الإمام عبد الله بن حميد السالمي
1- مقــــدمة:
أيها القارئ الكريم: يجدر بنا أن نقدم إليك إحدى الشخصيات الإسلامية العظيمة التي تركت أثراً طيباً وفعالاً في صفحات تاريخ أمتنا الإسلامية فهذه الشخصية هي العلامة عبد الله بن حميد السالمي الذي درس سلوك المسلمين وعقائدهم دراسة شاملة موضوعية قائمة على الأدلة الشرعية والأدلة العقلية، بحيث تمكن هذا العالم الجليل من كشف الازدواجية الخطيرة بين القول والعمل، السائدة في سلوك المسلمين فهذه الظاهرة تعد خروجا عن الإيمان الصحيح.
وهكذا فإن الإيمان العملي الصالح هو الشرط الأول والضروري لبناء عقيدة المسلم وشخصيته، إن هذه القيمة الجوهرية التي عالجها الشيخ السالمي ودافع عنها بكل قوة ووضوح في كتبه وخطبه جعلتنا بالضرورة نحلل ونبين قيمته العلمية والأخلاقية والأدبية، فهذه الفكرة تعد مدخلا لدراسة وإلقاء بعض الضوء على عظمة هذا العلم الكبير الذي يعد من رواد الفكر الإسلامي الحديث بدون جدال.
2- الشيخ عبد الله بن حميد السالمي: نسبه ومولده وتعلمه:
نسبه: وهو العلامة المحقق الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي، أما والده فهو الشيخ حميد- رحمه الله- كان ذا فضل وعلم وتقوى، فقد ولد شيخنا عبد الله بن حميد ببلدة الحوقين من ولاية الرستاق العمانية عام 1286هـ في هذه البلدة الطيبة العمانية، تخلق بالأخلاق القرآنية وتعلم أصل اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم على والده الشيخ حميد رحمه الله.
ولما بلغ الابن الثانية عشرة(12) من عمره كف بصره إلا أن الله عز وجل قد وهب له بصيرة مفعمة بالإيمان الراسخ، والعلم الصالح، وذكاء حادا وحافظة قوية، مع فهم عميق وإدراك شامل وأخلاق عالية.
إن هذه المواهب الحسنة التي أنعمها الله عليه جعلته يهاجر إلى مدينة الرستاق التي كانت تعج بالعلماء الصالحين الذين رصدوا أنفسهم لخدمة الإسلام الحنيف، في هذه المدينة المباركة التقى بشيخ جليل وهو العلامة راشد بن سيف اللمكي فنهل من مناهله العذبة، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح الشيخ السالمي عالما فذا، له قدم راسخ في العلوم الشرعية والعلوم العقلية.
إن شيخنا السالمي، لم يكتف بهذا العلم الغزير، بل كانت نفسه راغبة كل الرغبة في العلم في كل لحظة، وهو يردد قول الله عز وجل:
( وَقُلْ رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) - طه:114-
وعملا بهذه الآية الكريمة فإن شيخنا قصد العلامة الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن عيسى الحارثي بالمنطقة الشرقية فرحل إليها سنة 1308ه.
يقول الشيخ السالمي واصفاً أستاذه:"لقد كان رضي الله عنه أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام وأشدهم حرصاً على قوام الإسلام وأكثرهم خصالاً في صفات الكرام".
إن هذا الأستاذ قد أدرك عمق شخصية تلميذه، الشيخ السالمي، من حيث ورعه وأخلاقه وعلمه وذكائه، فتمكن من فهم وحل المسائل المستعصية عن حلها معتمدا في ذلك على الأدلة القرآنية والسنة النبوية والإجتهاد، وشاءت الأقدار أن يستوطن الشيخ صالح بن علي الحارثي مدينة القابل ثم التحق تلميذه السالمي معه، بهذه المدينة الكريمة، إذ أصبح الشيخ صالح بن علب الحارثي المنهل الغزير الذي يقصده العلماء والناس والطلبة لينهلوا من علمه وأخلاقه وفتاويه وكيف لا ؟؟ وقد درس وألف في جل العلوم الشرعية والعقلية،إذ لازم أستاذه إلى أن توفاه الله سنة 1314ه.
ثم لازم بعد ذلك ابنه عيسى بن صالح الحارثي وقدم له يد المساعدة والمشورة الحكيمة في يسر شؤون الأمة العمانية وأظهر في ذلك قدرة فعالة وحنكة بالغة في تحقيق وحدة الأمة العمانية إلى أنتوفاه الله عام 1332ه فرثاه أعظم شعراء عمان وقال فيه الشاعر الكبير أبو مسلم ناصر بن سلم الرواحي في قصيده المشهور:
نكسي الأعلام يا خير الملل رزىء الإسلام بالخطب الجلل
هذا هو العالم الكبير الشيخ السالمي رحمه الله، إذ كان يعيش آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر إلى أن التحقت روحه المستبشرة بالرفيق الأعلى راضية مرضية، والآن سوف نحدثك عن أخلاقه وآثاره الفكرية، حتى تكتمل شخصيته أمامنا.
3ـ أثار الشيخ السلمي الفكرية:
إن الشيخ السلمي رحمه الله، يمثل البحر الزاخر بالمعرفة الخالصة والعلم العميق هذه الحقيقة تظهر جلية في آثاره المتميزة بغزارة المادة وعمقها الفكريـةـ ولا أدل على ذلك من مصنفاته التي تزيد على عشرين عنوانا ًبين كتاب كبير وصغير،وعلى ضوء هذا يمكننا أن نقول بكل يقين:إن الشيخ السالمي رحمه الله يمثل بكل جدارة دائرة العلوم الدينية والتاريخية، والعلوم العقلية، ويحسن بنا أن نشير إلى هذه المصنفات.
(1) شرح طلعة الشمس على الألفية في علم أصول الفقه ـ فهذا الكتاب يقع في مجلدين كبيرين وهو يعالج أصول الفقه ـ من حيث القرآن الكريم وعلومه كالناسخ والمنسوخ ـ وعلاقة القرآن الكريم بالسنة ومباحثها وأقسام الوحي ثم ختم الجزء الثاني بالاجتهاد.
(2) بهجة الأنوار ت شرح أنوار العقول في التوحيد.
(3) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ـ إن هذا الكتاب يقع في جزأين وهو يعالج تاريخ عمان قديماً وحديثاُ ولولا هذا الكتاب لضاع تاريخ عمان الحديث بل يعد هذا الكتاب العمدة الأساسية في دراسة وتحليل أهم الأطوار التي مرت بها الأمة العمانية،ولا يمكن لأي باحث معاصر أن يستغني عنه.
يقول الدكتور عوض محمد خليفات الذي كتب عن نشأة الحركة الإباضية:"ويعتبر نور الدين السالمي أشهر مؤرخي عمان في العصر الحديث ويعد كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان أشهر هذه الكتب وأنفعها للباحثين ويعتمد السالمي في كتابه هذا على كثير من المصادر القديمة التي يذكرها في ثنايا كتابه مثل كتاب أنساب العرب للعوتبي وسيرة أبي المؤثر وأبي سفيان محبوب بن الرحيل بالإضافة إلى مصادر أخرى غير إباضية مثل المسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرها.
ويذكر المستشرق ولكنسون بعد مقابلته لما جاء في تحفة الأعيان بما ورد في المصادر التي نقل عنها أن السالمي كان أميناً ودقيقا ًجداً في اقتباساته.
وفي ظل هذه الحقيقة الأخلاقية والعلمية نقول أن الشيخ السالمي له باع طويل في التاريخ والسير، وأضاف إلى المكتبة الإسلامية هذه اللبنة الجوهرية في تاريخ أمتنا الإسلامية التي تفتقر إليها
(4) كتاب الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، حيث بين في هذا الكتاب أن صلاة الجمعة واجبة على الأمة الإسلامية لتثبيت قلوب المسلمين وتوحيد صفوفهم.
(5) شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل، إن هذا الكتاب قد كتبه السالمي في بداية حياته العلمية وهو يعالج قواعد الإعراب ويقول فيه: (ليعلم المبتدئ أن العلم إنما ينمو قليلاً قليلا وليستبين الفرق بين درجة المبتدئ والمنتهي.
(6) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام يقع هذا الكتاب في أربعة أجزاء وهذا الكتاب يعالج فيه فقه العبادات وفقه المعاملات والأحكام، وفيه جانب من الأخلاق والآداب العامة.
(7) شرح الجامع الصحيح- مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني يقع في ثلاثة أجزاء يقول رحمه الله: أعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية وأعلاها سندا وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة كلهم أئمة في الدين وقادة للمهتدين.
أما بالنسبة إلى الربيع بن حبيب فأصله من عمان من غضفان، قصد البصرة وأدرك جابراً وأخذ عنه وعن ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان، وبعد وفاة أبي عبيدة أمسى زعيما للمدرسة الإباضية وفي آخر عمره رحل إلى عمان وتوفي فيها وذلك سنة 170هـ.
(8) مشارق أنوار العقول ويقع في جزأين كبيرين وهذا الكتاب قد سلّط الأضواء على علم أصول الدين، إذ يبين فيه معنى التوحيد ونفي الأضداد والأنداد والتجسيم عن الله والأبواب الأخرى قد عالجت مفهوم الإيمان والإسلام والقضاء والقدر والعدالة الإلهية وأخيرا التوبة وأحكامها، إن هذا الكتاب جدير بالدراسة والتأمل وهو لا يقل ولن يقل عن أمهات الكتب في العقيدة وأصول الدين ككتاب العقيدة النظامية لإمام الحرمين الجويني.
وهناك كتب أخرى يمكننا أن نشير إليها دون تحليل مخافة من الوقوع في الإطالة فهذه الكتب هي: العقد الثمين لأجوبة نور الدين، تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان، غاية المراد، قصيدة لامية في الاعتقاد، المنهل الصافي في العروض والقوافي، معارج الآمال على مدارج الكمال.
وله كذلك ديوان شعري في غاية البلاغة والفصاحة، وشعره يتميز بصدق العاطفة فهي نابعة من إيمان عميق بما يقوله فامتزج شعره بالعقيدة الإسلامية امتزاجا كليا متأثرا بالقرآن الكريم أسلوبا ومعنى وأخلاقا وقال رحمه الله يرثي أبا عيسى ونجله وحميد سيف ابن سعيد البوسعيدي وسعيد الراشدي ووالده حميد بن سلوم:
صبرا على مضض المصارع فـالـدهـر للأعمــار قــاطــع
هــــون فـــإن الـعمــر فـي الإ نســان مــن بعض الودائــع
كـــف المـــدامـــع أن تسيـــل فمــا عسى تجــدي المـدامع
فــاصبــر وإن مضــت الأفــــا ضل في التراب وفي البلاقع
وقال رحمه الله في إحياء الدين الإسلامي:
هـو المجـد فاطلبه وإن عز طالبه وجــد وإن ضــاقت عليك مذاهبــه
وســارع إلى تشييد أركــانه فـــلا فــرار لنـا والعــدل هــدت جوانبــه
ألـيس الهــدى إيثـــار سنة أحمــد أما بزغت في المجد شمسا مناقبه
أليس سبيل العز أولى بذي النهى وإن كــدرت للــوارديــن مشـاربـه
هذه هي عينة صغيرة جدا من شعره استعرضناها بحيث أن الشعر في نظره وسيلة لغاية إسلامية رفيعة التزم بها ولم يحيد عنها وكان الصدق والالتزام بالأخلاق القرآنية مبدأ وسلوكا في آن واحد لا فصل بينهما، فقد غرس رحمه الله هذه الأخلاق في طلابه الذين تتلمذوا عليه فهم كثيرون، إذ أن الذين حملوا لواء النهضة العمانية الحديثة قد تخرجوا من مدرسته.
4- تلاميذه:
إن الذين كتبوا عن الشيخ السالمي رحمه الله قد أكدوا أن مدرسته تميزت بالطابع الإسلامي الأصيل القائم أساسا على القرآن الكريم والسنة الشريفة، ففكره كان بعيدا عن الجمود الفكري، ولا أدل على ذلك من أخذ ببعض الآراء المجتهدين في فتاويه من غير الإباضية، معتمدا على العقل والنقل في تعليلاته فالعقل كما قيل يرى الأشياء كما هي، فهو المعيار الذي لا يمكن أن يخطئ في التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحق والباطل إذا تجرد عن غشاوة الوهم، لأن هدف الشيخ السالمي هو تكوين روح النقد والعلم عند طلابه دون الخروج عن القرآن والسنة.
وهكذا فإن هناك مجموعة كبيرة من الأعلام العظام قد تخرجت من مدرسته يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رحمه الله: (تلاميذه كثيرون لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جلهم من تلاميذه ولقد نبغ كثيرون وفي مقدمتهم الإمام العلامة الأفخم المؤيد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، وحسبك أن صفوة الأمة هناك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى للدين وللأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته، ولا بأس أن نشير إلى بعض هؤلاء الرجال العظام:
1- الإمام العادل: سالم بن راشد الخروصي.
2- العلامة الجليل رئيس القضاة: أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود، كان معا ضدا لشيخه في حلو الزمان ومره وله التآليف الضخمة.
3- العلامة الأمير عيسى بن صالح الحارثي.
وعلى هذا يمكننا القول بأن التربية الإسلامية الصالحة التي أثرت في رجال نهضة عمان والتي نهجها الشيخ السالمي كانت كلها سلوك عمل خير، فرض أثره الفعال على طلابه وهو يرى ويؤمن بأن لا قيمة للقول ما لم يجد سنده في الحياة العامة التي يعيشها الإنسان يقول رحمه الله:
والعلماء إن فسدوا أشر من غيرهم وفعلهم أضر
5- أخلاقه ودعوته إلى الوحدة الإسلامية:
يقول أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نقول هنا إن الأخلاق الفاضلة كالتقوى والعدالة والإحسان والرحمة هي عناصر أساسية في بناء الأمة القوية.
وبدون هذه الأخلاق تكون الأمة عرضة للزوال والزلازل في مسيرتها اليومية بحيث أن هناك عدة حضارات قديمة وحديثة انهارت بسبب انغماس شعبها في الأخلاق الرذيلة، كالشرك بالله، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرشوة والنفاق.
إن الشعوب اليوم في أشد حاجة إلى الأخلاق الفاضلة المتمثلة في القدوة الحسنة والمثابرة على فعل الخير، هذه هي الحقيقة قد جسمها شيخنا السالمي رحمه الله إذ يقول فيه نجله: أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: (كان رضي الله عنه شديد الغيرة على محارم الله تعالى، يقول الحق وينطق بالصدق مشهوراً بالبسالة والصلابة، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين وهو في ذلك ممثل بآداب الرسول صلى الله عليه وسلم وهي آداب القرآن الكريم.
ويقول أيضا كان جوادا سخيا قل ما أكل طعاما وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه، يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر، كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلاميذه ليواسيهم.
إن أخلاق الشيخ السالمي رحمه الله لم تكن نظرية صورية بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، بل إن أخلاقه كانت خيرة خالصة مرتبطة بالحياة التي يعيشها هذه هي الأخلاق القرآنية التي يجب أن تسود كل تصرفاتنا، بحيث تكون بعيدة كل البعد عن مظاهر الرياء والسمعة بين الناس، وإلا كانت تلك الأعمال عند الله هباء منثورا عبارة عن ذرات ترابية لا ترى إلا تحت أشعة الشمس بصعوبة، يقول الله عز وجل:
( وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً) - الفرقان:23-
وفوق هذا فإن الشيخ السالمي رحمه الله كان من دعاة الوحدة الإسلامية ما دام الإسلام دينها، ومحمد رسولها، والقرآن إمامها ونهجها في الحياة وأن الاختلاف الحاصل اليوم بين أبناء الأمة الإسلامية يعود أساسا إلى المطامع السياسية التي ظهر أثرها السلبي في الإسلام.
لقد بعث إليه الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني رسالة منه أن يضع الحلول الجذرية لوحدة الأمة الإسلامية مبينا المرض وإعطاء الدواء الشافي.
يقول الشيخ السالمي رحمه الله (قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المهدي لتلك الحقائق، نعم نوافق على أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب وتشعب الآراء وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان لجامعة الإسلامية منها: التحاسد، والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية.
ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة والساعي ي الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أ، يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام.
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) - آل عمران:19-
فإذا استجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولا عند آحاده من الرجال ثم يظهر شيئا فشيئا فيصير الناس إخوانا.
وهكذا تدرك كل الإدراك أن الشيخ السالمي رحمه الله كان مثالا لحب الخير والدفاع عن مصير الأمة الإسلامية ووحدتها الجوهرية المقدسة يقول الله عز وجل:
(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) - المؤمنون:52-
فهذه الوحدة قائمة على وحدة العقيدة والعبادة.
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) - الأنبياء:92-
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنَسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) - الذاريات-
ومن هنا يتضح لنا أن الاختلاف الموجود بين هذه المذاهب يعود أساسا إلى المصالح الدنيوية، حب الزعامة والتحاسد والتباغض، وكل فرقة تدعي أنها على حق وصواب وغيرها في ضلال، فهذا الاختلاف هو النتيجة للفتنة الكبرى التي وقعت بعد ذلك بين المسلمين إلى يومنا هذا.
وكثيرا ما يتأوه قائلا: ذهب الوفاء ذهب الدين، ذهبت المرؤة، ذهبت الغيرة ذهبت الحمية طمع فينا الخصم- طلبنا بالمكائد، نصب لنا الحبائل وكان رحمه الله يقول:
حرب النصارى اليوم بالدواهي والكل منا غافل ولاهي
فيــأخذون الـدار بالخدائع وإنها أقوى من المدافع
إن هذه الحقيقة قد تجسمت في تاريخ أمتنا الإسلامية بسبب الاختلاف وعدم احترام رؤية الآخرين، فاستغل الخصم هذه الحلة فاستغلها وترك المسلمون الأصول الواضحة في القرآن الكريم، واستمسكوا ببعض الجزئيات وأدى بهم الأمر إلى تكفير بعضهم وهذا هو بعينه الخروج عن جادة الإسلام الصحيح.
وهكذا ندرك أن الدعوة المذهبية لا قيمة لها دون عمل إسلامي صالح كأن يقول المسلم: أنا إباضي، وأنا مالكي، وأنا حنبلي، وأنا شافعي وأنا شيعي.
إن الانتساب إلى هذه المذاهب كما يرى الشيخ السالمي، لا قيمة له ما ادم الإنسان لم يكن مسلما، ورعا تقيا، صالحا، لأن كل المذاهب الإسلامية تفقد قيمتها بدون أن تتمسك بالأصل الثابت وهو القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا الأصل لا يجيز الفصل بأية حال من الأحوال بين القول والعمل، نحن لا نستطيع أن نقول لأي إنسان بأنك كريم جواد حتى يخرج ما يلزمه من المال الذي يملكه وبدون هذا فإن صفة الكرم ستفقد دلالتها ومعناها الحقيقي.
إن هذه الحقيقة تدرك بداهة ومن هنا نجد شيخنا الجليل الشيخ السالمي قد ركز في آثاره الفكرية على الربط بين القول والعمل الصالح يقول رحمه الله في كتابه القيم- جوهر النظام-:
وإنما الإيمان قول وعمل ونية فهو على هذا استقل
هذه هي الصورة العامة للشيخ السالمي رحمه الله، بعد هذا الكفاح المرير انتقل إلى جوار ربه في اليوم الثامن عشر من شهر صفر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف 1332هـ وقبر ببلدة تنوف تحت سفح الجبل الأخضر فارتاع العالم الإسلامي بوفاته ولكن آثاره لم تمت ولا تزال خالدة كل الخلود رحمه الله وأسكنه مع الصالحين في جنات الخلد آمين.
** ** **