"مدرسة الشيخ / حمود بن حميد الصوافي
إعـداد
الدكتور / مسلم بن سالم بن علي الوهيبي
مسقـط ـ سلطنــة عُمــان
11 ـ 13 نوفمبر 2001م
المقــدمــة
الحمد لله الذي جعل العلماء جمال الدنيا وزينتها ، وعزة الحياة وبهجتها ، وحماة الشريعة ورفعتها ، سبحانه أشرق في الأرض شموساً أسفرت عن الأرض غياهب الظلمات ، وعم الأرض اليمن والبركات ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم . . . وبعد :
لم يقترن العلم بشيء في الحضارة الإسلامية كما اقترن بالفضيلة ، فهي أساسه وجوهره ، ولم يقترن الإسلام بشأن من شؤون الدنيا كما اقترن بطلب العلم ، وعلم التربية في المفهوم الإسلامي يشتمل على كل العلوم والمكتسبات الفكرية والسلوكية المؤدية إلى الفضيلة ، أما إذا لم تؤد التربية إلى الفضيلة ولم تثمر جهود المربين هذه الثمرة كان ذلك دليلاً على انحراف التربية عن هدفها الإسلامي الصحيح.
وأي مجتمع اشتهر بالفضيلة والخلق الرفيع كان التعليم الديني هو المبعث الرئيسي لذلك ، والمجتمع العُماني مجتمع متدين بطبعه ، فالدين سجيته وفطرته ، والفضيلة والسمعة الطيبة توارثتها الأجيال كابراً عن كابر ، بسبب انتشار المدارس الدينية في معظم ولايات السلطنة التي ظلت مستمرة طوال فترات التاريخ تنقل العلوم الشرعية ، منذ مبعث الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلات والسلام إلى وقتنا هذا .
يطلق على ذلك النوع من التعليم في الكتابات الحديثة بمدارس "الكتاتيب" ويجوز لنا أن نقسم ذلك النظام من التعليم إلى نوعين هما : الأول تعليم أولي : يدرس فيه القرآن الكريم و مبادئ الكتابة ، الثاني تعليم عالي : ينضم فيه نخبة من الطلاب الذين أنهوا دراسة القرآن وشرعوا في تعليم علوم اللغة والفقه والعقيدة وما شابه ذلك على أيدي أحد المشايخ المشهورين . هذان النوعان من المدارس كانا المصدر الأساسي للثقافة العُمانية المحلية الرسمية إلى عهد قريب .
وعندما جاءت المدارس النظامية ذات الصبغة العالمية ، بدأت التراثية تكبو شيئاً فشيئاً ، لكنها لم تتعدم ، فهناك مدرسة ظلت عصية على الزمن ، وكتب الله لها البقاء حيث استمر صاحبها يغذيها بإخلاصه وهمته وإيمانه حتى أصبحت تنافس المدارس النظامية ، ألا وهي مدرسة الشيخ حمود بن حميد الصوافي بسناو من ولاية المضيبي .
إن تلك المدرسة رغم أهميتها واتصال سندها على أيدي شيوخ عمان لم تحظى بالدراسة والتعريف حتى يستفاد من مناهجها وأنظمتها ، وعندما هتفت جهود المتخصصين لإقامة ندوة تحت عنوان : "التراث التربوي التعليمي الإسلامي العُماني ومؤسساته " رأى الباحث أن مدرسة الشيخ حمود بن حميد الصوافي من أولويات المواضيع المناسبة لمحاور الندوة الهادفة ، فكانت الكتابة فيه تحت عنوان "مدرسة الشيخ حمود بن حميد نموذج معاصر ".
مصـادر الدراسـة :
المصدر الأساسي للدراسة هي معاينة الباحث للمدرسة ، حيث قام بتتبع أنظمة المدرسة وأركانها وحلقاتها خطوة خطوة من خلال المعايشة والزيارات ومن ثم تسجيل الملاحظات ، واستعان الباحث أيضاً بإجراء مقابلات مسجلة مع بعض المعلمين والتلاميذ والجيران من بينهم القاضي الشيخ / حمود بن عبد الله الراشدي ، الذي يُعتبر أحد شيوخ الشيخ حمود بن حميد الصوافي.
خطة البحث .
تم تقسيم البحث إلى مقدمة وسبعة مباحث هي :
المبحـث الأول : التعريف بالشيخ / حمود من حيث نسبه وحياته وجدوله اليومي مع ذكر شيء من صفاته .
المبحث الثانـي : التعريف بمدرسته من حيث موقعها وأهدافها ونظامها .
المبحث الثالـث : أركان المدرسة من حيث إدارتها ومعلموها وطلابها وأنشطتها المتنوعة.
المبحث الرابـع : الخدمات المرافقة من مسكن ومأكل ونقل وخدمات صحية.
المبحث الخامـس : مزايا المدرسة وقد ذكرت قرابة عشرين مزية .
المبحث السادس: الملامح التراثية في مدرسة الشيخ حمود وقد ذكرت قرابة ثمانية ملامح.
المبحـث السابـع : ملاحق إضافية مثل مصادر التمويل ، وأثر المدرسة ونماذج من خريجيها ومظاهر تطور المدرسة ، والصعوبات التي تواجه المدرسة ، ومدرسة الإناث.
الخاتمـــــة : بها أبرز النتائج والتوصيات.
المبحث الأول : التعريف بالشيخ
توطئة: إن تعريف العظماء يصعب على كل من أراد التعريف بهم ، لأن جوانب حياتهم الباطنة ألمع وأنصع من جوانب حياتهم الظاهرة ، والمعرف لا يستطيع إلا أن يأتي ببعض الشذرات مما يسمعه ويراه ظاهراً ، والشيخ / حمود بن حميد الصوافي ولج أبواب العظمة البشرية من أوسع أبوابها ، حيث إنه ما من صفة حميدة إلا وقد امتطى أعلاها ورغب فيها وما من صفة وضيعة إلا وهجرها وكره فيها .
لذا يصعب علي التعريف بهذا الرجل العظيم ، لأنه يخفى علي الكثير الكثير من جوانب حياته الظاهرة ، فضلاً عن الإبحار في حياته الخاصة والباطنة.
ومن هذا المنطلق أكتفي بإعطاء تعريف موجز لا يفي بحقه ، وأتمنى من تلاميذه المقربين أن يقوموا بهذا الدور ، وعموماً فإن هذا البحث مخصص في معظمه للحديث عن مدرسته وهي تمثل جانباً واحداً فقط من اهتماماته الكبيرة .
أسمه : حمود بن حميد بن حمد بن حميد بن رشيد بن المر بن ناصر بن محمد بن سعيد الصوافي (1).
نسبه : من آل صوفة وهي قبيلة عريقة ومعروفة ، سكنوا بلدة سناو وكانت أصولهم بلدة السليف من ولاية عبري(2).
مولده : ولد في بلدة سناو من ولاية المضيبي(3)،عام 1363هـ -1942م (4).
نشأته : نشأ الشيخ حمود نشأة علمية منذ صغره ، وأتم حفظ القرآن الكريم في صباه ، في قرابة سن العاشرة أو الثانية عشر (5) ، ثم أخذ ينهل من كتب أهل العلم ، فحفظ متوناً كثيرة ، في مقدمتها جوهر النظام ومدارج الكمال للإمام السالمي ، وألفية ابن مالك في النحو والصرف ، وقرأ المعارج وشرح النيل وغيرها من الكتب المعتبرة (6).
تميز منذ صغره بالذكاء وشدة الرغبة في طلب العلم ، ففتح الله عليه(7) ، حتى بلغ وعلا نجمه وأصبح من المراجع العلمية ، وممن يشار إليه بالبنان.
كُف بصره ، فاجتهد في الحصول على علاج (8) فلم ينفعه ، إلا أن بصيرته وفطنته كانتا تزدادان يوماً بعد يوم ، وهكذا شأن العظماء لا تزيدهم الإبتلاءات إلا عزيمة وقوة وإصراراً ، فضل يؤجر من يقرأ له العلوم (9).
شيوخه: تعلم القرآن الكريم على يد / حبيب بن ناصر البراشدي ، ثم أكمل تعليمه على يد الإستاذ / ناصر بن راشد المحروقي (10) ، والاستاذ / يحيى بن سالم المحروقي (11) والقاضي / حمود بن عبدالله الراشدي (12) ، وهم من تلاميذ الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله .
حياته الاجتماعية : المعنى النسبي هو أب لثلاثة أولاد ، وسبع بنات (13) ، بارك الله فيهم وجعلهم قرة عينه ، أما بالمعنى الواقعي والمشاهد فهو أب لطلابه خاصة ، وطلاب العلم الشرعي عامة ، وعنايته بطلابه تفوق عنايته بأولاده.
حياته العملية : يصعُب على الحديث حول حياته العملية ، وأشعر بالعجز التام عن إعطاء صورة واضحة لمجريات حياته العملية ، لأنني لم أعايش أو أشاهد أو أسمع في واقعنا المعاصر إنساناً مثله ، فحياته العملية ، قريبة الشبه بما نسمعه ونقرأه عن حياة الصحابة والتابعين ومشاهير الفضلاء والعلماء.
لكن حسبي إعطاء لمحات بسيطة من خلال النقاط التالية على سبيل المثال لا الحصر وأستغفر الله تعالى من القصور في إجلاء الحقيقة كما هي :-
أولاً : اشتغاله بالتدريس : حياته كلها تدريس ومدارسة وقد بدأ فعلياً بالتدريس عام 1386هـ ـ 1965م (14) ، أو قريباً من هذا التاريخ ، حيث درس مساعداً لشيوخه في نفس المدرسة التي درس فيها بسناو (15).
وفي عامي 1389ـ 1390 هـ الموافق 1969 ـ 1970م أنتدب للتدريس في بلدة سرور فأقام هناك (16) ، ثم رجع مرة أخرى إلى سناو وظل يدرس في مسجد التل الأحمر ومسجد خناتل ومسجد الجبة (17).
وفي عام 1394هـ 1974م أفتتح معهد سناو في جامع سناو فأصبح مدرساً رسمياً فيه ، وبجانب التدريس النظامي ظل موظفاً حاله وماله للتدريس وإقامة الحلقات في كل وقت صباحاً ومساء (18).
ومع تزايد المدارس النظامية وإحالته إلى التقاعد ، أصبحت مدرسته مقصورة على الفصول الصيفية ، لكن حلقاته التعليمية لا تتقطع ، ومن أراد التعلم صيفاً أو شتاءاً ، ليلاً أو نهاراً يجد الشيخ مستقبلاً له ملبياً طلبه ، بل موفراً له المأكل والمسكن المناسبين ، فله من العليم الغفار الأجر والثواب.
ثالثاً : اشتغاله بالفتوى : المجتمع العماني مجتمع متدين بطبعه ، وكل متدين كثير التحرز لدينه فتجدهم يسألون العلماء ويستفتونهم حول عباداتهم ومعاملاتهم وسائر سلوكياتهم وفضيلة الشيخ حمود من المراجع العلمية المشهورة ، حتى أصبح قبلة للسائلين وملاذاً للحائرين ، لهذا تتقاطر عليه الأسئلة من كل حدب وصوب ، كأنه ديمة ودقت على أرض صالحة فأينعت ثماراً طيبة.
وتأتيه الأسئلة من طريقين : إما عن طريق الهاتف ، أو عن طريق وصول السائل إلى حيث كان الشيخ .
وتلحظ العجب العجاب في سعة باله وقوة تحمله ، لكن من باع الدنيا واشترى الآخرة رخص كل غال سهل كل صعب في حياته ، فهاتفه مفتوح في معظم الأوقات ، حتى في وجبات الطعام ، وإذا ما تأخرت رنة الهاتف على المائدة مثلاً أخذ يلمس الهاتف بنفسه ليتأكد هل يشتغل أم لا؟.
لذلك تجد الضيف الذي يجلس معه على مائدة واحدة يشعر بالخجل الشديد ، لأنه يلحظ على الشيخ انشغاله بالإجابة فيتحرج الاستمرار في الأكل ، ولا يدري هذا الزائر أن الشيخ لا يستلذ اللقمة إلا على استقبال الأسئلة المصحوبة بإفشاء السلام وإعطاء الإجابة المصحوبة بالموعظة الحسنة.
ولو أحصيت عدد الاتصالات في جلسة غداء واحدة تجدها لا تقل عن خمس أو تزيد وإذا ما تأخر الاتصال ولم يُسأل من أحد الحاضرين معه ، تسمعه يقول : هل نحن جالسون مع أموات أم مع خشب ؟ (19) لأنهم لم يستغلوا وقته فيما يفيد ، ودائماً يتعرف على الجالسين معه فيعذر الضيوف ، أما الطلبة فلا يعذرهم بل يطالب فألا يجلسوا معه مرة أخرى ، وليجلس معه طلبة آخرون يثيرون أسئلة حتى يستفاد من ذلك الوقت.
وإذا ما سئل عن مسألة لم يحضره جوابها أو تعددت فيها الآراء أرشد السائل إلى أن يوجد سؤاله إلى المفتي أو مساعده ، وأعطاه أرقامهما ، أو أتصل هو بنفسه.
ثالثاً : خطب الجمعة وإلقاء المحاضرات : يتجمهر بجامع سناو في صلاة الجمعة عدد كبير من المصلين ، يأتي بعضهم من أماكن بعيدة للاستماع إلى خطبة الشيخ / حمود بن حميد الصوافي ، التي تدخل إلى أعماق القلوب ، لأنها صادرة من قلب مخلص وخطيب رباني الفكر ، الأمر الذي حدا بمجموعة كبيرة من المصلين أن يقوموا بتسجيل تلك الخطب للاحتفاظ بها أو تسميعها الذرية وغيرها ، وبين فترة وأخرى يُدعى الشيخ إلى مناطق كثيرة لإلقاء المحاضرات الإسلامية ، ووعظ الناس بما يعين على استقامتهم في الدين وتحسين سلوكهم في الحياة.
رابعاً: الإصلاح الإجتماعي : عندما تراه في مهمة ما تحسبه متخصصاً فيها لا عمل له غيرها ، لكن العظمة تجعل من الفرد جماعة ، فكم قضى على فتنة ، وكم أصلح بين متخاصمين ، وكم زوج شاباً وشجع عليه ، وكم ألف بين زوجين ، وكم مريض شفاه الله برقيته ، وكم قبض أمانات وأعان فقراء .
وأعماله البارزة في المجالات الاجتماعية أكثر من أن تعد ، وتحتاج إلى بحث مستقل بذاته وأقر بالعجز عن الخوض فيه .
خامساً : جدوله اليومي : قد يشكك القارئ أو السامع إذا قيل له في عالمنا المعاصر من يستغل كل لحظات وقته فيما يعود نفعه عليه وعلى أمته ، فلا تكاد تند من حياته لحظة إلا وهو في درس أو في حلقة أوفي خدمة للآخرين ، في دقة من التنظيم وثبات على الأعمال الصالحة في أوقاتها المحددة .
فالمتتبع لأعمال الشيخ حمود خلال يوم واحد فقط ، يستهجن أعمال نفسه ، ويشعر بالتقصير والتفريط ، وهذا ما ظهر من أعمال الشيخ اليومية على ما يصفه بعض التلاميذ الملازمين له لفترات طويلة (20) ، وما خفي عنهم الله أعلم به.
يبدأ يومه قبل الفجر ـ الثلث الأخير من الليل ـ بمناجاة خالقه وموجده فينصب قدميه لإحياء سنة قيام الليل مستحضراً قوله تعالى : (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا )"المزمل:6" وكأنما انطبق عليه قوله تعالى :(تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون) "السجدة:16" ، ويصحب قيام الليل مجموعة من الأذكار والأدعية وقراءة شيء من القرآن الكريم.
وبعد أذان الفجر بقليل يصلي سنة الفجر مي منزله تطبيقاً للسنة النبوية (21) ثم يخرج ويصلي فريضة الفجر آمّاً الحاضرين وعادة ما يطيل القراءة حتى ينهي قرابة نصف جزء "حزب كامل" في الركعتين ، يبدأ في قراءة المصحف من أوله حتى يختمه ، ويندر أن تند منه كلمة من شدة حفظه ، ثم يبدأه من جديد وهكذا.
بعد صلاة الفجر يقرأ مجموعة من الأدعية والأوراد جهاراً في الصيف حتى يتعلم منه الطلاب ، وخفية في الشتاء حيث المصلين قليل وقد سبق لهم التعرف على أراده وأدعيته ، ثم يقرأ جهاراً حديثاً أو حديثين يرددهما ثلاث مرات ، حتى تحفظ أو تسجل من قبل الطلاب ويذكر تخريجهما بعد ذلك ثم يقيم حلقة لقراءة القرآن الكريم أيضاً يقرأ المصحف بالترتيب وبالتالي تُقرأ في مسجده ختمتان ، أما في الصيف فتقرأ أربع ختمات.
الأولـى : في فريضة الفجر .
الثانيـة : في الحلقة التي بها الشيخ ومعه قرابة خمسة وثلاثين طالباً.
الثالثة : في الحلقة التي بها مدرسة التجويد وبها قرابة خمسة وثلاثين طالباً آخرين ، ومما يلاحظ أن الطلبة الذين يقرأون اليوم مع مدرس التجويد يقرأون غداً مع الشيخ وهكذا بالتناوب.
الرابعة : الحلقة التي يقرأ فيها الطلبة المبتدئون أو ضعيفو القراءة ، يقوم بتصويب قراءتهم أحد الطلبة البارزين.
تختتم جميع الحلقات بالدعاء ثم يسأل الحاضرين معه هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ، فيذكرون رؤاهم إن كانت هناك رؤية تطبيقاً للسنة النبوية ، حيث روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا انصرف من صلاة الغداة قال : هل رآى أحد منكم الليلة رؤيا (22) .
ثم يأمر الشيخ الطلبة بقراءة التقويم الخاص بذلك اليوم ، ويقرأ الحكمة إن وجدت فيه ، وقد يطلب من الطلبة إعرابها ، بعد ذلك تكون الشمس قد شرقت وارتفعت قليلاً فيصلون سنة الشروق تطبيقاً للسنة الشريفة حيث يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة " قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : - "تامة تامة تامة".
بعد سنة الشروق يخرج الشيخ إلى أهله فيسلم ويطمئن عليهم ويجلس لإكمال ما بقي من أوراد وأذكار ، ثم يمكث هناك ويتناول وجبة الإفطار ويستعد للخروج.
وفي قرابة الثامنة والنصف أو التاسعة صباحاً يخرج من المنزل باتجاه جامع سناو والذي يبعد عن منزله كيلو مترين تقريباً ـ سابقاً كان يذهب ماشياً على الأقدام ، أما الآن مع كبر سنه وضعف صحته ، شفاه الله وأمد في عمره يذهب بالسيارة مصطحباً أحد الطلبة يقرأ له ما يريده من كتب.
وعندما يصل الجامع يصلي ركعتين خفيفتين ، ثم يمر على الحلقات المقامة إن كانت هناك حلقات ، ثم يتجه إلى مكتبة الجامع ، حيث يجد الزوار والمستفتين بانتظاره فيرد على استفساراتهم ويقضي حوائجهم سواء الموجود منهم أم الذين يتصلون به عبر الهاتف ، وقد خصص غرفتين مرفقتين بالمكتبة الأولى لقضاء حاجات الرجال الذين يتحرجون من ذكر حاجاتهم أمام الحاضرين ، والثانية لقضاء حاجات النساء والإجابة على استفساراتهن وحل مشكلاتهن.
ومن الملفت للانتباه أنه أحياناً يأتيه بعض الرجال ويقولون لنا بك حاجة خاصة ، فيذهب به إلى الغرفة المخصصة لذلك ، ويتبين للشيخ أن الحاجة عبارة عن مسألة في الدين فيرفض الإجابة عليها ويقول له : هذه ليست حاجة خاصة ، أطرح سؤالك أما الحاضرين حتى يستفيدوا منه ، فيخرج به إلى الحاضرين.
وإذا ما توقفت الأسئلة وقضيت الحاجات ، وتوقفت الاتصالات فهناك بجواره من يقرأ له ما يريد من كتب ولا تمر عليه لحظة بدون استغلال.وفي الساعة الحادية عشرة والنصف أو قريباً من هذا الوقت يخرج من المكتبة باتجاه المنزل ، فيدخل على أهله ويطمئن عليهم ، يتفقد وجبة الغداء ويداعب أطفاله وأحفاده حتى يحضر أول وقت الظهر فيخرج للصلاة .
بعد صلاة الظهر يرجع مرة أخرى يصلي سنة الظهر في المنزل ثم يتجه إلى مجلسه العام وقد انتظره مجموعة من الأضياف ، الذين لا ينقطعون ، والطلبة الملازمين له فيدخل عليهم مبتسماً قائلاً بصوت مسموع : السلام عليهم ورحمة الله وبركاته فيردون : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم يقول مرة أخرى بارك الله فيكم فيردون : آمين بصوت مصحوب بالخشوع والأمل باستجابة دعاء الشيخ.
وعلى المائدة التي بها الشيخ يتحلق مجموعة من الأضياف والطلبة يطرحون أسئلتهم ومن حسن أدب طلابه ألا يتقدمون بأسئلتهم إلا إّذا صمت الضيوف ، ولم تكن هناك اتصالات هاتفية ، وهكذا تصبح جلسة الغداء ، غذاءً روحياً وجسدياً معاً.
ثم يأتي القوة ورش الأيدي بما الورد ، بعدها يخرج لتشييع الأضياف إلى مواقف السيارات ، ولا يرجع حتى يركبوا سياراتهم ويشرعوا في الخروج ، أما من أراد الجلوس منهم فإن هناك غرفة مخصصة للأضياف غير غرف الطلاب يقيلون فيها حتى صلات العصر .
أما هو فيعود إلى غرفته الخاصة ، وقد جعلها بعيدة نوعاً ما عن الأولاد والأهل والطلاب ، يختلي بها لسماع نشرة الأخبار وبعض الأشرطة ثم يأخذ قسطاً من النوم حتى حضور صلاة العصر.
بعد صلاة العصر : يقام درس بالمسجد في قواعد النحو للطلبة الذين يدرسون القواعد النحوية وهي مادة من تأليفه ، وأحياناً يكون بجواره الهاتف يرد على المستفتين ، يستمر ذلك الدرس قرابة أربعين دقيقة ، ثم يدخل على أهله وأولاده حتى صلاة المغرب .
بعد صلاة المغرب : درس بالمسجد في الفقه يستمر حتى صلاة العشاء .
بعد صلاة العشاء : يذهب قليلاً إلى أهله وأطفاله ، ثم يتجه إلى المجلس مع الطلبة والأضياف ، وبعد وجبة العشاء وتوديع الضيوف يشرف على سماع خطبة ارتجالية من أحد الطلبة ، أو مناظرة بين طالبين ، لمدة تتراوح مابين (30 ـ 40) دقيقة ثم يخرج إلى أهله ، وفي بعض الليالي يرجع إلى الطلبة لإعطاء درس في الميراث من الساعة العاشرة والنصف إلى الساعة الحادية عشرة والنصف .
قبل النوم : يجلس لسماع نشرة الأخبار (23) ، وغالباً ما تكون في الساعة الثانية عشرة ليلاً .
وهكذا تلحظ يوماً حافلاً بالأعمال العظام ، التي ما ذكرت منها إلا ما أطلع عليه تلاميذه ، وربما هناك أعمال أخرى خفيت عليهم ، أو قصر الباحث في إيصالها .
سادساً : جدوله الأسبوعي :
هناك أعمال يداوم عليها الشيخ خلال الأسبوع وهي كالتالي :-
ـ مساء الجمعة بعد المغرب درس لعامة الناس في مسجد رجب ، أما في الصيف فيتركه بسبب انشغاله بالطلاب.
ـ مساء الأحد بعد المغرب درس للبدو في منطقة يقال لها "الرق" تبعد عن سناو قرابة أربعين كيلومتر ، أما في الصيف فيأمر أحد الطلاب أو المعلمين بأن يذهبوا لتأدية الدرس نيابة عنه بسبب انشغاله بالطلاب ، ولكن لا يمكن أن يترك ، حيث تجد مساء الأحد يتوافد على ذلك المكان عشائر البدو من أماكن متفرقة ، وقد يتجاوز عددهم الثلاثمائة أحياناً .
ـ مساء الاثنين بعد المغرب درس للنساء في مدرسة القرآن .
ـ مساء الأربعاء بعد المغرب درس في جامع سناو ، له حضور كبير .
ـ مساء الخميس بعد صلاة العصر قهوة وقراءة في منزل الشيخ / ناصر بن سالم الصوافي ، أما في الصيف فلا يذهب بسبب انشغاله بالطلاب.
ـ مساء الجمعة بعد صلاة العصر قهوة وقراءة في منزل الشيخ / ناصر بن سليمان الصوافي أما في الصيف فلا يذهب بسبب انشغاله بالطلاب .
سمات الجدول :
من السمات البارزة على الجدول اليومي والأسبوعي ما يأتي :-
1) الثبات عليه ، حيث يندر من يثبت على جدوله لفترة طويلة ، وجدول الشيخ هذا ثابت عليه منذ سنين طويلة.
2) الفترات المخصصة لأهله لا يمكن أن يفرط فيها ، فحتى لو جاء زائر ومحتاج إلى الشيخ في كلمة واحدة وهو في ذلك الوقت مع الأهل لا يمكن أن يخرج له إلا في الوقت المحدد لخروجه في العادة.
3) ربط الأعمال بأوقات الصلوات ، حيث هناك ترابط شديد بين الأعمال وأوقات الصلاة فعقب كل صلاة ، تأتي أعمال معينة تشهد له بالفضل وعلو الهمة في التسابق إلى الخيرات .
وبالجملة إن سمات الجدول تقود إلى الحديث عن صفات الشيخ التي ستثير في نفس القارئ أو السامع الإعجاب والاستعجاب.
أمثلة من صفات الشيخ حمود :
1) استمرارية العبادة :
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الإنسان لم يخلق ولم يوجد على ظهر البسيطة إلا لهدف سام وغاية عظيمة ألا وهي عبادة خالق الأكوان ورب الأرباب عز وجل ، قال تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " (الذاريات :56).
ومفهوم العبادة ليس محصوراً في تأدية الشعائر التعبدية بل يشمل كذلك حركات الإنسان وسكناته في حياته الدنيوية ، والنية الصالحة هي المعيار الدقيق لتحديد ما بين العبادة والعادة ، وحياة الشيخ من حركات وسكنات كلها عبادة صالحة روحانية المظهر ربانية الفكر قرآنية النزعة.
هذا ما ينجلي للعيان ، والله متوكل بالسرائر ، ولا نزكي على الله أحداً ، وليس من المبالغة في غالب الظن أن ينطبق على الشيخ ما قيل في المكثرين من العبادة : إذا قيل له ستموت غداً ما استزاد من العبادة.
2) الاهتمام بالأطفال :
صاحب المشاريع الكثيرة والمشاغل المتعددة ، لا يجلس مع الأطفال أو يتحدث معهم فضلاً عن مفاكهتهم أو مداعبتهم أو الاستماع إلى آرائهم ، أما الشيخ حمود فعكس ذلك تماماً ، بل كل فئات المجتمع بمختلف أعمارهم وأجناسهم تأخذ من اهتمامه حقها دون نقصان ، وقد اخترنا الأطفال لقلة ما يعتني بهم إلا ما كان على سبيل النظريات المثالية على صحائف الورق ، وقل من يجريها على حياة الأطفال.
وتظهر عناية الشيخ بالأطفال من خلال المواقف التالية على سبيل المثال لا الحصر.
ـ ما من طفل إلا ويصافحه بيديه فيتفقده هل يحمل عصا أم لا ؟ ويوجه إليه شيئاً من العتاب إذا لم يجد معه عصا.
ـ عندما يأتيه طفل يسأله مجموعة من الأسئلة مصحوبة بالابتسامة والمداعبة ، وإّذا بادر أحد الأشخاص الكبار بالإجابة عن الطفل منعه الشيخ ، وقال له : الله عز وجل خلق له لساناً ، فدعه يتحدث عن نفسه ، وغالباً ما يثمر ذلك اللقاء عن محبة الطفل للشيخ ، وربما يكون من أول لقاء .
ـ عندما يدخل الشيخ إلى أهله يقوم بمداعبة أطفاله وأحفاده باستمرار ، ويغرس فيهم الشمائل المحمدية والأخلاق الحميدة.
ـ بين فترة وأخرى يسأل طلابه أو مريديه عن أطفالهم ويتابع أخبارهم.
ـ دائماً يحمل في جيبه نقوداً من فئة مائة بيسة فيعطيها الأطفال.
3) الكـرم :
صفة الكرم عند الشيخ لا حدود لها ، ويصعب على الزائرين الإفلات منه دون الغداء أو العشاء ، ويعاتب من يذهب عنه دون المشاركة في وجبة واحدة على الأقل ولا يستطيع الزائر الاستئذان منه إلا أن يتحايل بحيلة محكمة قد حضر لها سابقاً ، وتتجلى صفة الكرم من خلال الحقائق التالية على سبيل المثال لا الحصر :
ـ عيّن من الطلبة مسؤولاً عن الأضياف ، ميزته أن الابتسامة لا تغادر شفتيه ، وذو علاقات جيدة مع الناس.
ـ عندما يكون الشيخ على المائدة تجده بين فترة وأخرى يناول من هم على جوانبه وأحياناً يناول الجميع ، وأحياناً يمسك بأيديهم وينزلها في الطعام.
ـ يأمر طلابه بأن يتعاملوا مع الأضياف كأن المنزل لهم فيعتنون بهم ويشجعونهم على الأكل وعدم الخجل.
ـ يتناول وجبة الغداء معه في فصل الصيف ما لا يقل عن مائة شخص يومياً .
ـ خصص غرفة واسعة للضيوف بها كامل مستلزمات الراحة .
4) الصــبر :
إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها ، وترادفت الضوائق وطال ليلها فالصبر وحده هو الذي يشع للشيخ النور العاصم من التخبط ، والهداية الواقية من القنوط.
والصبر من معالم العظمة وشارات الكمال ، ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها وهو من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة ، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل ولا ينهض برسالتها الكبرى ، ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال عمالقة وأبطال صبارون ، ومن ثم كان نصيب الشيخ من العناء والبلاء مكافئاً لما أتى من مواهب ، ولما أدى من أعمال ، سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أي الناس أشد بلاء؟ قال : الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل يبلى الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه أشتد بلاؤه ، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه ، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة "(24).
ومن الملامح التي تظهر فيها صفة الصبر عند الشيخ ما يأتي :
ـ مصاب بعمى البصر وفوق ذلك تغلب على مشاق الحياة .
ـ أحياناً يكون متعباً أو مريضاً لكن لا يُظهر ذلك لجلسائه.
ـ عندما يكون في الحرم المكي يكثر من الطواف حتى يصعب على الشباب أن يطوفوا مثله (25).
ـ ولائم الأضياف لا تنقطع عن منزلـه ، فأحياناً يتغذون على سبع ذبائح ، وأحياناً على جمل صغير ، وأحياناً على كمية من الأسماك المجفف خاصة.
ـ يسكن معه في المنزل صيفا بصفة مستمرة ما لا يقل عن ثمانين شخصاً ، غير أفراد العائلة يتحمل مسكنهم ومأكلهم.
ـ يزوره مجموعات من الطلبة خاصة ، قد يصل عددهم أحياناً إلى ثلاثمائة ، ويظل واقفاً يحيهم ويتعرف على كل واحد منهم عن اسمه وعنوانه وصفه الدراسي أو عمله ، بينما يتعب الحاضرون معه فيقعدون ولا يستطيعون الصبر مثله (26).
ـ قبل بداية فصل الصيف تجده يتصل بطلابه يسألهم ويرغبهم في المجيء مرة أخرى ، وقد لا يجدهم في منازلهم ، فيعاد الاتصال مرات ومرات دون ملل (27).
ـ هاتفه يكاد لا ينقطع من اتصالات الناس ، ولا تلحظ عليه إلا الاستقبال الحسن.
وفي العموم هناك ملامح كثيرة تؤكد قوة صبر الشيخ حتى قال أحد تلاميذه :( ثبات الشيخ على الصبر مثل ثبات الجبال الراسيات ) (28).
5) الاستغلال الأمثل للوقت :
كل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت ، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل ، ولذلك كان الوقت أنفس ما يملكه الشيخ ، فتجده يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة ، ولا يفرط في ثوانيها فضلاً عن دقائقها وساعاتها.
فلا تكاد تند منه لحظة من الزمن بدون استغلال ، وكثيراً ما يردد مقولة : من علامات المقت إضاعة الوقت ، فهو إما أن يسعى في قضاء حاجة للمسلمين أو يقرأ له كتاب ، أو يكون في حلقة تعليم ، وإما على مائدة طعام بها غداء روحي وجسدي ، أو منشغلاً بالإفتاء ، أو ماشياً على الأقدام بصحبة ناس يناقشونه وإّذا صمتوا انشغل بالأذكار والمحفوظات.
يقول عنه أحد تلاميذه (29) : (في ذات يوم كان الشيخ ذاهباً إلى مصيرة برفقة مجموعة من الطلبة وفي المركب أمر بالقراءة من كتاب ، ومع الاهتزاز الشديد تعذر على القارئ الإستمرار فطلب الشيخ من مرافقيه أن يسمعوا له شيئاً من محفوظاتهم حتى لا يضيع منه ذلك الوقت).
المبحث الثاني : التعريف بالمدرسة .
موقعها :
هناك في شرقية سلطنة عُمان من ولاية المضيبي ، في بلد سناو ، وفي أرض المغدر على وجه التحديد يقبع عالم فاضل ومصدر لمدرسة أتصل سندها إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ(30).
إنه عالم تكلؤه عناية الله تعالى ، أخلص له فأضاء قلبه بأنوار الحق ، فهو مدرسة لمن أراد لنفسه التزكية والهضم ، وهو جامعة تربوية لكل مرب وهو معلم من معالم التضحية والبذل والنصح والأدب ، إنه الشيخ حمود بن حميد الصوافي ـ حفظه الله ـ .
لقد أنار في منزله وفي جامع سناو مدرسة ومض شعاعها على ربوع عمان ، بل بدأت ضحوتها تشرق حتى خارج عمان (31).
بدايتهـا :
يمكن أن نؤرخ لبداية مدرسة الشيخ / حمود منذ اشتغاله بالتدريس ، قرابة عام 1385هـ ـ 1965م (32).
وتعتبر هذه المدرسة امتداداً لمدرسة الشيخ / ناصر بن راشد المحروقي ـ رحمه الله والقاضي / حمود بن عبد الله الراشدي ـ حفظه الله ـ وهما تلميذان للإمام محمد بن عبد الله الخليلي (33) ، ومدرستهما تعد نواة التعليم العالي (34) في سناو.
وكانت مدرستهما في بداية الأمر بمسجد التل الأحمر ثم انتقلا إلى مسجد خناتل ، وكان الشيخ / حمود بن حميد الصوافي أحد التلاميذ البارزين فيها (35) ومع تقادم الزمن واشتغال الشيخ / ناصر بن راشد المحروقي بالأسفار ، واشتغال القاضي / حمود بن عبدالله الراشدي بالقضاء ، أصبح الشيخ حمود هو الوريث المقتدر على إكمال المسيرة التعليمية بسناو.
استمر الشيخ / حمود بن حميد في التدريس صباحاً ومساء وعندما افتتح معهد سناو في جامع سناو من قبل وزارة التربية والتعليم عام 1974م أصبح الشيخ مدرساً أساسياً يتقاضى راتباً حكومياً ، وأخذ يدرس أيضاً في المساء بشكل مستقل بمسجد الجبة (36) ومع ازدياد المدارس النظامية وإحالته إلى التقاعد أصبحت مدرسته محصورة على الفصول الصيفية .
إلا أن منزله مفتوح لطالب العلم على مدار السنة ، ويجد المسكن والمأكل المجانيين فما عليه إلا أن يشد الرحال مصطحباً الهمة والإخلاص في طلب العلم.
سندهــا :
سندها هو سند معلمها فضيلة الشيخ / حمود بن حميد الصوافي .
وقد تندهش وتشعر بالإعجاب والاطمئنان معاً إذا ثبت لديك اتصال سند الشيخ بالرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وإذا ما وجد المدقق في السند بعض الانقطاعات فمرد ذلك ، إهمال المؤرخين أو ضياع كتبهم ، أو عدم الاعتناء بتراجم المشاهير وهو أمر معروف في التاريخ العُماني خاصة .
وعموماً فشيوخ الشيخ / حمود بن حميد الصوافي هم تلاميذ الإمام / محمد بن عبد الله الخليلي ، الذي أخذ العلم عن الإمام نور الدين السالمي عن الشيخ / صالح بن علي الحارثي عن المحقق الشيخ / سعيد بن خلفان الخليلي عن الشيخ / ناصر بن أبي نبهان الخروصي عن أبيه الشيخ الرئيس / جاعد بن خميس عن الشيخ / سعيد بن أحمد الكندي عن الشيخ / سعيد بن بشير الصبحي عن أبي عبيدان عن الشقصي ألخ .
وهكذا يستمر سند نقل تعاليم الإسلام على أيدي شيوخ عمان حتى يصل إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (37).
أهدافها :
الهدف الأساسي من مدرسة الشيخ / حمود بن حميد الصوافي هو : تحقيق العبودية لله تعالى ، ويتفرع من هذا الهدف أهداف جزئية معرفية وعلمية ، والجانب المعرفي في ليس مقصوداً لذاته ، وإنما هو وسيلة للتطبيق العملي الصحيح ومن هذه الأهداف ما يلي :
1 ) إعداد المسلم السوي الذي يعتز بإسلامه وعقيدته ، ويشعر بمسئوليته تجاه ربه ، ثم نفسه وأمته .
2 ) إيجاد جيل قرآني يفهم روح الشريعة الإسلامية ويعي جوهرها ويسعى إلى ترجمتها في واقع حياته العملية .
3 ) إخراج علماء ودعاة يبصرون الناص بأمور دينهم ويرفعون الجهل وينشرون الفضيلة والإسلام الصحيح .
4 ) إيجاد الروابط الأخوية بين الطلاب الدارسين فتسهل عليهم الاستقامة على الدين.
5 ) اكتساب الطلاب خبرات عملية في الإدارة الذاتية وفي الاستشعار بالمسؤولية .
نظـامهـا : تميزت بأنظمة دقيقة لضبط المسيرة التعليمية ولضمان تحقيق الأهداف المرسومة ومن هذه الأنظمة ما يأتي :
أولاً : شروط القبول.
شروط قبول الطالب في المدرسة الصيفية تزداد صعوبة عاماً بعد عام لتزايد الأعداد الهائلة ، حتى أصبح طلاب الشيخ من صفوة المجتمع ولا يستطيع الاستمرار في الدراسة إلا ذوي الكفاءات العالية والنسب الكبيرة.
وشروط هذا العام (صيف 1422هـ ـ 2001م) كالتالي :
1 ) الإنتهاء من الصف الثالث الإعدادي ، ويقبل الطالب من الصف الثاني الإعدادي إذا تميز بقدرات فائقة ، كأن يحفظ القرآن الكريم كاملاً مثلاً.
2 ) لا تقل نسبته في آخر صف عن (95%) .
3 ) اجتياز المقابلة .
4 ) مراعاة المنطقة التي ينتمي إليها الطالب ، فلا يمكن أن يقبل أربعة طلاب من مكان واحد حتى لو ارتفعت نسبهم (38).
5 ) إذا جاء طالب من منطقة لم يكن للشيخ طلاب فيها أو من منطقة نائية أو من خارج عمان يقبلهم بشروط أقل (39).
ثانياً : الجدول التعليمي .
الجدول التعليمي غير محصور في حلقات الدرس ، لأن مدرسة الشيخ لم تنحصر على حشو الطلاب بالنظريات بل الجوانب العملية هي المقصودة بالذات ، لذلك يبدأ الجدول اليومي منذ انشقاق الفجر حتى الساعة الثانية عشر ليلاً.
وقد قام بإعداد الجدول الشيخ حمود بنفسه مع الأخذ في الاعتبار مشورة المعلمين والاستماع إلى آراء الطلاب واختيار الأصلح منها .
وأصبح الجدول اليومي كما يلي :
يستيقظ الطلاب ليستعدوا لصلاة الفجر عن طريق أمير الإيقاظ (وهو أحد الطلبة) ومنهم من استيقظ قبل ذلك فصف أقدامه وانهمرت دموعه خوفاً وطمعاً ورجاء.
تراهم في ضمير الليل صيرهم مثل الخيالات تسبيح وقرآن
بعد ذلك تصلى الفجر جماعة مع الشيخ ، والمتخلف أو المستدرك يشهر به أمام الشيخ وجميع الطلاب ، ثم تقرأ مجموع من الأوراد والأذكار والأدعية ، بعد ذلك يقرأ الشيخ حديث أو حديثين يرددهما ثلاث مرات ثم يذكر سندهما ، وعلى الطلاب التسجيل والكتابة حتى يستطيعوا حفظ هذه الأحاديث .
ثم ينقسم الطلاب إلى ثلاث حلقات لقراءة القرآن الكريم ، الأولى في القسم الداخلي من المسجد مع الشيخ ، والثانية في صرح المسجد من الخارج بمعي مدرس التجويد ، ويتناوب الطلاب ما بين الحلقتين ، أم الحلقة الثالثة فمخصصة للطلاب المبتدئين بمعية أحد الطلاب الجيدين في قراءة القرآن يقوم بتصويب أخطائهم ، ويبقى الحال هكذا حتى تطلع الشمس وترتفع قليلاً ثم تصلى صلاة الضحى فرادى على الأغلب ، وجماعة أحياناً.
ثم يكون الإفطار ثم الاستعداد للذهاب إلى الدراسة في الجامع مشياً على الأقدام ، وبحلول الساعة الثامنة إلا خمساً يكون الطلاب قد استعدوا للاستزادة من ينابيع العلم والمعرفة حيث تبدأ الحلقات الرسمية .
تبدأ (الحلقة الأولى) بسماع طرقات عصى أمير الحلقات على أعمدة الجامع ، وتلك الطرقات تمثل جرس بداية الحلقة ، وكأنه يقول بلسان حاله مخاطباً نفسه ونفوس إخوانه .
يا نفس ما هو إلا اليوم فاجتهدي قبل الغروب وإلا غاب وارتحلا
فتنتظم في المسجد خمس حلقات : حلقتان لتلاوة القرآن الكريم بإشراف طالبين وثلاث حلق للنحو تختلف باختلاف مستويات الطلاب .
وبحلول الساعة التاسعة تبدأ الحلقات الأخرى (الجولة الثانية) ممثلة في ثلاث حلقات للنحو بمستوى يختلف عن الجولة الأولى ولطلاب مختلفين أيضاً ، وبالإضافة إلى حلقة قرآن وحلقة فقه للصغار .
وهنا عادة تكون زيارة الشيخ ـ حفظه الله ـ للحلقات ، والطلاب متلهفون للكرع من معين علمه ، خاصة من الأسئلة المفيدة التي يطرحها للمراجعة.
وفي الساعة العاشرة تبدأ جولة أخرى من الحلقات (الجولة الثالثة) وتتمثل في ثلاث حلقات ، الأولى : عقيدة (بهجة الأنوار) للمتقدمين ، الثانية : ألفية ابن مالك للكبار ، الثالثة : علم التجويد .
وبعد الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة تبدأ (الجولة الرابعة) من الحلقات متمثلة في حلقتين : الأولى : عقيدة في غاية المراد للمبتدئين ، والثانية عقيدة أيضاً (بهجة الأنوار) للمتوسطين.
وفي تمام الساعة الحادية عشر والنصف تنتهي الدراسة بالجامع ، فيتوجه الطلاب إلى المنزل بالحافلات ويمنع عليهم المشي حيث الوقت شديد الحرارة.
وبالجملة يلاحظ على نظام الحلقات ما يلي :
ـ كل حلقة تعرف باسم المعلم التي يدرس فيها مع ذكر مستوى الطلاب ، فمثلاً كأن يقال : حلقة الشيخ صالح البوسعيدي متقدمين.
ـ أغلب الطلبة المتقدمين يكون لديهم فراغات في بعض الفترات ، ولكن لا يصح خروجهم من الجامع بل يستغلوا أوقاتهم في الجامع والمكتبة عن طريق المراجعة الذاتية .
وعوداً على استكمال الجدول ، حيث يصلون المنزل فتبدأ الاستعدادات لصلاة الظهر وقبل ذلك يتناول بعض الطلاب الرطب والقهوة في الغالب ، وبعضهم ينشغل بتنظيف الغرف.
بعد صلاة الظهر يتناولون وجبة الغداء بمعية الشيخ ومجموعة كبيرة من الضيوف ، وعادة تنتظم ثمان حلقات (موائد) للغداء ، ويوضع على كل مائدة معلم أو طالب متميز لإثارة النقاش واستغلال الوقت.
بعد الغداء يتوجهون إلى غرفهم للنوم حتى صلاة العصر ، بعدها يجلس الطلبة الذين يدرسون في حلقات القواعد مع الشيخ يراجع لهم مادة القواعد ، وبحدود الساعة السادسة إلا ربع ينفض المجلس المبارك بدعاء الشيخ المبارك ثم يترك المجال لكل طالب وما يحب أن يستغل به فيه حتى صلاة المغرب .
بعد صلاة المغرب درس في الفقه مع الشيخ حتى صلاة العشاء ، وبعد الصلاة يتناولون وجبة العشاء ، حيث تتشكل قرابة ثمان دوائر على موائد الطعام ، وكالعادة تكون وجبة غذائية وروحية معاً ، ثم يكون هناك برنامج في الخطابة أو المناظرة ، ثم ينادي الشيخ ـ حفظه الله ـ الفرضيين بقوله : أين الفرضيون ، ويخبرهم بأنه سيأتي ـ بإذن الله تعالى ـ بعد زمن ليستعدوا وتكون الدراسة في الغرفة المقابلة للمكتبة ، وهو درس مخصص للكبار أما بقية الطلاب ، فيستغلون أوقاتهم بشكل ذاتي إلى الساعة الثانية عشر إذ تطفأ المصابيح ويكون النوم بعد يوم امتلأ بصنوف الخيرات.
هذا تصوير بسيط لما يحدث من السبت إلى نهاية صباح الأربعاء ، ويزاد على ذلك ما يلي :
1 ) مساء الأربعاء : بعد العصر يستعد الطلاب متوشحين خناجرهم للذهاب مشياً على الأقدام إلى الجامع فيصلون المغرب هناك بعدها محاضرة للشيخ أو لأحد الزوار المشهورين بالعلم والفضل.
2 ) صباح الخميس : درس بالجامع لسعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي في التاريخ ، يبدأ من الساعة التاسعة حتى الحادية عشرة.
3 ) الخميس بعد الغداء يستمع الجميع إلى تنبيه أمير التغذية حيث يقول : عليكم بعد صلاة العصر التوجه إلى الحافلات ، وأخرجوا متوشحين بخناجركم حاملين عصيكم وبالتالي تكون الرحلة إلى أرض الدوح.
وفي الطريق تكون الأنشطة المفيدة ، من قبل كل أمير في حافلته ، كلها بإشراف قناة التقوى الثانية (المتحركة).
وعلى أرض الدوح ينقسم الطلاب إلى مجموعات ، بعضهم يشتغل بإعداد وجبة العشاء ، والبعض يسيح في الفضاء الواسع يتأمل مخلوقات الله تعالى ، والأكثرية منهم يمارس الرياضة ، حيث تجري مسابقات في الجري وشد الحبل وغيرها.
وعندما يحين وقت المغرب تُجمع الصلاتان جمع تقديم ، فيأمر الشيخ أحد الطلبة بإمامة الصلاة ، ثم يكون البرنامج المفيد ، حيث يتم تقديم الكلمات والأشعار والمسابقات الثقافية وما شابه ذلك.
بعد ذلك يخرجون من المصلى باتجاه ساحة العشاء ، وقبل تقديم العشاء يقوم مسؤول الرياضة بإلقاء نشرة الأخبار الرياضية التي تمت على أرض الدوح ، مع تكريم المتميزين فيها .
4 ) يوم الجمعة : مفتوح للطلاب يعملون فيه ما يشاءون فيذهبون إلى السوق أو ينشغلون بمراجعة دروسهم أو يتبادلون الأحاديث الأخوية.
ثالثاً : نظام التدريس .
النظام المتبع في التدريس الفعلي هو نظام الحلقات ، حيث يتحلق الطلاب حول المعلم وعلى الرغم من تقليدية هذا النظام إلا أن نفعه في تحقيق الأهداف مع الشيخ حمود منقطع النظير ، بسبب ما يستخدم من أساليب راقية في توصيل المعلومة.
فنظام الحلقات يضمن إيجابية الطرفين : المعلم والتلميذ ، المعلم يكون ملاحظاً طلابه يرى انفعالاتهم النفسية ، فيعرف مدى استجابتهم ، والتلميذ هو الآخر يكون مقابلاً لمعلمه يسمع منه كل ما يقول بحرص وانتباه مراقباً حركاته وانفعالاته ، وهذا موقف أدعى للفهم ويكون مفعماً بالحيوية والنشاط والعمل الجاد ، من خلال ما تتيحه هذه الطريقة من محاورة ومطارحة ونقاش هادف بين الطرفين .
رابعاً : أساليب التدريس
أشعر بالتقصير في وصف الأساليب التي يستخدمها الشيخ في التدريس ، وكل ما أستطيع وصفه بأن حلقته مشوقة جداً وتجذب طلاباً غير مكلفين بحضور الحلقة ، بسبب تنوع الأساليب ، واستعمالها في الأوقات المناسبة.
وقد أسلفنا القول أن التعليم في مدرسة الشيخ غير محصورة في جلسة الحلقات ، بل كل اليوم تعليم ، والمتأمل لمسيرة الشيخ في تعليم طلابه يلحظ أنه يستخدم أساليب تعليمية كثيرة نذكر منها على سبيل المثال ما يأتي :
1 ) الحوار والمناقشة .
معظم حلقاته عبارة عن مناقشة وحوار متبادل بين الطرفين ، وأحياناً يقرأ ثم يناقش الطلاب فيما سمعوه.
وهذا الأسلوب يساعد على إيقاظ الفكر وإيضاح الغامض ويؤلد في الطالب فعالية إيجابية ، ويشعر بوجوده وذاتيته فيغدوا أكثر اهتماماً.
2 ) اغتنام الفرص والمناسبات . .
إن الحادثة أو المناسبة إذا رآها الطالب أو أخبر بها ، تكون الجو المناسب للبحث ، وتجعل التربة صالحة لإبقاء البذر ، وإغناء المحصول وهذا الأسلوب لا يفوته الشيخ دون استغلال .
3 ) التعزيز والعقاب .
وهما عاملان أساسيان من عوامل التربية قديماً وحديثاً ، لذلك يلاحظ على الشيخ كثرة استخدام التعزيز في تدريسه عن طريق الثناء والدعاء وإعطاء الجوائز الحسية ، ويصطحب المتميزين أحياناً في بعض المناسبات تعزيزاً لهم .
أما الفاترون أو الذين يصدر عنهم سوء أدب فالعتاب والهجر الذي لا يتجاوز ثلاثة أيام تطبيقاً للسنة النبوية ، ويستعمل كثيراً العصا الرفيعة التي يحدث بصوتها ألماً معنوياً أكثر من الألم الحسي.
4 ) التشجيع وإيجاد الدافع .
للتشجيع على العلم من قبل الشيخ دور كبير في إيجاد الحماسة لدى الطالب ، ومن ذلك عبارات الثناء ونحوها، فإنها دافعة لمزيد من الاجتهاد والعناية.
5 ) المزج بين المبادئ النظرية والممارسات العملية .
التطبيق العملي أثبت للمعلومات من حشو الذهن بالنظريات ، لذلك تجد الشيخ يحرص كثيراً بعد كل معلومة قابلة للتطبيق أن يكلف أحد الطلبة بتطبيقها أمام زملائه.
المبحث الثالث : أركان المدرسة
لا تسمع كلمة مدرسة إلا وينقدح في ذهنك ثلاثة أركان على أقل تقدير : طالب ومنهج ومعلم ، وتوفر هذه الأركان الثلاثة فقط ينطبق على مدارس الكتاتيب ، لكن المدارس الحديثة تتكون من خمس أركان وهذه الأركان متوفرة أيضاً في مدرسة الشيخ حمود، رغم انتمائها إلى المدارس التقليدية التراثية وهذه الأركان هي :
1) الإدارة :
تدخل الإدارة في كل مجالات الحياة ، ونجاح أي مؤسسة مرهون بنجاح الإدارة ، ونجاح الإدارة مرهون بنجاح المدير العارف بأصول الإدارة وأهميتها في تحقيق الأهداف.
والشيخ حمود هو المدير العام للمدرسة وهو المدير المتفوق على كل الأصعدة ، ويشاركه في إدارة المدرسة المعلمون والطلاب حيث جعل لكل مهمة أميراً من الطلبة.
2 ) المعلم :
المعلم رائد أمته ومربي الأجيال والمحرك الأول في العملية التعليمية ورسالته ليست مقصورة على تلقين المعلومات للتلاميذ وحشو أذهانهم بالمعارف ، وإنما واجبة أشمل من ذلك وأوسع ، فينبغي عليه إيقاظ الشعور الإسلامي في نفوس الطلبة وإكسابهم روح الاعتزاز بإسلامهم بحيث ينعكس ذلك في جميع ألوان مظاهر سلوكهم الفردي والاجتماعي.
( وهناك خمسة عناصر رئيسية لا بد من توفرها في المربي ليكون عمله موفقاً بإذن الله تعالى وهي : إخلاص النية لله تعالى ، العلم ، التطبيق التربوي الصادق لما تعلم ، تعليمه لغيره ، الصبر على عناء العملية التربوية) (40).
تلك العناصر وغيرها توفرت في معلم مدرسة الشيخ حمود ، حيث المعلم الأول هو الشيخ نفسه وقد ارتقى إلى أعلى سمات المعلم الناجح ، يساعده مجموعة من المعلمين كانوا من صفوة تلاميذه ، مشهورون بالسمعة الطيبة والخلق الرفيع والإخلاص الصادق.
تجدهم في إجازاتهم الصيفية ملازمين للشيخ ، وقد خصص لهم غرفة في منزلـه ، أما المعلم الذي يصطحب أهله ويستأجر سكناً من سناو فإن الشيخ يسابقه في دفع إيجار المنزل.
3 ) الطالــب :
تضم مدرسة الشيخ حمود مجموعة من صفوة طلاب العلم ذكاء وعلو همة في طلب العلم ، تتراوح مستوياتهم العلمية ما بين الصف الثالث الإعدادي والسنة الثالثة جامعة وكان عددهم في صيف هذا العام (ثلاثة وسبعين طالباً) من مختلف ولايات السلطنة ، وقليل منهم من خارج السلطنة ، ظلوا ملازمين للشيخ في منزله ، وينضم إليهم في حلقات الجامع مجموعة من الطلاب القاطنين في قرى ولاية المضيبي يأتون بالحافلات دون الالتزام بسكن الطلاب.
4 ) المناهــج :
يقصد بالمناهج المواد الدراسية المقررة على الطلاب داخل المدرسة ، وهي في محتواها العلمي تعبر عن الأهداف التربوية والعملية والأنماط السلوكية المرغوب غرسها في الطلاب .
ومدرسة الشيخ حمود تقوم على قراءتين منهجين هما : قراءة المواد الدراسية الثابتة وقراءة سلوك الشيخ من خلال مشاهدة الطالب لحركاته وسكناته ، وهي أكثر نفعاً ووقعاً في حياة الطالب.
أما المواد الثابتة فهي كالتالي :
أ ) حفظ الأحاديث النبوية الشريفة : التي يلقيها الشيخ بعد صلاة الفجر.
ب) تلاوة القرآن الكريم : بعد صلاة الفجر وحضور حلقات القرآن لبعض الطلبة في الجامع .
ج) عقيدة : في حلقات الجامع يدرسون كتاب "بهجة الأنوار" للإمام نور الدين السالمي ويقسم الطلاب على مستويات ، ويدرس المبتدئون "شرح غاية المراد في الإعتقاد" .
د ) الفقه : المبتدئون يدرسون في الجامع ، أما بقية الطلاب فيدرسون مع الشيخ حمود بعد المغرب في المسجد المجاور لمنزله.
هـ) النحو : يدرسون "القواعد النحوية" على مستويات ، وبعض الطلاب يدرس في "ألفية ابن مالك" وعلى مستويات ، ويراجع الشيخ بعد العصر للطلاب الذي يدرسون في مادة "القواعد النحوية".
و ) الميراث : يدرسه الطلاب الذين أنهوا مواد العقيدة (الكبار) في الساعة العاشرة والنصف إلى الحادية عشرة والنصف ليلاً في الغرفة المقابلة للمكتبة ، ويدرسهم الشيخ بنفسه.
ز ) التاريخ : وهي مادة تكميلية يدرسها جميع الطلاب يوم الخميس في الجامع يلقيها سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي وهي عبارة عن محاضرات.
وهذه المقررات وإن تحددت مادتها إلا أن للمعلم القدح المعلى في إغناء الحلقة بما يعين على تحقيق أهداف المدرسة ، فتجده يتوسع في المادة ويتعامل في الشرح وفق مستويات الطلاب ، وأحياناً يكلف الطلاب بالرجوع إلى أمهات الكتب لشرح جزئية معينة وردت في الكتاب بصورة مختصرة.
ومن الملاحظ أنه ليس من الضروري الانتهاء من المقرر ، لذلك تجد المعلم لا ينتقل من الدرس الأول إلى الثاني إلا بعد التأكد من استيعابه وحصول النفع منه .
5 ) الأنشطة : تعرف المراجع الحديثة النشاط المدرسي بأنه (الأعمال التي يمارسها الطلاب خارج حجرات الدراسة ، وتحت إشراف المدرسة ، وهذه الأنشطة لا تقل أهمية عن المنهاج الدراسي داخل الفصول ، بل إنها تعتبر المجال التطبيقي لما يتعلمه الدارس في حجرات الدراسة ، وتعتبر مساندة له ، حتى تحقق المدرسة أهدافها من الناحية النظرية والتطبيقية ) (41).
ومدرسة الشيخ حمود لم تغفل عن أي عامل به نفع ويساعد على تحقيق الأهداف لذلك نجد الأنشطة المدرسية تأخذ وقتاً كافياً من الجدول التعليمي ، وبتنوع وحسن اختيار فاق المدارس النظامية الحديثة بكل جدارة.
ومن نماذج الأنشطة التي تمارس في مدرسة الشيخ حمود ما يأتي :
أ ) المكتبة : خصص الشيخ حمود مكتبتين الأولى في الجامع ، والثانية في منزلـه لخدمة هواة القراءة والإطلاع والبحث ، وكلف مجموعة من الطلبة أحدهم أميراً عليهم بأن يقوموا بمهمة المكتبة ، من استرجاع وإعادة وتنظيم وترتيب .
ب) المناظرة : تعتبر المناظرة من المناشط العملية الواسعة الانتشار قديماً ، وتحظى باهتمام الحكام والأمراء والعلماء ، وقد عملت على ترقية الفكر وتنمية العقول ، (ويعد علماء التربية المناظرة أعظم فائدة من الحفظ والتكرار) (42) ، بل (قضاء ساعة واحدة في المناظرة والمناقشة أجدى على المتعلم من شهر كامل في الحفظ والتكرار) (43).
هذا النشاط أوشك على الانقراض خاصة في المؤسسات التعليمية إلا ما نراه على شاشات التلفزة ، وغالباً ما يكون لإظهار القدرة البلاغية واتباع الهوى ، وفرض الرأي على الطرف الآخر دون التسليم عند ظهور الحق.
أما مدرسة الشيخ حمود فقد أحيت هذا النشاط العلمي الهادف ، بروح إسلامية تميزت باحترام الآراء ، والإنصاف إلى الطرف الآخر ، والتسليم له بكل أدب ، أو البحث عن أدلة أقوى من أجل الوصول إلى الحق وليس للاعتداد بالنفس.
والمناظرة لها جمهور كبير يجذب جميع الطلاب وينضم إليهم مجموعة من الزوار فتشرأب الأعناق ، وتحدق العيون وتزحف الركب إلى الأمام بطريقة لا إرادية ، وتصغي الآذان ، فلا تسمع همساً ولا حتى نفساً ، الكل مشدود إلى المتناظرين أمام الشيخ ، وما يأتيانه من أدلة عميقة ، وما يلتزمان به من أخلاق عالية لا نراها على شاشات التلفزة.
والمناظرة في الموضوع الواحد لا تنتهي في جلسة واحدة بل يكون على شكل حلقات قد تصل إلى خمس مرات ، في كل مرة تصل أحياناً إلى ساعة أو خمس وأربعين دقيقة.
ج) الخطابة : الخطابة هي الأخرى نشاط تعتني به مدرسة الشيخ عناية كبيرة لما له من أثر إيجابي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الناس أمور دينهم ، فبعد العشاء إن لم تكن هناك مناظرة ، يقوم أحد الطلاب بارتجال خطبة في موضوع ما وقد تطول أو تقصر.
د ) البحث : نشاط البحث في مدرسة الشيخ حمود يعد من أولويات الأنشطة لذلك تجد الطلاب يمارسون بكثرة ، إما برغبة منهم أو بتكليف من الشيخ أو أحد المعلمين ، وعادة ما تكون مواضيع البحث ذات علاقة بالمقررات التي تدرس في الحلقات ، فإذا صعبت مسألة ما أو كثر الأخذ والرد حولها كلف أحد الطلبة أو أكثر من طالب للبحث فيها ومناقشته بعد ذلك .
هـ) مسابقة حفظ المتون : كل عام تجري مسابقة في حفظ المتون التالية : القرآن الكريم قصيدة غاية المراد في الاعتقاد ، قصيدة أنوار العقول في الاعتقاد أيضاً ، ملحة الإعراب في النحو ، ألفية ابن مالك في النحو.
وكما قيل : من حفظ المتون نال الفنون ، لذلك تجد طلاب الشيخ دائماً يستشهدون بمحفوظاتهم.
و ) إلقاء المحاضرات : فالطلبة الذين يطمئن لهم الشيخ في قدراتهم الخطابية يبعثهم إلى المساجد المجاورة لإلقاء المحاضرات والدروس ، مساهمة منه في بث الوعي ونشر الفضيلة والتعاون على البر.
ز ) النشاط الإعلامي : خصص الشيخ مجموعة من الطلبة للإِشراف على تغطية المناسبات إعلامياً ، وتم تقسيم ثلاث قنوات إعلامية هي :
القناة الأولى : لبث الفقرات الثابتة ، فعندما يكون الشيخ والطلاب ثابتين في مكان معين وهناك فقرات يراد قراءتها للحاضرين فإن القناة الأولى هي المخصصة لهذا الأمر .
القناة الثانية : لبث الفقرات المتحركة ، فعندما يكون الشيخ أو الطلاب في الحافلات ، فإن البث يكون على القناة الثانية.
القناة الثالثة : لبث الفقرات والأخبار الرياضية ، وعادة ما تستخدم في رحلة الدوح لتغطية المسابقات الرياضية ، ونشر نتائجها .
ح ) استدعاء المشايخ : يقوم مجموعة من المشايخ بتنسيق سابق من الشيخ حمود لزيارة الطلبة ومن الذين تستقطبهم المدرسة كل عام بشكل منتظم هم :
ـ سماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي ـ مفتي عام السلطنة ـ حفظه الله ويلقي مجموعة من المحاضرات ، وجلسات الإفتاء.
ـ فضيلة الشيخ / سعيد بن مبروك القنوبي ، ويعمل له جلسات إفتاء .
ـ فضيلة الشيخ / سعيد بن حمد الحارثي ويتحلق حوله الطلاب للاستفسارات التاريخية خاصة .
ـ مجموعة كبيرة من القضاة والوعاظ.
وهذه الزيارات لها أثر كبير في ربط الطلاب بعلمائهم وتشجيعهم على طلب العلم الشرعي.
ط ) رحلة الدوح : أسبوعياً بعد عصر كل خميس يخرج الطلاب على حافلات مستأجرة برفقة الشيخ إلى فضاء صحصح يطلق عليه "الدوح" يبعد عن سناو قرابة عشرين كيلو متراً :
إنه فضاء واسع يتيح للفكر التأمل والتفكر في عظمة الله عز وجل ، ويتيح للعيون من البصر على مسافات بعيدة لا تحجبه الجدران الكالحة أو المباني الشاهقة أو الأشجار الكثيفة ، إنه حقاً مكاناً يبهج النفس ، ويسلي المحزون ويفتح القرائح ، ومحبب لدى الطلاب كثيراً لأنهم لا يزورون أهليهم طوال فترة الدراسة الصيفية ، وهذا الخروج يعد المتنفس الوحيد ، والمفيد في نفس الوقت لاشتماله على مسابقات ثقافية ومساجلات شعرية وأنشطة رياضية متعددة ، وحتى في الحافلات يستغل الوقت ، فهناك برامج إذاعية على القناة الثانية (المتنقلة).
وموجز القول أن رحلة الدوح أروع من أن توصف وأكبر من أن تمدح ، قال فيها أحد الشعراء الزوار ، حيث أن الرحلة تستقطب عدداً من الزائرين (44).
|
خليلي من بالدوح أضحى مخيماً |
* |
وعـرس في أرجائـه متكرما |
|
فبوحاً بذكر الدوح فيه بنفحــة |
* |
بيانية تحـيي مشوقـاً متيـما |
|
سقى الله أرض الدوح حنان مزنة |
* |
سقاه ملفا من سحاب ومرزمـا |
|
سقى عذبات الـدوح دان ربابـة |
* |
أجش سماكي بها الرعد همهما |
|
لقد قال فيه الغيلـم الفـذ قولـه |
* |
فعطـر مسراها تميماً وخثعما |
|
أبـو مسلـم قد شاد فيه معرجاً |
* |
إلى مقصد أضحى إليه مصمما |
|
ولما رأيت الحبر يغشى ربوعـه |
* |
بكبكبـة الطلاب صار ميممـا |
|
حمـود همام الإستقامـة حبـذا |
* |
لـدى ثلـة نالوا من العلم أنعما |
|
لقد نزلوا بالدوح حيـث تفيـؤا |
* |
بأكنافـه والله بالفضـل أكرما |
|
ربوع يطيب القلب فيهـا تـوددا |
* |
إليها تساموا الطرف فيها توسما |
وللقصيدة بقية أخرى .
ي ) حفل الختام : في نهاية الدراسة الصيفية يعمل حفل ختامي على أرض الدوح ، فتلقى القصائد والمواعظ وتذرف دموع الوداع المؤقت ، وتوزع الجوائز على المتميزين.
المبحث الرابع : الخدمات المرافقة
لا أستطيع وصف حقيقة اهتمام ورعاية الشيخ بأبنائه الطلاب لكن أقول من عايش وحضر ليس كمن سمع وقرأ ، فالرعاية التي يحظى بها طالب العلم في مدرسة الشيخ حمود تفوق رعاية الآباء لأبنائهم ، وتتبع أمثلة الرعاية المعنوية تفوق ما يصفه الواصفون ، ولا يعلم بحقيقتها إلا عالم الغيب والشهادة ، أما الرعاية الحسية فهي ما تشاهد عياناً ، متمثلة في توفير سائر الخدمات المرافقة مجاناً وهي كالتالي :
1 ) المسكن : كان الطلبة الملازمون للشيخ قديماً قليلون فكانوا يسكنون في مجلس الشيخ ، وعندما كثر العدد بنى لهم بجوار منزله ومحتويات السكن هي :
أ ـ الغرفة : ولكل غرفة أمير من الطلبة يدير شؤونها من تنظيف وإشراف على ساكنيها ، وهناك غرفة خاصة بالضيوف ، وأخرى خاصة بالمعلمين ، وثالثة للمرضى.
ب ـ دورات المياه : هناك إحدى عشرة دورة مياه.
ج ـ الكهرباء : هناك مسؤول الكهرباء من الطلاب ، يقوم بمتابعة الأعطال وإطفاء المصابيح في الساعة الثانية عشرة ليلاً.
د ـ ثلاجة المياه : تم توفير ثلاجتين لتبريد الماء الأولى في الداخل والثانية في الخارج حتى يستفيد منها المار بالطريق.
هـ ـ وبين غرف الطلاب وضع هاتفاً يعمل بواسطة البطاقة ، ويستقبل ويرسل اتصالات أهالي الطلاب حتى يقلل من احتياجهم إلى الخروج بعيداً ، فيتوفر لهم الوقت .
و ـ غسيل الملابس : جلبت آلة غسيل كهربائية ، وثلاث آلات كي ، وخصصت أماكن لغسيل الملابس وتنشيفها ، ووزعت أرقام بين الطلاب لكي يستخدموها في ملابسهم فلا تختلط مع غيرها ويتابع نظام الغسيل أحد الطلبة.
ز ـ الخزانة : هناك صندوق للخزانة لوضع الأشياء الثمينة ، وغالباً ما تكون خناجر الطلاب ، وعليها أمير يسمى "أمير الخزانة" لديه مفتاحها ، ويوجد باستمرار في الأوقات التي يراد فيها إخراج أو إيداع الخناجر.
والغرفة التي بها صندوق الخزانة دائماً مقفلة حتى بالليل والطلاب بها نائمون حفاظاً على الأمانات.
2 ) النقل : في الصباح يخرج الطلاب من المنزل إلى الجامع مشياً على الأقدام ويمنع عليهم الركوب ، كما يمنع المجيء من الجامع قبل الظهر مشياً وإنما استأجر الشيخ لهم ناقلة وبعضهم يأتون في سيارة الشيخ وسيارات الضيوف ، وفي رحلة الدوح استأجر لهم حافلات بالإضافة إلى سيارته.
3 ) التسوق : خصص صباح الجمعة للتسوق لكل الطلاب ، ومن لديه حاجة قبل ذلك اليوم فهناك أشخاص كلفهم الشيخ بجلب احتياجات الطلاب من السوق وعليهم "أمير التسوق" وأمير التسوق غير مسموح له التسوق في كل وقت بل يومي الأحد والثلاثاء فقط.
4 ) الخدمات الطبية : هناك مسؤول للخدمات الطبية من الطلبة ، وقبل كل شيء هناك صندوق إسعافات أولية ، إذا تطلب الأمر علاجاً في عيادة فإن الشيخ يصرف على تكاليف علاجه بسخاء ، وأحياناً يبعث بالمريض إلى أهله بسيارة من عنده ، وهناك بالسكن غرفة خاصة بالمرضى ، وإذا أصيب أحد الطلبة بأمراض معدية ، يعمل له حجر صحي فلا يخالط زملاءه.
ويعتني الشيخ بالمرضى عناية كبيرة ، ويعمل لهم رقى وأكل خاص.
5 ) النظافة : تنظيف الممرات والمرافق وساحة العشاء ومجلس الرجال ، ودورات المياه لكل ذلك تم تقسيم الطلبة على مجموعات بها أمير .
6 ) الصابون : هناك ثلاثة من الطلبة يهتمون بتوفير الصابون ووضعه في المكان والزمن المناسبين ، والطالب الذي يقدم الصابون للشيخ اليوم ن يكون غيره يقدمه في العشاء أي بينهما تناوب دقيق .
7 ) المنشفة : أيضاً يتناوب الطلاب في مسك المنشفة بنظام جيد.
8 ) هاتف الشيخ : هناك من الطلبة أمير للهاتف ، مهمته حفظ وإحضار هاتف الشيخ .
9 ) مسؤول المياه : أحد الطلبة عليه تشغيل الشفاط (جاذب المياه من البئر) قبل كل صلاة وبين كل فترة وفترة يتفقد المياه ومتابعة توفيرها أولاً بأول.
10) التغذية : وجبات التغذية الثلاث تقدم جاهزة ، يقوم بإعدادها أهل الشيخ بمساعدة نساء عمانيات بالأجرة ، ويضعونها على الباب ثم يأتي الطلبة لحملها إلى المجلس في الغداء وإلى ساحة العشاء في وجبتي العشاء والفطور.
والمتأمل في نوعية الأكل وجودة الطهي يرى عجباً ، من شهامة الكرم وحسن الضيافة حيث تصل وجبة الغداء الواحدة إلى سبع ذبائح أو جمل بأكمله ، وفي وجبتي العشاء والفطور يقدم الخبز العماني الذي يحتاج في إعداده إلى عناء كبير.
والغذاء الذي يقدم لأولاد الشيخ هو نفس الغذاء الذي يقدم للطلاب ولا يرضى الشيخ أن يميز نفسه أو أولاده عن الطلاب ، (وإّذا أتي بطعام إلى منزل الشيخ من أحد الجيران أو الأصدقاء لا بد أن يقسم منه للطلاب ، وإذا كان قليلاً يأمر به إلى الطلاب كله).(45) .
أما الرطب والقهوة وشيء من الفاكهة فتوجد في المجلس باستمرار ، وفوق ذلك خصص الشيخ مزرعتين للطلاب وأعطاهم الحرية في جني الرطب منهما متى شاءوا.
11) الإشراف على التغذية : إن الإشراف على التغذية يتطلب جهداً وصبراً كبيرين ، لذلك خصص الشيخ أحد الطلبة النشطين أميراً للإشراف على توزيع التغذية طوال فترة الصيف والذي يتحدث عن مدرسة الشيخ حمود ولم يذكر أمير التغذية فقد تجاوز عمدة من أعمدة المدرسة لما له من دور فعال وملموس فيما يقوم به من جهود جبارة يصعب تصويرها لم يشاهدها.
فتوزيع الطلبة والضيوف على موائد الطعام ليس عشوائياً وإنما بنظام دقيق ، وأعداد متساوية ، وعلى كل مائدة يوضع معلم أو طالب بارز لإثارة النقاش واستغلال الوقت في قضية مفيدة.
وكذلك وضع الطلاب على مائدة الشيخ هي الأخرى تحتاج متابعة مستمرة وبتناوب عادل ، والعناية الخاصة بالضيوف ، وتوزيع مياه الشرب ، وتقديم القهوة بعد الغداء والعشاء ، ورش الأيدي بماء الورد ، وتغسيل الأواني ومن ثم إرجاعها نظيفة لمنزل الشيخ ، كل ذلك وغيره على كاهل مشرف التغذية ثلاث مرات يومياً.
وقام مشرف التغذية بتقسيم الطلبة إلى سبع مجموعات بعدد أيام الأسبوع لكي يساعدوه في مهمته ، وجعل على كل مجموعة أميراً.
ومجمل القول : إن الإشراف العام على تلك الخدمات ووضع نظامها تحظى بمتابعة مستمرة من فضيلة الشيخ حمود بنفسه.
المبحث الخامس : مزايا المدرسة
إن الحكم على جودة المدرسة وأنظمتها ، يتم عن طريق المزايا التي تتميز بها ، ومزايا مدرسة الشيخ حمود كثيرة جداً نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1 ) التربية بالقدوة : يعتبر أسلوب القدوة الحسنة من أنجح الأساليب التربوية المؤثرة في سلوك الآخرين ، لأنها تطبيق عملي يثبت القدرة والاستطاعة الإنسانية على التخلي عن الانحرافات ، والتحلي بفضائل الأعمال والأقوال ، فهي تنقل المعروف من الحيز النظري إلى الجانب التطبيقي المؤثر فتلامس الأبصار والآذان والأفئدة فيحصل الاقتناع والإعجاب ثم التأسي ، وهذا هو الحاصل في مدرسة الشيخ حمود.
فالمدرسة تقوم على قراءتين ، قراءة الكتاب وقراءة الحياة ، فالطالب عندما يقرأ المعارف الإسلامية يجد الشيخ يطبقها في واقع حياته ، ويدعو الناس إلى تطبيقها ، فليس هناك فصل بين النظرية والتطبيق ، ومن أراد تطبيق سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعليه النظر إلى سلوكيات الشيخ.
وهذه القدوة في شخصية الشيخ ومدرسته جعلت من المدارس الأخرى تشد رحالها ميممة شطر هذه المدرسة للاقتداء بالشيخ وطلابه ، لذلك تجد زيارات المراكز الصيفية لا تنقطع.
2 ) التربية المتكاملة : ملازمة الطالب للشيخ صباح مساء وما يصحب تلك الملازمة من قوانين وأنظمة تربي الطالب في جميع جوانب حياته الروحية والجسدية والعملية ، لذلك فهي مدرسة تقوم على التربية المتكاملة .
فالجانب الروحي : من خلال المحافظة على الصلوات جماعة ، وقراءة القرآن باستمرار والمحافظة على الأوراد ، ومجالسة أهل الذكر كلها تجعل من الطالب ذا شفافية روحية يستعلي على رغبات الدنيا الفانية .
والجانب الجسدي : من خلال التغذية المتوازنة وممارسة الرياضة في رحلة الدوح والمشي مساء الأربعاء وصباح كل يوم من المنزل إلى الجامع كل ذلك بشكل إجباري ، فيتمتع الجسم بالطاقة والحيوية.
ومن اللافت للانتباه أن المشي إلى الجامع يحقق للطالب أهدافاً كثيرة منها : يستغل وقته في مراجعة المحفوظات ، ينشر السلام على من لقيه في الطريق فيزرع المحبة ، يساعد المحتاج الذي يجده في الطريق ، يتعرف على ما يدور في المجتمع ، وفوق ذلك رياضة المشي تعد من أفضل الرياضات للجسم.