(سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي)

 

ولادته

ولد فارس الشرفاء سليمان بن حميد بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن محمد بن عيسى بن راشد بن رجب الحارثي سنة 1270هـ- ببلدة المضيرب من أعمال ولاية القابل بالمنطقة الشرقية. 

نشأته

نشأ وتربى في كنف والده الذي كان ضليعا بعلم الكيمياء واستخراج المعادن وله دراية واسعة بعلم الفلك وخاصة فيما يتعلق بالنجوم ولوازم الرصد ومعرفة الأوقات، بالإضافة إلى إجادته الهندسة والبناء والتعمير. وآثاره لا تزال قائمة في المضيرب، إضافة إلى ذلك فقد كان يقوم بمهام اجتماعية وسياسية من أجل صالح بلاده.

عاش عَلَمُنا في فترة صباه بالمضيرب، وتربّى على مبادئ الفروسية واستخدام الأسلحة إلى أن ذاع صيته في البلاد فأطلق عليه الناس فارس الشرفاء. وفي هذا المجال يتحدث عن فترة تدريبه فيقول ( كان أبونا حميد يدربنا على الضرب بالسيف وكان يدخل عباءة من الصوف مملؤة بالماء فيوجهنا بضربها، وقد كان اخوتي يدحرجونها نتيجة الضرب ولما مسكت السيف ضربتها بانحراف فقطعت العباءة من غير أن تتزلزل أو تتحرك).

عندما تمركزت بعض القبائل الوهابية في البريمي واحتلتها كان الشيخ سليمان بن حميد أحد القادة الثلاثة الذين قاتلوا قتالا مستميتا عن هذه المدينة العمانية وبارزوا قائد الوهابية بالسيف مع صفوة جنده فأردوه قتيلا، على الرغم من أن سنه لم يتجاوز العشرين.

 

صفاته

يمكن أن نعدد صفاته في النقاط التالية:

الجود والسخاء

كان جوادا، سخيا يجود بما يملك، يذكر بأنه سافر إلى زنجبار طلبا للرزق، واستقبله ابن عمه حميد بن سالم بن سليمان وكان الأخير غنيا، فأعطاه مالا، وبينما هو في الطريق التقى مصادفة بأحد العمانيين، فشكى له سوء حاله وأخبره بأنّ سفينته تحطّمت وأصبح لا يملك شيئا، فإذا به يقدم له المال الذي حصل عليه من ابن عمه على الفور.

ومما يقول (لو سألني أحد قميصي الذي على ظهري وأنا في الطريق لاستحيت أن أرده فارغا ولكن لحسن الحظ أنه لم يتعرض لي أحد).

ويروى بأنّ سفينة وصلت إلى زنجبار فاتفق راكبوها على أن يتوزعوا بين العمانيين لكي لا يثقلوا على شخص بعينه، غير أنهم لم يجدوا أصحابهم فالتقوا جميعا عند الشيخ سليمان، فعلّق بعضهم (أتطلبون له فضيلة أكبر من هذه). 

الشدة في الحق

كان رحمه الله شديدا في الحق لا يرضى بالضيم ويحتقر المتكبرين والمتفاخرين، ويروي الرواة أنه لاحظ وهو في سفره إلى زنجبار أنّ أحد الراكبين يفتخر بقوة جسمه ويسخر من الآخرين، وكان يقدم يده للآخرين مبرهنا لهم أنه الأقوى، فمسكه الشيخ سليمان من رسغه ثم قال له: (الآن افتح يدك) فإذا الدم يتدفق من أطراف أصابعه.

 

المحبة في قلوب الناس

وأثناء غزوة البريمي (التي أشرنا إليها سابقا) احتاج الجيش إلى أوعية، فذهب مع مجموعة من الجند، فصادفتهم امرأة فأبدت استغرابا من صغر سنه، لكنها تعاطفت معه واستخرجت من الأرض الأوعية المخبأة خوفا من مضاعفات الحرب.

وعندما عاد إلى عمان علم بوفاة (سعيد بن علي البرواني) في ولاية القابل ، فذهب معزيا من فوره، فإذا بصاحب العزاء يطلق مدفعا تحية لمقدمه وإعزازا لمكانته.

 

محبا للعلم

كان رحمه الله يزور العلماء ويقدرهم، وعندما سافر إلى الحج سنة 1319هـ التقى بالشيخ السالمي، فأخذ الشيخ السالمي يشرح له الدور الذي يقوم به لخدمة الإسلام وقد وعده بتخريج أكثر من خمسين عالما من عمان، وفعلا تحقق أمل السالمي فتخرج على يده كوكبة من العلماء والمشاهير.

 

علاقته بالسلطان

كان صديقا شخصيا للسلطان خليفة بن حارب سلطان زنجبار وتوجد بينهما مراسلات وخطابات. وقد أقام له السلطان خليفة بن حارب حفلة توديع عندما قرر العودة إلى عمان فقدم له سيفا منمقا بالذهب.

كما كان يستقبل الضيوف ويهتم برعايتهم، ومما يذكر في هذا الجانب، عندما زار الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني كان الشيخ سليمان في مقدمة مستقبليه ورحب بضيوفه ترحيبا خاصا، وأكرم وفادتهم، وقد أرخ العلامة سعود بن حميد لهذه المناسبة مشيدا بالشيخ سليمان وإخوته حيث قال:

     لبني حميد في الـورى                 كرم تأثــل بيننا

                             أكرم بهم من سـادة                 وطنوا المجرة مسكنا

                             قوم إليهم ينتهــي                 علم الأسنة والقنـا

                             ولهم ظهور الصافنات                مساكنا دون البنـا

                             خَطَبَتْ منابر عزهـم                إن الحماية عندنـا

                             تروي لهم في المجــد               آثار بها يقف الثنـا

                             فإذا حللت بربعهـم                تجد المحــامد تبتنا

وعندما زار الشيخ سليمان بن حمير المنطقة الشرقية استقبله الشيخ سليمان بن حميد وفي ذلك أرخ العالم الكبير محمد بن سالم الرقيشي لهذه المناسبة فقال:

             انخنا في دار الضيـافة لم نـزل           تساق لنا خيراتها بالمــواهب

             أقمنا بها يوما وعند صباحنــا           قصدنا لدار الأكرمين الأطائب

             إلى فارس الشرفا سليمان وابنه           وحمدون محمود اللقا في الكتائب

من الكتاب الذين أشادوا بسيرته، الشيخ محمد بن عبد الله السالمي في كتابه نهضة الأعيان ومما وصفه به (كان هذا السيد من علو القدر وبعد الهمّة وجلالة المنزلة بحالة انفرد بها دون أقرانه فهو دهره أدبا وفضلا وكرما ومجدا وفروسية وشجاعة أما جوده وسخاؤه فحدِّث عنه ولا حرج).

وكذلك أثنى عليه الشاعر الكبير أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديّم في قصيدته النونية فقال:

وأين يحمدها الحرث الكرام ففي                   عزائم القوم جنات ونيــران

ضنائن الله أنتم لا يزال لــكم                   في نصرة الله صولات وسلطان

وفيكم الأسد الكرار فارس شرفا                  ابن عمهـا الكـافي سليمـان

السيد ابن حميد سيف سطوتكم                    ومن له في بنـاء المـجد أركان

بحر المكارم غوث الخلق من شملت                 للكون من بره رحمى وإحسـان

الباسل البطل المغوار من شهدت                   بطول يـمناه آبـاء وولـدان

أهل بيته

1- تزوج في زنجبار من قبيلته (غيثية).

2-  وفي عمان تزوج بشارة بنت حمد السمري، وقد ولدت له ناصرا وريا غير أنه طلقّها.

3-    ثم تزوج شمسة بنت صالح بن علي الحارثي وقد أنجبت له عبد الله وحمد ومحمد وأسماء.

 

أولاده

ناصر

ولد في السنة الثالثة من القرن الرابع عشر الهجري، وقد عاش مع إخوته يتربى على ركوب الخيل وعلى الأخلاق الفاضلة وقد درس في مدرسة الشيخ السالمي القرآن الكريم والأدب والفقه والصرف.

كان ناصر أمينا يتلقى الأمانات التي كان يبعثها والده من زنجبار فيوزعها على أصحابه.

كان شديد الغيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سافر إلى إفريقيا ولكن لمدة قصيرة. وافته المنية بشكل مفاجئ في سنة 1347هـ.

عبد الله

يصغر ناصر بشهور. كان عبد الله أمينا مضيافا، لعب دوراً كبيراً في خدمة مصالح العمانيين في زنجبار. عين رئيسا للجمعية العربية في زنجبار، كما أوفد ممثلا عن العرب إلى بريطانيا للمدافعة عم حقوق العرب. وكان حافظا لأخبار العرب وسيرتهم وله معرفة واسعة بتفسير القرآن الكريم العظيم. قضى أغلب حياته في زنجبار، وفي السبعينات من القرن الرابع عشر الهجري طرد من زنجبار وسلبت أمواله وأصيب كغيره من العمانيين بالإهانة والتجريح وعاد إلى عمان. وبعد عودته أخذ يتجول في ربوع الدول العربية فزار الكويت والإمارات والسعودية والهند ومصر. حتى توفاه الله في أبو ظبي في سنة 1391هـ عن عمر يناهز التاسعة والثمانين.

  

وفاته

توفي الشيخ سليمان بن حميد سنة 1354هـ في المضيرب، وبعد وفاته رثاه الشعراء بأحر التعازي ومن هذه القصائد قصيدة للشاعر الفصيح جمعة بن سليم الحارثي.

               قـد جـلّ ما حـل ومـا عظـما                  فليتك دمع عيون العالـمين دمـا

               وليُقبـل الـحزن للألباب معتزمـا                 ويدبرُ الصبر للأعقـاب منهزمـا

               ويلبس الكون أثواب الأسى أسـفا                  ويبرز الصبح بالظلمـاء ملتثمـا

               عم الأسى فتسـاو الناس فيه فـذا                 باك وذاك تراه كـاضما وجمـا

               أودى سليمان بحرُ الجـودِ مَـن يده                بالبذل أخجلت الداماء والديـما

               أودى سليمان بدر الفضل من نجمت                له الفضائل في آفاق كـل سـما

               قد كان يطعم ذا ضـر ومســغبة               ويشتفي بنداه ذو جـوى وظـما

               أودى الذي كان فردا فـي محاسنه                يستقبل الناس طلق الوجه مبـتسما

               أخلاقـه مشرقـات مثـل غرتـه              كـأن غرتـه كـانت لـه شيـما

               بـر حليـم قـدير واضـع يـده             على الإساءة بالغفــران والقـدما

               نأوي به أبدا مـن حسـن سيرتـه             بجنة تثـمر الـمعـروف والديـما

               ونهتدي بليال الخـطب منه بـذي              مصباح رأي يجلي الخـطب والظلما

               إمـام مـجد بـه يأتـم طالبـه              إن سار متئدا أو ســار معتــزما        

               قـد كان ساقا عريقا بالصلاح نما               فهوى به هـادم اللـذات فـانحطما

               وركن عز لـذي ذل يلـوذ بـه              الجاه ريب الردى فانهـار وانـهدما

               غال الزمان به الآداب أجـمعها               والعلم والحلم والقرطـاس والقـلما

               من كان لا يسأمنّ العيش صحبته              فليبـدأن ّ بعيـش بعـده السـأما

               حق على كل من صح الوفاء لـه             وعاش من بعـده أن يلبس السقـما

               ويصحب الدهر بالأحزان مكتئبا              للروح مطرحـا للـكرب ملـتزما

          من يصحب الدهر مغترا بصحبته              وغاله دهره المصحوب لا جــرما

               فالدهر ذو الغدر لا يبقي على أحد            حالا ولا أحـــد من غدره سلما

 **     **     **