعضه حقا ، وقد يرفض المذهب كله لأنه قد رأى بعضه باطلا.

إن على الباحث طالب الحق أن يجزئ عناصر الموضوع العام أو عناصر المذهب ، ويبحث كل جزء فيه بحثا مستقلا ويعطي حكمه عليه بالدليل ولا يصح له أن يعطي حكما عاما بالصحة لمجرد أن رأى بعض عناصر الموضوع صحيحة أو رأى بعض مسائل المذهب صحيحة ، فكثير من الأخطاء تأتي من الحكم على الكل بسبب ما اقتضاه الحكم على البعض ويسقط في الخطأ أو الغلط هنا فريقان :-

(أ) فريق يحكم ببطلان كل عناصر الموضوع أو المذهب وقضاياه ومقولاته لأنه رأى خطأ أو بطلانا في بعضها 0

(ب) وفريق يحكم بالصحة لكل عناصر الموضوع أو كل مسائل المذهب وقضاياه ومقولاته لأنه رأى بعضها صحيحا 0

والمنهج الفكري السليم الذي يجب إتباعه في الأحكام التعميمية هو أن الجزم بالتعميم لا يكون إلا باستقراء تام لكل الوحدات الجزئية التي تدخل في العموم ، لأن الاستقراء الناقص دلالته ضعيفة لا يصلح الاعتماد عليه ، و إن على الباحث أن يقسم الموضوع إلى عناصره ليعرف مدى صحة كل عنصر حتى يأتي عليها كلها ولا يغتر بالعناصر الصحيحة لأن قليلا من السم يكفي للإفساد (1)

إن معظم السقطات الشنيعة تأتي من التعميمات الفاسدة ومن الأمثلة على التعميمات الفاسدة رفض كل ما عند المذاهب المخالفة لأن بعض ما فيها باطل ، واعتقاد أن كل مسائل المذهب الذي ينتمي إليه المعمم هي حق ، مع أنه لا يفحص كل مسألة من مسائله فحصا عمليا استدلاليا . إن مثل هذا التعميم لا يقبل به منطق الحق ، إنما يدفع إليه التعصب والجهل وعدم البصيرة العلمية الربانية .(1)

 

الباب الثاني

أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري

 

السبب الأول

الوهم الناشئ عن اضطراب نفسي أو عدم اتزان فكري :

فكم يكون الخطأ أو الجنوح الفكري عن الحقيقة ناشئا عن الوهم الذي يحدثه الخوف أو الطمع أو الشهوة العارمة أو الغضب ، وبالوهم يرى الرائي ما لا ترى عيناه ويسمع ما لا تسمع أذناه ويصغّر الكبير ويكبّر الصغير (2) ) فيجانب الحقيقة ولا يقبل النصح والإرشاد .

فكم من أخطاء تقع بهذه الأسباب .

فكم من أناس وقعوا في الباطل ومعصية الله بسبب الخوف .

وكم من أخطاء وقعت بالطمع ربما من أقلها أن يزوج الرجل ابنته لمن يدفع له أكثر .

وكم وقع العشاق في ضياع لحياتهم بسبب متابعة شهواتهم .

وأما الغضب فأخطاؤه كثيرة جدا ، يقول صاحب تهذيب الإحياء : وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب ، وربما انطلقت لسانه بما يسبب له مشاكل اجتماعية مثل الطلاق ، وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة .(1)

السبب الثاني

ضعف الإدراك أو وسيلته مع الغرور النفسي :

ينتج عن هذا السبب توهم كمال الإدراك وكمال الوسيلة ثم ينتج عنه توهم معرفة الحقيقة معرفة كاملة مستوعبة .

والغرور بالنفس ينفخ فيها حتى تتورم تورما مرضيا فيغشي البصيرة والفكر وأدوات الحس وقد يطمسها أحيانا فيقع المغتر في أخطاء كثيرة تجر عليه ولمن تبعه نكبات وبلايا وشرور عظيمة .

إن الغرور بالنفس يصيب الأفراد والجماعات .

ومن هنا وقع الذين ينكرون الغيبيات كالملائكة والجن توهما منهم بأن لديهم الأداة المدركة مع وسائلها التي تجعلهم يدركون حقيقة الواقع بصفة استغراقية فما لم يدركوه فهو غير موجود .

وهذا الغرور بوسائلهم الضعيفة قد عطّل عقولهم عن التسليم بالبديهة التي تقرر أن عدم وجدان صاحب الإدراك الناقص للشيء لا يدل على عدم وجود ذلك الشيء).(2)

وكم من إنسان يغتر بكثرة أتباعه وحزبه أو مذهبه فلا يلتفت إلى غيره معتقدا أنه مصيب للحق وللطريقة السليمة والكثرة هي دليل ذلك مع أن كثرة الناس في إتباع شيء معين لا تدل على أنه حق ، ويدل على ذلك القرآن والواقع وسنوضحه في موضعه إن شاء الله .

السبب الثالث

انحراف النظر عن رقعة الحقيقة :

وهذا نوع من الحول الفكري ( فقد يبدأ النظر برؤية الأجزاء الأولى من الحقيقة ثم ينحرف عنها فيغره البدء الصحيح ثم لا يدرك أنه قد انحرف عن الحقيقة بعد ذلك ،كمن يبدأ السير في طريق بداية صحيحة ثم يسير غير متحرٍ لصحة مسيره مع كل خطوة ويضل ولا يصل إلى الهدف بل يقع في المتاهات وهو يزعم أنه على صواب متوهما ذلك بسبب بدايته الصحيحة ).

السبب الرابع

اشتباه الحقيقة بما جاورها :

بهذا السبب تختلط أرض الحقيقة بما جاورها فيحدث الخطأ وقد نبّه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ضرورة أخذ الحذر من الوقوع في المشتبهات في الحديث الذي رواه مسلم والبخاري عن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول " إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام00000" الحديث .

 

 

 

السبب الخامس

تشابه الحقائق في صفاتها ولو تباعدت :

قد ينشأ الخطأ عن تشابه الحقيقة مع غيرها في الشكل أو الصورة أو اللون أو غير ذلك ولو لم يكن المتشابهان متجاورين كمن يرى السراب ماء .

وكذلك نظر الكافرين إلى أعمالهم حيث يرون أنها تشبه الأعمال التي تحقق لأصحابها السعادة فيجتهدون في سبيل ذلك ولا يصلون إلى هدفهم ، قال الله تعالى في سورة الكهف " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (103-105

ومن الأغلاط التي وقع فيها كثير من الناس بهذا السبب إطلاقهم على نظام الإسلام أسماء مبادئ غير إسلامية بل هي مضادة للإسلام إلا أن بينها وبين نظام الإسلام شبها جزئيا فاشتبه الأمر عليهم وساعد على هذا الرؤية الفاسدة والتسرّع في الحكم ، ومن أمثلة ذلك إطلاق أسماء الاشتراكية أو الرأسمالية أو الديمقراطية أو الدكتاتورية على نظام الإسلام الذي هو شيء آخر .

 

السبب السادس

ردود الأفعال الفكرية السريعة بمؤثرات نفسية :

وكثيرا ما يكون الخطأ الفكري ناشئا عن ردود الأفعال الفكرية السريعة إلى الضد الأقصى المقابل لفكرة باطلة رفضوها أو مذهب رأوا فساده فلم يقبلوه .

وبسبب هذا الانتقال السريع الذي هو من قبل ردود الأفعال غير الواعية يتركون الأوساط التي قد تكون الحقيقة في واحد منها أو موزعة الأجزاء بين الأوساط وقد يكون ما رفضوه بعض الحق مختلطا بباطل كثير وفيما انتقلوا إليه بعض الحق مختلطا بباطل كثير وبعملهم هذا ينتقلون من خطأ إلى خطأ آخر مثل الذي فرّوا منه ، وربما يكون الذي انتقلوا إليه أفحش وأشد بعدا عن الحقيقة .

ومثال ذلك حقد العمّال على الرأسمالية المقيتة فثاروا عليها ورفضوها لكنهم انتقلوا _ بردود الأفعال السريعة المعاكسة _ إلى الضد الأقصى فسقطوا في براثن المنظمات الشيوعية والاشتراكية وتركوا الوسط الذي هو الأنفع والأصلح والأعدل وهو نظام الإسلام ، فعندما اشتووا بنار الشيوعية المقيتة عميت بصائرهم مرة أخرى وقاموا ينادون بالرأسمالية .

السبب السابع

سوابق الأفكار :

إن سوابق الأفكار الثابتة حول موضوع معين تجعل فكر الإنسان موجها شطر هذه السوابق ومحجوبا عن غيرها .

فهي تغشي البصر والبصيرة وتجعل الفكر يجنح وينحرف عن وجه الصواب إلا في حال أن تكون سوابق الأفكار من الحقائق الواضحة غير مختلطة بباطل .

ويضل كثير من الناس متخبطا لا يتضح له الحق ولا ينكشف له وجهه مع أن الموضوع يتعلق بقضية من القضايا الأساسية المهمّة مهما عرضت له الأدلّة والبراهين ، لا لأن الأدلة غير كافية للإقناع بالحق ولكن لأن سوابق الأفكار كان لها سلطان على عقولهم وتأثير فيها وتغشية على بعض قدرات الرؤية لديها .

ويرجع هذا التأثر إلى عدة عوامل :

الإلف فللإلف استهواء خاص يجعل المألوف محببا للنفوس ، ومحلاّ للطمأنينة والسكينة ، ويجعله مأنوسا غير مستغرب لدى العقول حتى يكون كالبديهيات التي لا تناقش ولا تحتاج إلى أدلّة أو براهين ، فهي تتمسك به على أنه حق جليّ جدا ولو كان باطلا واضح البطلان في حقيقة أمره إلا أن الإلف حجب بصيرة العقل عن فحصه وتقويمه بميزان المنطق السليم والنظر التأملي الصحيح فجعله من المسلّمات التي لا تحتاج نظرا ولا استدلالا .

الاستكبار عن الاتهام بالتزام الخطأ وعدم استبصاره طوال المدة السالفة التي استبدت فيها سوابق الأفكار بقناعة العقل وارتياح النفس .

ويبدوا أن الرجوع عن الخطأ إلى الصواب يجرح كبر المتكبرين أصحاب الأنانيات فيصرون على الخطأ ويعاندون ولو ظهر لهم وجه الحق وكثيرا ما يحجب عنهم كبرهم رؤية وجه الحق والإصغاء إلى دليله .

وقد وقع كثير من المشركين في هذا الخطأ لأنهم صعب عليهم ترك ما ألفوه من الأصنام والرجوع إلى حقيقة التوحيد ولأن كبرهم منعهم من أن يتهموا هم وآباؤهم بأنهم كانوا في ضلال وجهل ).(1)

ونجد عند أصحاب المذاهب كثيرا من هذا العناد الصارف عن الحق فلا يقبلوا الحق في أي مسألة قال به مذهب آخر بسبب سوابق الأفكار التي سيطرت عليهم في مذهبهم وحب مذهبهم فنجد أنهم يمتنعون حتى عن الحوار في ذلك بدعوى أنه إظهار للباطل ، فلينتبه إلى ذلك لأنه من أسباب فرقة المسلمين وعدم الوصول إلى وحدتهم .

السبب الثامن

التعصب لشخص أو قوم أو جماعة أو فكرة قديمة :

إن التعصب ظاهرة موجودة في مختلف المجتمعات البشرية وفي مختلف مستوياتها .

يقول العلاّمة عبد الرحمن الميداني : " وهذه ظاهرة تمثل انحرافا مرضيا حينما لا تكون ذات مضمون أخلاقي كريم لانتصار حزب الله وجماعة الحق فيما يدعون إليه من الحق على أننا حينئذ لا نسميه تعصبا بل هو انتصار للحق بالحق " (1) ، ولكن لا يؤخذ الانتصار للحق ذريعة لتقليد أعمى .

والتعصب فرع من فروع الأنانية الفردية أو الجماعية ، فليحذر المسلم من اتباعها لأنها مناصرة للباطل سواء مناصرة لهواه وشهواته أو لجماعته أو لمن يواليه عامة .

وللأسف الشديد نلاحظ أن التعصب موجود عند معظم الفرق والطوائف وأصناف الناس حتى عند العلماء .

وهو الداء المهيمن على عقول ونفوس الماديين وأصحاب الأهواء ومتبعي الأديان المحرّفة كاليهود والنصارى .

وموجود في دوائر جزئية عند المسلمين أيضا ، فنلاحظه عند الفقهاء والمفسرين والأدباء والشيوخ والدعاة والوعّاظ وغيرهم .

إنهم في غمرة التعصب يندفعون اندفاع السكارى واندفاع محجوبي الأبصار إلا من زاوية الرؤية التي حصروا أنفسهم فيها فهم لا يرون إلا من خلالها ، كوحيد القرن الذي يرتبط بصره بخطوط الرؤية المتصلة برأس قرنه الذي يريد أن يبعج به بطن عدوه وهو هائج ثائر .(1)

السبب التاسع

التسرّع في الحكم مع عدم وضوح الرؤية :

إن التسرع والاندفاع في إصدار الأحكام دون روية ودون تحرٍّ للحقيقة ولا صبر في البحث عنها بل الاكتفاء ببادئ الرأي يوقع في أخطاء كثيرة ، يقول الشيخ أحمد بن النظر :

لا تلوميه على ما صنعا كل ما طار وشيكا وقعا (2)

(والاكتفاء ببادئ الرأي سمة العامة والدهماء الذين تحركهم العواطف الآنية وتوجههم الانفعالات غير الواعية وتتحكم بهم الغوغائية ويشغلهم عادة أصحاب المصالح والأهواء ، ولذلك إن أكثر الأفكار المسيطرة عليهم التي تتحكم بها تعميمات باطلة ومبادئ لا تعتمد على حق وعقائد لا تستند إلى براهين ولا أدلة كافية للإقناع بل عواطف لا قيمة لها في ميزان الفكر السليم ولا في ميزان الواقع التجريبي .(1)

وهذا ليس منهاج المسلم المستنير بالقرآن والسنة لأن القرآن الكريم حذّر من ذلك وأخبر أن ذلك يوقع في الظلم وتكون عاقبته الندامة ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " الحجرات 6 ، ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : " التأني من الله والعجلة من الشيطان " رواه الترمذي .

فعلى المسلم أن يضبط نفسه ولا يندفع تحت أي تأثير لإصدار الأحكام والردود السريعة ويفحص القضية فحصا دقيقا ويتأكد من صحة الخبر .

السبب العاشر

مؤثرات الأهواء والشهوات والمصالح الخاصة :

يقول الشيخ نور الدين السالمي – رحمه الله - :

حبـك للشـيء يغطي عيبه ويستـرنّ عيبـه وريبه

حبـك يعـمي ويصمّ فاحذر من الهـوى فإنـه لم يذر

بـل حـب ما يحبه مولاكا من دينه فهو الذي هداكا (1)

ويقول العلاّمة عبد الرحمن الميداني : " ومن شأن أهواء النفوس وشهواتها ومصالحها الخاصة أن تعمي بصيرة الإنسان وتصيبها بالعشى أو تمدّ عليها غشاوة ما فيرى الإنسان بسبب ذلك الحق باطلا والباطل حقا ، أو تختلط عليه الأمور وتلتبس في فكره صور الأشياء بنسبة ما وذلك على مقدار غلظ الغشاوة .

ومما لا شك فيه أن الهوى الطاغي يعمي عن رؤية الحق ويصم الآذان عن سماع كلمة الحق فمن كان له هوى في اتجاه فكري معين حجب عنه هذا الهوى رؤية الاتجاهات الأخرى فهو لا يرى إلا الذي دفعه أو جذبه إليه هواه ومن يريد إقناعه بتصحيح رؤيته لغير اتجاه هواه لا يجد لديه أذنا تسمع له نصحا ، أو فكرا يفهم منه بيانا ، لأن ذهنه منصرف عنه انصرافا كليّا ، والسبب في ذلك مؤثرات الهوى التي حجبت الذهن والبصيرة عن الحقيقة وعزلت الحواس عن إدراك ما يعرض عليها ، فالعين لا ترى إلا أشكالا ورسوما وظواهر ، والأذن لا تسمع إلا أصواتا وحروفا فمخاطبتها كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء .(1)

السبب الحادي عشر

التقليد الأعمى :

التقليد الأعمى ينشأ عن التعصب أو الثقة الإجمالية بالإمام المقلَّد أو الثقة بمنهجه أو طريقة اجتهاده .

فالمقلِّد للإمام دون بصيرة في كل خطوة يخطوها يقع في كل الأخطاء التي يقع فيها إمامه تلقائيا .

ومن الحق أن التقليد ضرورة إذ لا يمكن أن يكون كل إنسان مجتهد بنفسه ولنا في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة حيث كان فيهم أئمة يستنبطون ويفتون وآخرون يستفتون ويعملون بما يفتيهم به أئمتهم ، لكن من الخطأ أن يدّعي المقلِّد أن إمامه على صواب وما عداه باطلا ، لأن مثل هذا الإدعاء لا يملكه إمامه نفسه لأن الاجتهاد في المسائل الاجتهادية الخلافية لا يقدم أكثر من دليل ترجيحي والدليل الترجيحي لا يعطي يقينا بأن ما وصل إليه الاجتهاد هو الحق قطعا وما عداه باطل قطعا (2) ، والعصمة للأنبياء فقط .

 

الرجوع الى صفحة الإباضية في ميدان الحق