(آمنة زوج الإمام جابر بن زيد)

 

هي دعوة الإمام التابعي الشهير جابر بن زيد، ذلك أن الإمام جابر قال: (سألت ربي ثلاثاً فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالاً كفافا يوماً بيوم) فكانت دعوة مستجابة، وكانت اختيار الله عز وجل له هذه المرأة فالطيبات للطيبين.

عاشت آمنة في كنف الإمام ترتوي من معين علمه الدفاق، كيف لا وهو الذي شهد له أكابر علماء عصره بسبق العلم، فقال عنه الصحابي الجليل ابن عباس: (اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه) وقال عنه الصحابي الجليل أنس بن مالك عندما بلغه موته: (مات أعلم من على ظهر الأرض) وإذا كان الالتحاق بطبقة التابعين شرفاً عظيماً، تلك الطبقة التي وإن فاتها شرف الالتقاء بخير خلق الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يفتها شرف الالتقاء بصحابته صلى الله عليه وسلم، فقد نالت آمنة ذلك الشرف ودخلت في هذه الفئة بل وكانت تستشير وتتلمذ على يد أوسعهم علماً وفضلاً البحر عبد الله بن عباس، تروي السير أن آمنة اكتوت لعلة أصابتها، فغضب عليها الإمام جابر بن زيد وهجرها؛ فشكته لأستاذه عبد الله بن العباس رضي الله عنه؛ فطلب منه شيخه علة الغضب والهجران، فقال جابر: (إنها لم تتوكل على الله) وتلا قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). فقد أراد الإمام جابر أن يختار لزوجته أعلى الدرجات فأراد لها الأخذ بالعزائم وأن تعتقد أن الشافي هو الله تعالى وأن تتوكل عليه غاية التوكل وأن تتخلى عن الدواء، ولكن الزوجة كان لها رأي آخر، وهو أن تأتي بالأسباب المشروعة للعلاج، ومع ذلك تتوكل على الله فهو الشافي وتأخذ بالرخصة، استنادا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصية)، وكان موقف ابن عباس مؤيداً لموقفها واحتج لرأيه بأن طلب من الإمام جابر أن يتم الآية: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) –الطلاق:3-.

وكما أنها كانت تتلقى العلوم النظرية منه، فقد كان في سلوكه معها أعظم موجه ومعلم؛ فقد خرجت آمنة ذات مرة إلى الحج ولم يخرج معها تلك السنة، فلما رجعت سألها عن كريها، فذكرت سوء الصحبة ولم تثن عليه بخير، فخرج إليه جابر وأدخله داراً، واشترى لإبله علفا وعولج له طعام، واشترى له ثوين كساه بهما، ودفع له ما كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك، فقالت آمنة لزوجها جابر: (أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت ما أرى) فقال لها: (أفنكافئه بمثل فعله فنكون مثله، لا بل نكافيه بالإساءة إحساناً وبالسوء خيراً) وفي هذا درس بالغ لها بدفع الإساءة بالإحسان تحقيقاً لقول الله عز وجل: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) – المؤمنون:96-.

**     **    **

 

(الشعثاء بنت الإمام جابر)

هذه سيدة أخرى نشأت في ذلك البيت المبارك بيت الإمام التابعي جابر بن زيد رضي الله عنه، وهي أيضا من طبقة التابعين، وقد اشتهرت بلقبها الشعثاء حتى نسي اسمها فما عاد يعرف لها اسم غيره، وهي ابنة الإمام جابر، وإنما سميت بالشعثاء لشعوثة رأسها وكني أبوها به فأبوها (أبو الشعثاء جابر بن زيد) ، وقد كانت تسأل أباها دهناً تلين به شعرها، ويعتذر لها بقلة ما في يده، وأن ما عنده من الدهن أولى أن يستعمله للسراج ويقول لها: (استعملي الماء الساخن بدل الدهن)، وروي أن جابر بن زيد سرج سبعين دبة حل؛ فطلبته ابنته شيئا يسيرا لرأسها، وقالت له: (إن رأسي شعث من قلة الحل)، فقال لها: (عليك بالماء فما تأخذينه أنت يكفي مسألة نؤلفها فينتفع بها المسلمون).

لم يأت في المصادر ذكر مكان ولادتها ونشأتها، ولكن أغلب الظن أنها ولدت ونشأت في البصرة، ذلك لأن الإمام جابر إنما قضى أكثر عمره في البصرة، أو متنقلاً بين مكة والمدينة، ورجع إلى عمان عندما نفاه الحجاج بن يوسف الثقفي، ثم ما لبث أن عاد فتوفي بها ولعل أسرته استقرت في عمان.

وهل هي ابنة آمنة أشهر أزواج الإمام أم أن لها أماً غيرها؟، كل ذلك ما لا يمكن معرفته ولا يوجد دليل عليه، لكن يكفي أن نعلم أنها أخذت العلم من ذلك المعين الصافي وارتوت منه ثم قامت بدورها في تبليغ العلم ونشره، حيث كانت مقصد النساء فيما يهمهن في أمور دينهن وخاصة في مجال الفتوى والشورى، وعاشت حياة الصالحات المؤمنات حتى لقيت ربها راضية مرضية، وقبرها معروف إلى اليوم في فرق من أعمال نزوى بعمان.

**     **     **

 

(عاتكة بنت أبي صفرة)

نشأت هذه الفاضلة الكريمة وترعرعت في بيت شرف وعظمة، فقد عاشت في بيئة عربية إسلامية في آخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري.

ولما ازدادت الكراهية بين الأزد والحجاج بن يوسف الثقفي بسبب جوره وتعسفه، انضم كثير منهم إلى جماعة المسلمين (الإباضية) وعلى رأسهم أفراد من آل مهلب، وكان منهم عاتكة بنت أبي صفرة وهي من عائلة المهلب بن أبي صفرة القائد الشهير ولعلها أخته.

كانت عاتكة من أشد الناس حماساً للمذهب تنفق مالها في سبيل نشر مبادئ أهل الدعوة وللمحتاجين منهم، لم يكن إنفاقها طلباً للدنيا الفانية أو متاعها الزائل بل كان ابتغاء الثواب من الله تعالى يوم القيامة، قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: (أرسلت عاتكة بجزورٍ إلى جابر فأمر رجلاً أن ينحرها ويجزئها بين الجيران، فأكثر جزء جابر فقال له جابر: (أجميع جيراننا أخذ مثل هذا) قال له الرجل: ((لا))، فقال له جابر: (ساو بيننا وبين جيراننا)، ونهاه عن عدم التسوية.

وقد علمت عاتكة أن علم الحلال والحرام والتفقه في أمور الدين من أهم ما يجب أن يحرص عليه المسلم، حتى يعبد الله على بصيرة من أمره فلا يقع في الشبهات فضلاً عن المحرمات، فكانت حريصة على اقتناص الفوائد تسأل العلماء في كل ما يشكل عليها من أمر دينها ودنياها، فعن أبي سفيان محبوب بن الرحيل قال: (دخل أبو نوح صالح الدهان على عاتكة بنت أبي صفرة فوجدها في البيت، فقال: (كأني أرى مجلس رجل) قالت: (نعم، الآن خرج من عندي الإمام جابر بن زيد) قال: (فهل ظفرت منه بشيء؟) قالت: (نعم سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي:-

1- سألته عن لباس الخفين، قال إن كنت تلبسينها من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس فلا تبالين وإن انكشفا، وإن لبستهما لغير ذلك فلا تبديهما.

2- وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال، فيستعار مني، قال إن أعرته فإنك ضامنة.

3- وعن عبد كان من أنفس مال عندي، وأوثقت في نفسي أن أعتقه لوجه الله، ثم استخلفته على ضيعتي، قال أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك).

**     **    **

 

(هند بنت المهلب بن أبي صفرة)

هذه المرأة ارتوت علومها الدينية من بحر العلم ومؤسس المذهب الأول الإمام جابر، وبذلت جهدها في ذلك، حتى أشرقن أنواره في قلبها فتجلى ذلك تقوى لله في سلوكها وخشيةً له وشكراً لفضله وآلائه، وفاضت ينابيع الحكمة من لسانها دررا، ولم تبخل بعلمها على بنات جنسها فكانت لهن الأخت الداعية الناصحة.

وقد كانت معروفة بولائها للمذهب الإباضي مع أخيها عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة، وهند هذه هي التي تزوجها الحجاج بن يوسف الثقفي، وطلقها عندما ساءت علاقته بآل المهلب والإباضية.

روت عن جابر بن زيد فقالت: (إن جابر بن زيد كان أشد الناس انقطاعاً إليّ وإلى أمي، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله عز وجل إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عنه إلا نهاني عنه، وكان ليأمرني أين أضع الخمار من جبهة المرأة).

وروت أيضاً عن جابر بن زيد فقالت: (خرجنا من الطاعون فراراً إلى العراق وكان جابر بن زيد يأتينا على حمار فكان يقول: (ما أقربكم ممن أرادكم).

وروي عنها بعض الحكم المأثورة فمن ذلك قولها: (إذا رأيتم النعمة مستدبرة فبادروها بالشكر حلول الزوال).

وكانت تقول: (النساء ما زُيِّن بشيء كأدب بارع تحته لب طاهر).

وتشير الأخبار أن هنداً كانت ذات مال، وإنها بعثت إلى جابر بن زيد جزوراً في رمضان، فنحرها وعالج بها طعاما لأصحابه.

**    **    **

 

(البلجاء الخزامية)

كانت البلجاء امرأة من بني يربوع عاشت بين البصرة والأهواز، ومن مجتهدات الإباضية على مذهب أبي بلال اشتهرت بالورع والزهد والنسك، وكانت تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكان زياد وابنه قد اتبعا أسلوباً قاسياً مرعباً تجاه من يدعو إلى الحق والعدل شأنه في ذلك شأن عمال بني أمية الظالمين.

ومما جاء عن البلجاء الخزامية أن غيلان بن خرشة الضبي لقي أبا مرداس بن حدير، فقال له: (إني سمعت البارحة الأمير عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ) فمضى إليها أبو بلال، فقال لها: (إن الله قد وسّع على المؤمنين في التقية فتغيبي واستتري؛ فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك) فقالت: (إن يأخذني فهو أشقى بي، فأما أنا فأخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها). فوجّه إليها عبيد الله بن زياد، فأوتي بها، فقال لها: (إنك حرورية محلوقة الرأس) فقالت له: (ما أنا كذلك) قال لأصحابه: (لأرينكم منها عجباً اكشفوا رأسها) فمنعتهم فقال: ( لأكشفن أحسن بضعة منك) قال: (لقد سترته حيث لم تستره أمك) قال: (إيه، ما تشهدين علي؟) قالت: (شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون)، وشهدت على نفسك لأن أولك لزنية وآخرك لدعوى). فعض لحيته وأمر بقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فنالت رضي الله عنها شرف الشهادة وكان ذلك قبل عام 61هـ في البصرة.

كأني بها وقد ابتسمت للموت لحظة استشهادها كأنها قادمة إلى مهرجان حافل في السماء يتلقاها بالحبور والبهجة، وفاحت من دمائها رائحة المسك وهي تتناثر قطرات كحبات العقيق فيها من عبق الأبرار وعبير الصديقين، ووقف التاريخ يدون أروع مواقف العزة والشموخ، وعندما مر بها أبو بلال في السوق عض على لحيته وقال: (لهذه أطيب نفساً بالموت منك يا أبا مرداس، ما من ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البلجاء)، وروى العلامة الشماخي فقال: (فخرج أبو بلال في جنازتها، وقال لو أعلم أني أبعث على ما تبعث عليه لعلمت أني أبعث سوياً على صراط مستقيم).

إنه ليحق للمرء أن يقف إجلالاً وإكباراً لمثل هذه المرأة، فقد أوتيت من ثبات الجنان وفصاحة اللسان وصدع بالحق في وجوه الطغاة الفاجرين، ما حق لها أن يسطر اسمها بأحرف من نور، ولقد قامت بما يعجز عنه كثير من فحول الأبطال، والمتأمل لحوارها مع الطاغية عبيد الله بن زياد يلاحظ عليها رباطة جأشها ورغبتها في تحقيق أعظم الجهاد امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)، كان هدفها هو نيل وسام الشهادة، الشهادة التي ليس لها جزاء إلا الجنة وتحقق الهدف، وكان لها ذكر عند أهل السماء، ودون التاريخ موقفها في أروح صفحاته وظل ذكراها عند أهل الأرض، وكأنها صورة واحدة تتكرر فبالأمس القريب كانت أختها على درب الجهاد أم عمار سمية بنت خياط تفيض روحها إلى بارئها على يد فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله حينما طعنها بحربة في فرجها، وهذه وتلك سارتا على شغاف قلبها، فضحت في سبيله بما يراه الناس جاهاً ونعيماً وسعادة؛ فما كان من فرعون حين يأس منها أن ترجع عن إسلامها وتتخلى عما آمنت به إلا أن نصب لها الأوتاد وأذاقها صنوف العذاب فما تراجعت لحظة عن إيمانها، وما شكت في سلامة معتقدها، حتى لقيت الله عز وجل وهو راضٍ عنها، فكان لها الثواب الأكبر في الآخرة والثناء العظيم في الدنيا حين أثنى الله عز وجل في كتابه الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار وكفى بالله ذاكرا، فما أشبه هذه بتلك، وما أشبه اليوم بالبارحة، وهذا شأن الطواغيت والجبابرة في كل عصر، لكن الصورة هنا أكثر قتامة وأشد قبحا ذلك أن الطاغوت هنا يلبس لبوس الإسلام وينصب نفسه حاكماً للمسلمين وفي نفس الوقت هو أكثر الناس انحرافا وتضييعا لتعاليم الإسلام ومبادئه العظيمة، وإنه لمما يثير الأسى في النفس أن يوصف أولئك الطغاة بأنهم خلفاء الله في أرضه، وبأن طاعتهم واجبة، وأن هلا يجوز الخروج عليهم، ويرمى كل من يدعو للخروج عليهم وجهادهم بشتى أنواع التهم، والله عند لسان كل قائل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

**    **    **

 

(عبيدة بنت أبي عبيدة

 مسلم بن أبي كريمة)

هذه المرأة وابنتها قبس من ذلك النور المضيء الإمام التابعي العظيم أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء رحمه الله وسيرته أعظم من أن نحيط بها، كني الإمام أبو عبيدة بابنته التي أخذت العلم عنه، ولعل المثل السائر الذي يقول: (الولد سر أبيه) ينطبق على هذه المرأة وابنتها جمانة. رُويت عن عبيدة وابنتها آثار في كتب الفقه الإباضي سواء فيما يتعلق بأخبار النساء أو غير ذلك، فمثال ذلك ما رواه العلامة السالمي في المعارج عن الأثر أن جمانة بنت عبيدة حدثت عن أمها عبيدة أنها كانت تقعد في ولادة بنيها الذكور خمسين يوما وفي ولاة بناتها ثلاثة أشهر فقالت عبيدة: (فسألت والدي أبا عبيدة، فقال: ذلك جائز فاقعدي ثلاثة أشهر).

ومما روي عنها ما حفظ عنها العلامة محمد بن محبوب عن جمانة أيضا أن والدتها عبيدة بنت أبي عبيدة نذرت إن قدم ابنها محمد لتعتكفن في كل جمعة في المسجد فلما رجع ابنها أرادت الوفاء بنذرها، فاستفتت أباها فأمرها أبوها أن تعتكف في مسجد الحي.

**    **    **

 

(سعيدة المهلبية)

هذه المرأة العابدة المخبتة سيرتها دعوة إلى الله وشجاعة في نصرة الحق من أجل سطوع ضياء الاستقامة، كان موقفها النبيل مع طلاب العلم كفيل بأن يعرضها للتنكيل والعذاب والتمثيل والقتل، ولكن قلبها امتلأ بالخوف من الله فلم تعد تخاف سواه.

كانت سعيدة المهلبية زوج عبد الله بن الربيع، وكان زوجها عبد الله خال المهدي الملك العباسي ووزيراً عند أبي جعفر المنصور، وقد كان زوجها من المتعصبين والمتحمسين للدولة العباسية، لقد اقتنعت سعيدة بمبادئ وآراء أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأصحابه؛ فاعتنقت مذهبه بعدها اتجهت إلى تحصيل العلم، وأخذت تنهل منه من خلال مجالس العلم التي يقيمها المشايخ سراً، اتصفت سعيدة بدينها وصلاحها وأصبحت من أتباع أبي عبيدة، تألقت سعيدة حتى أصبحت داعية إلى مذهب أهل الدعوة، وأخذت تنشر مبادئهم على نساء أهل بيتها وعلى زميلاتها والجواري اللاتي يعشن في منزل زوجها الوزير، وتشير المصادر إلى أنه كان لزوج سعيدة ابن من غير سعيدة، وكان لهذا الابن جاريتان قد تسرى بهما، ولقد اقتنعت هاتان الجاريتان بأفكار ومبادئ أهل الدعوة فدخلتا في الإباضية، ومن أهل بيت سعيدة ما يذكر أن جدة سعيدة أو عمتها ذهبت مع أبي عبيدة – إمام الإباضية في تلك الآونة- إلى الحج فلما فرغا من حجهما قال له: (أريد المقام بمكة) قال لها: (الخروج أفضل)، لما رأى من بعد مكة عن أهلها الذين كانوا بالبصرة. وكان كثير من أنصار أبي عبيدة والشخصيات البارزة المنضمة إلى مذهب أهل الدعوة يبحث عنهم الحجاج والولاة الأمويون والعباسيون الظلمة ليقبضوا عليهم فيسجنوهم أو يقتلوهم، وبالنسبة للنساء كن يتعرضن للتعرية والتمثيل والقتل، وبالرغم من كل ذلك لم تتوقف سعيدة عن الدعوة بل رأت أن الدعوة لا تقتصر على أهل بيتها وبنات جنسها فقط بل تتعداه إلى مشاركة الرجل في الدعوة إلى كل فرد من أفراد الأمة.

فآزرت أبا عبيدة وصحبه، واتخذت سعيدة للإباضية سردابا لهم في دارها يجتمعون فيه لتلقي الدروس، وللاستماع للخطب الوعظية والدينية التي كان يلقيها المشايخ والعلماء بصوت منخفض؛ حتى لا يسمعهم الجيران أو المارة فينكشف أمرهم.

وكان أحد أولاد ابن الربيع كما ذكرناه سابقا من غير سعيدة قد دعاه أصحاب أبي عبيدة وأثرت عليه جاريتاه الإباضيتان؛ فدخل المذهب ودخل مجالس الدعوة، وعرف المشايخ ووجوههم ومنازلهم وأسماءهم، فأراد هذا الرجل أن يعتق الجاريتين ليتزوجهما، ولكن الجاريتين رفضتا الزواج به بعد أن أعتقهن، فاشتد به غضبه واستولى عليه هواه، فكتب إلى أبي جعفر المنصور بأسماء المشائخ الإباضية ومجالسهم، وكتب بأن سعيدة يجتمع عندها الإباضية في سرداب لها في دارها، فلما علم أبو جعفر بذلك، أخبر وزيره عبد الله بن الربيع – زوج سعيدة- بذلك، فقال له عبد الله: (إن ابني قد ذهب عقله وأصبح يهذي بما لا يعرف أو صار إلى ما ترى)، وقال لأبي جعفر: (أو مثل سعيدة يقال فيها هذا؟؟)، ونصحه أبو جعفر أن يعالجه ببعض الأدوية ويحبسه فاستجاب عبد الله لذلك، ولم يسع عبد الله لما علم بما يقع في داره إلا هذه الحيلة، وتَبَالَهَ المنصور الداهية وتظاهر بتصديق دعواه. إن زوج سعيدة من آل البيت وأنصاره الكبار فلا يجوز الانتقام من زوجته، ولو علم الناس أن سعيدة زوجة الوزير إباضية، وأن الإباضية يجتمعون في دار زوجها الوزير لأدى إلى فضيحة ودلّ على ضعف الدولة العباسية، وعلى قوة الإباضية وانتشار نفوذهم فيميل إليهم الناس، ولو كان ما نسب لغير عبد الله ما نسب لكانت شرطة أبي جعفر وسيوفه أسرع إلى عنقه وعنق زوجته، فهذه المرأة المجاهدة لم يمنعها ما قد تتعرض إليه المرأة من أصحاب أهل الدعوة في ذلك الوقت من التمثيل والتعرية والقتل، ولم تمنعها وزارة زوجها أن تؤدي دورها الواجب عليها، ولم يقف حجابها وحياؤها حاجزا عن المشاركة مع الرجل في الدعوة فكان سردابها ببيتها ملاذاً ومخبأً لعلماء ومشايخ أهل الدعوة.

**    **   **

 

(نـانـا مـارن)

عاشت هذه المرأة في قرية "الجماري" بليبيا، ودرست على يد كثير من العلماء الأعلام، واشتهرت بالعلم والصلاح، والرأي السديد، ارتفعت بإيمانها وسلامة فطرتها وصدقها مع الله فوق زينة الدنيا وزخرفها، فكانت لا تأنس إلا بالله وحده ولا تصغي إلا لنداء العقيدة الخالصة، وقد كانت في صحوها ومنامها لا تتذوق جوارحها إلا حلاوة الإيمان ولذة الطاعة ونشوة العبادة، وتحتجب في مسجدها عن كل ما يشغلها عن الحق جل وعلا، ولا يزال مسجدها إلى اليوم مشرفاً فوق ربوة عالية يصارع الزمن ويطاول التاريخ.

عندما أراد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمه الله أن يختار والياً على ليبيا، وقع الاختيار على أبي عبيدة الجناوني، وعزز هذا الاختيار اتفاق المشايخ عليه، ولكن الشيخ أبا عبيدة تردد في الموافقة وذهب لاستشارة هذه الجدة فقالت له: (إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار)، ففكر الشيخ في كلام الجدة نانا، وأخيراً رجع إلى المشايخ، وأعلن إليهم قبول لذلك المنصب، وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في التاريخ لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز، فهذه الجدة كانت واعية وعارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تسعى لتوجيه الأمة إلى الوجهة الصالحة.

**    **    **

 

(أم أبي ميمون الجيطالي)

كان بجيطال امرأتان، ولكل واحدة منهما ابن صغير، فسألت كل واحدة منهما الأخرى: (ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟) فقالت إحداهما: (أراه أن يكون عالماً)، وقالت الأخرى: (أراه أن يكون عابداً) فسألت كل واحدة منهما صاحبتها: (بماذا استدلت على ما قالت؟) فقالت أم العابد: (أرى ذلك لأني إذا كنت في الصلاة سكت وترك البكاء والتنعض) وقالت الأخرى: (أرى ذلك لأني إذا شهدت مجلس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق) فصدقت فراسة كل واحدة منهما، فكان العالم منهما هو أبو ميمون الجيطالي، لقد كانت أم أبو ميمون حريصة على حضور مجالس العلم بالرغم من مشاغل الحياة الزوجية وتربية الأبناء، وتفرغت لتربية ابنها، وبذلت جهدها في تنشئته النشأة الإيمانية الحقة، فنشأ أبو ميمون محباً للعلم والدراسة، حريصاً عليها حتى حقق أمنية أمه فصار بعدئذ عالم عصره يقصده العام والخاص لتلقي العلم على يديه، وبلغ درجة من العلم والحكمة والعبقرية جذبت إليه القلوب وحفته بهالة من الإعجاب وأحاطته بحفاوة من التقدير؛ وهنا أيقنت أمه أن فراستها صدقت وأن بذرتها التي تعاهدتها تلك الليالي والأيام ها هي مورقة تؤتي أكلها الطيب وتنشر الخير والهدى فكانت المرأة الراضية الشاكرة.

**    **     **

 

(أم يحيى

زوج أبي ميمون الجيطالي)

كانت حياتها الارتواء من مناهل العلوم والدين والاستغراق في عبادة الله ونشر النور الإلهي بين بنات جنسها، جمعت بين العلم والعمل وبين التحصيل والعبادة وبين العكوف على التأمل والأخذ بيد الحيارى إلى الطريق المستقيم، إنها أم يحيى العالمة الفاضلة والمربية القديرة، سكنت مدينة (أمسيسن" بليبيا، درست على يد كثير من فحول العلماء منهم أبو ميمون الجيطالي، تزوجت أم يحيى من أبي ميمون العالم الذي صدقت فيه فراسة أمه، فلما نزل من الجبل ونظرت إليه من القبة فوق الجبل استصغرت شأنه لما رأته أقصر تلامذته قامة، فلما حلقوا عليه، وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأت حينئذ أن الشيخ أطولهم وأعظمهم، فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عينيها.

كانت معينة لزوجها على شدائد الحياة ومتطلباتها تقول: (وجدت على أبي ميمون أربعين ديناراً ديناً فقضاها الله عنه بعمل يدي).

وقد آتاها الله ذاكرة حافظة واعية لا تكاد تسمع شيئاً إلا بقي في ذاكرتها ومن ذلك أنها سمعت وهي في طريقها للحج رجلا ينشد قصيدة من ثمانين بيتا فحفظتها كلها، وما ذلك إلا دلالة على قوة حفظها وعمق تركيزها، وكانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر لا تبالي في نصيحة المسلمين وقول الحق لا تخاف في الله لومة لائم ومن ذلك ما ذكر عنها أنها ذهبت يوماً إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة، وكان المسجد مكتظاً بالمصلين، وعندما بدؤوا للصلاة انطلق صوتها (أم يحيى) يأمر الإمام بالتأخر لأنه ليس أهلاً لأن يصلي بالمسلمين، واستجاب الإمام لصوت الحق فتأخر وتقدم من هو أولى، وتقضي الظروف أن تلتقي أم يحيى في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله فتوجست في نفسها خيفة وخشيت أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل ما في نفسها، فيقول لها: (امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الجنة).

اشتهرت أم يحيى بالعلم والفضل، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في مدارس مختلطة يدرس بها الطلبة الذكور، فأنشأت مدرسة خاصة للفتيات، وفتحت بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية حتى يتسنى للبعيدات منهن الإقامة في المدرسة، وسرعان ما اجتذبت الفتيات إلى مدرستها وعلمها وحكمتها كما تجتذب الرائحة الطيبة في الروض كرائم الطير، وكانت أم يحيى تقدم لهن الأكل، وتشرف على تعليمهن، فكانت كلماتها تخرج من قلبها صادقة مبرورة تنتقل إلى القلوب وتسكن في الصدور، وتفعل فعلها في الجوارح، واهتمت أم يحيى شخصيا بالإشراف على تربيتهن في بيئة إسلامية صالحة وتطمئن على فهمهن لواجباتهن الدينية والاجتماعية وأنه اكتمل لديهن مقومات المرأة الفاضلة، فطوبى لهذه المرأة التي بذلت نفسها ومالها من أجل طالبات العلم والدين، فما أجمله من موقف عندما أعلنت رأيا لحل مشكلة تعليم المرأة ثم نفذته، وهذا الرأي هو نفسه ما اقتبسه علماء النفس والتربية والتعليم في الوقت الراهن، حين علموا أن الاختلاط في التعليم أحد أهم أسباب الفشل لدى الطلبة والطالبات، ولم يعلموا أن ذلك كان رأي أم يحيى منذ عشرة قرون في قضية تعليم المرأة.

وإلى جانب ذلك لم تنس أم يحيى واجباتها تجاه الحياة الزوجية فكانت نعم الزوجة والمربية، وعندما خرج أبو ميمون للحرب شيّعته، وقالت له: (ادع الله أن يكتب لك السلامة) قال: (ذلك عقد فرغ منه، ولكن ادع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة) فلما استشهد بقيت بعده أم يحيى كهفاً للإسلام ومأوى للأخيار، فكان يجتمع عندها العزابة في ليلة الجمعة يقضون ليلتهم في العبادة.

**    **    **

 

(أم زعرور

زوج أبي محمد التغرميني)

إذا نظرت إلى أي جانب من جوانب حياة هذه المرأة تجده مشرقاً وضّاءً، طيب الذكر، وسيم الملامح، فهيا بنا نبحر في أعماق هذه الشخصية الفذة.

نشأت هذه الفتاة في "جيطال" بليبيا بين أسرة فقيرة، وفي سنة من سنوات القحط والجفاف ارتحل أهلها إلى "أمسيين" بليبيا طلباً للمرعى، وهناك سمعت بمدرسة أم يحيى فتاقت نفسها إلى العلم والتعلم فالتحقت بهذه المدرسة، تتلمذت هذه الفتاة على يد العالمة الجليلة أم يحيى، وأخذت هذه العالمة تشجعها على التبحر في فنون العلم والاستمرار في الدراسة، ومما ساعدها على ذلك ما وهبها الله به من ذكاء حاذق وفهم عميق فتوفقت على زميلاتها، وكانت إلى ذلك ذات جمال بارع، وكان لنبوغها المبكر وذكائها اللماح موضع إعجاب وتقدير معلمتها أم يحيى.

هذه الفتاة شدت انتباه أستاذتها أم يحيى فوصفتها إلى العالم الجليل أبي محمد التغرميني؛ فرغب العالم من أم يحيى أن تتيح له فرصة التعرف على هذه الفتاة التي قد تكون زوجة له إن شاء الله.

فأمرت أم يحيى أن تأتي هذه الفتاة لها بجرة ماء من صهريج بجانب المدرسة، فذهبت الفتاة إلى الصهريج تحمل جرتين أحدهما لها، والثانية لأستاذتها أم يحيى، فلما وصلت إلى الصهريج وجدت بجانبه أبا محمد، فأرسل إليها تحية الإسلام وطلب منها أن تملأ له جرة كانت في يده، فردت السلام عليه ولم تضطرب بهذا الطلب من رجل غريب واستمرت وكأن شيئا لم يحدث، فملأت جرة أستاذتها أولاً ثم ملأت جرتها ثم أخذت جرة الغريب، أعجب أبو محمد بهذا الخلق وهذه الرزانة وهذا الثبات، وقال لها: (هل لله مزرعة يا جارية؟) فقالت: (نعم) فقال: (وهل لها من يحرثها؟) قالت: (نعم) قال: (وهل له مخازن؟) قالت: (نعم) ثم أخذت تشرح له في فصاحة وبيان، فقالت: (المزرعة هي الدنيا والحراثون الناس والحاصد الموت والمخازن الجنة والنار).

وهكذا علم أبو محمد أن هذه الفتاة قد جمعت بين الجمال وكمال العقل والأدب والعلم والذكاء وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد، فخطبها أبو محمد من عمها، فلم يوافق أقارب الفتاة، ولكنها أخبرتهم إنها لن تتزوج إلا من يرضى عنه عمها، وكان عمها إلى جانبها ورضيت بأبي محمد زوجاً لها؛ فتزوجها أبو محمد، وعاشت معه حياة مليئة بالسعادة والحب والتفاهم المشترك، وهكذا ظفر أبو محمد بزوجة محبة وزميلة عالمة ومربية قديرة، وكان من خلقهما أنهما ما نزلا عن فراشهما إلا وتحاللا، حتى لا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء.

وبعد فترة وجيزة رزقهما الله ولداً أسموه زعروراً، وتفانت أم زعرور في تربية ولدها حتى أصبح رجلاً صالحا، وهكذا قضت أم زعرور حياتها مجاهدة بين العلم ورعاية زوجها وتربية أولادها حتى توفاها الله، فهذه المرأة لم يعقها الفقر عن الدراسة ونيل أعلى مراتب العلم.

**   **    **

 

(أم جلدين)

لا أدري لم كنيت بأم جلدين؟ هل لشدة جلدها وصبرها وهو أبرز معالم سيرتها وحياتها ؟ أم أن لها فعلا ابنا يسمى بذلك ؟ وعلى كل حال فهي امرأة صالحة نشأت في "يفرن", وتزوجت هناك من أحد أشياخ العلم وكان لهذا الشيخ بنات من غير أم جلدين وكن يؤذينها, فيأخذن الدقيق ويخلطن فيه تربة بيضاء, ويأخذن اللبن ويسكبن الماء فيه, وكانت صابرة لا تضجر من تلك التصرفات فكانت تأخذ الدقيق فتجعله في آنية وتصب عليه الماء فترسب التربة وتأخذ الدقيق من فوق, وكان ذلك دأبها حتى ضعفت واصفرت من إيذائهن لها, ولم تخبر أباهن بشي من ذلك ثم متن جميعا فأراحها الله منهن, وبقيت من غير ولد واستحى أن يتزوج عليها, واستحيت منه أن يبقى بغير ولد, فرغبت إلى ربها فأجيب دعاؤها فسمعت هاتفا يبشرها, فولدت أربعة ذكور متتابعين متعها الله بهم زماناً ثم ماتوا جميعا فاحتسبتهم عند الله تعالى.

لقد كانت أم جلدين حليمة هادئة الطباع تعفو عمن أساء لها وتصفح عمن ظلمها ولا تضمر لإنسان شرا ولا تخفي بين جوانحها غدرا, بل إنها كانت تقابل الإساءة بالإحسان والتطاول عليها بالعفو والمغفرة, ومع كل هذه الشمائل العطرة المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن أبرز علامات هذه العابدة القانتة المخبتة كانت تتمثل في الصبر والرضا في أشد المحن زلزلة للنفس.

وكانت أم جلدين ذات مكانة ومنزلة لدى المشايخ, وتحرص في كل لقاء أن تستفيد منهم, وكانوا يزورونها.

سألتهم يوما عن دواء للذنوب, فقال لها الزواغي: (حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها, وكما ينزع الشعر من الزيت).

ولا عجب بعد ذلك أن يكون لها عند ربها المكانة العظمى بحيث يجيب دعاءها ويوفقها لطاعته فمن كراماتها أنها سألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين, وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت, فكتب الله أن ارتحلت مع أهلها طلبا للمرعى والخضرة حتى بلغوا تغرمين, فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور, فأخذتا في الطحن والعجوز _ أم زعرور_ مشغولة بالعبادة, فقالتا فيما بينهما:(إن هذه العجوز مثل جدتنا ) فسمعتها أم زعرور فسألتها فأخبرتاها عن أم جلدين فخرجت أم زعرور إليها زائرة, والتقت المرأة الصالحة بالمرأة الصالحة وتواصتا بما فيه الخير, ثم قالت أم زعرور لأم جلدين (ادعي الله) فقالت: (بل ادعي أنت, فإني استحيت من ربي, سألته ثلاثا) تعني أن ترى أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد, فدعت أم زعرور ورجعت إلى منزلها, فأخبرت أبا محمد _زوج أم زعرور _ فذهب هو الآخر ليزور العجوز الصالحة أم جلدين, ولكنه وجدها قد توفيت فصلى عليها ورجع ينقل الخبر إلى صديقتها الوفية.

وهكذا تحققت دعوات أم جلدين, هذه العابدة القانتة التي كانت عابدة كأخلص ما تكون العبادة حتى أجاب الله دعاءها, وكانت متوهجة الوجدان حبا لله وشوقا إليه كتألق الشهاب الساطع, عاشت حياتها على مائدة القرآن وعلومه وفي ذكر دائم لله في مصلاها الذي لا يزال معروفا إلى اليوم في يفرن.

**    **   **

 

(ابنة أبي مسور يصلتين

النفوسي الأدوناطي)

نشأت هذه الفتاة النجيبة الذكية في كنف والدها أبي مسور في "أدوناط" بليبيا، وأخذت العلم عنه وعن غيره من العلماء حتى بلغت رتبة سامقة فيه، وكانت قوية الحجة حاضرة البرهان. وفيما يلي نماذج من مواقفها مع أبيها التي تشف عن ذكاء متقد وفهم عميق لمقاصد الشرع مع فصاحة اللسان وحلاوة المنطق:-

1- جاءت إلى أبيها يوما تسأله عن مسائل الحيض، وتصف له بعض ما أصابها، فقال لها العالم الكبير: (ألا تستحين؟) فقالت: (أخشى إن استحيت منك اليوم أن يمقتني الله يوم القيامة) فألزمت أباها الحجة ولم يجد لها رداً وأجابها عن أسئلتها.

2- تدللت على أبيها يوما فغاظته فقال لها:  (لأزوجنك بمن له عليك سبعون حقا) فأجابته بكياسة: (إذن أردهن إلى ثلاث: إن دعا أجبت، وإن أمر امتثلت، وإن نهى اجتنبت).

3- جلست ذات يوم إلى أبيها بعد أن فرغت من غسل ثيابها ونشرها، ونظر الأب إلى الثياب النظيفة البيضاء فقال: (تمنيت أن الله يطهر قلبي مثل هذه الثياب) فقالت: (أتمنى لو جعل الله تطهير قلبي إلى يدي فأغسله مثل هذه الثياب وأبعثه إلى خالقه نظيفاً) فقال الشيخ معجبا بابنته الذكية: (إنك أبلغ مني حتى في الأماني).

4- قال أبو مسور يوما: (المسلمون أفضل من أقوالهم) قالت: (أقوالهم أفضل لأن المسلمين يفنون وتبقى أقوالهم والعلم أفضل).

هذه الفتاة لم يمنعها حياؤها من التفقه في دينها، وما أروعه من شرف أن تكون هذه الفتاة أبلغ من أبيها الشيخ العالم.

 **    **    **

 

(أم الخطاب

زوج أبي يحيى الأزدالي)

كان أبو يحيى من العلماء العاملين، تزوج بعد أن تقدم به العمر من ابنة نصراني، وسبب تزوجه بها أنه أراد جمع العنب، فأرسل إلى نصراني كان يقضي له حوائجه ليأكل العنب، فأتاه مع عياله وبناته وكن بدور الخدور، فأبصرهن الشيخ: فقال: (أعندكم هذا الجمال؟) قال: (نعم، وإن جاز في دينك زوجتك واحدة منهن) قال: (نعم) قال: (اختر)، فاختار الشيخ أم الخطاب، فلما آوى إليها في الليل حدثها عن الإسلام وشرح لها قواعده وأصوله، وكانت كاملة العقل فشرح الله صدرها للإسلام.

أقبلت أم الخطاب بفطرتها النقية على دراسة الإسلام وأصوله، كما ازداد شغفها بتفسير القرآن وتفهم آياته، وساعدها على حفظ الآيات وفهمها واستيعاب أمور دينها ذكاء لماح ينير ذهنها وبصيرة صافية تستوعب كل ما تلقى فيها من رصيد المعرفة، فحفظت الزهراوين: سورة البقرة وآل عمران، فعرضتهما على زوجها الشيخ أبي يحيى فاستحسنها، فقال: هذه ليست بقراءة أهل الأرض، ثم تعمقت في فهم أسرار الشرع ومقاصده حتى بلغت درجة عظيمة من العلم، وأصبحت مقصداً للعلماء الأعلام، وعندما تقدم بها العمر شغلها الخوف من الله عن كل ما تحفل به الدنيا من متع ومسرات، وما يخبئه القدر بين طياته من فواجع وأحداث، فقد كانت تعيش بحسها بين الناس وبفكرها ووجدانها مع الملأ الأعلى فأحيت نفسها لله بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله تعالى، قصرت نفسها في مصلاها الذي ما يزال في "تغرمين" بليبيا يطاول التاريخ واسمه "أغرم إيمان"، وزارها يوما الشيخان أبو مرداس، وأبو الحسن الأبدلاني بعد أن أصبحت عجوزاً ففرحت بزيارتهما، وذبحت لهما شاة لضيافتهما، وأخذت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة، وهكذا قضت ذلك العمر المبارك في ذكر وطهر وصلة بالله دائمة، حتى اختارها الله بقربه.

**     **     **

 

(بـهلولـة

زوج أبان بن وسيم)

كانت بهلولة امرأة صالحة عالمة، وكان أبو ذر أبان بن وسيم مثلها علماً وصلاحاً، فأعجب بها فخطبها إلى وليها، فلما عقد عليها نكاحها ذهب فرحاً مستبشراً إلى بيتها ورام إرخاء الستر عليها هنالك، فلما وصل بيتها استأذن عليها ففتحت الباب، فقالت: (من هذا؟) فقال: (أنا إبان قد زوجنيك وليك) قالت: (إن أتيت ببينة رضينا بك زوجاً وإلا فانصرف) ثم قالت: (إنك وإن كنت أميناً لمحتاج إلى أمناء)، واضطر العالم الشيخ إبان أن يثبت دعواه بشهادة الشهود وإقرار الولي حتى رضيت به بهلولة زوجا، وكانت له نعم الزوجة وكان لها نعم الزوج، فما عرف أن زوجين تشابها خلقاً وعلماً وديناً كما تشابه هذان الزوجان.

وقد دلت الحادثة السابقة إنها أملك منه لزمام نفسها وأكبح لعاطفتها وأرسخ قدماً في الوقوف عند حدود الشرع وتطبيقه، فلما استخفه العزم بموافقة الولي على خطبته لها لم يجعل لشيء آخر حساب، أما هي فقد طبقت عليه أحكام الشريعة السمحة تطبيق العالمة المؤمنة التي تراعي الدقة والحق في الأحكام فلم تعتمد على معرفتها الشخصية لأبان فلم تستجب لثقتها به، وإنما رجعت في تلك القضية إلى حكم الله.

**   **    **

 

(ابنة أبان بن وسيم النفوسي

وتكفا بنت أبي عثمان)

ذكر أن ابنة لأبان جاءته زائرة فصب مطر غزير يمنع من الخروج، فقال لابنته: (بيتي الليلة عندنا) فقالت: (لم يأذن لي زوجي في المبيت وإنما أذن لي في الزيارة فقط) فظل المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ أبان أن الذي قالته ابنته هو الصواب، فقال لها: (إذن فسيري في حفظ الله وستره) ودعا لها، فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد، فوصلت المنزل والمطر ما زال يهطل، فجعل أهل البيت يتعجبون ويذكرون الله عز وجل ولطفه بعباده الصالحين وكيف أن الله تعالى حفظها بدعوة والدها وبطاعتها لزوجها.

 

وما أشبه هذه القصة بما حدث لـ (تكفا) بنت أبي عثمان (باثمان) حين زفت إلى زوجها في ليلة مطيرة فخشيت الهلكة من كثرة المطر، وكان والدها باثمان معها، فقالت له: (يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، وأنت تعلم حال العروس واحتياجها إلى الثياب الجديدة وما ينبغي لمثلها من النظافة والنقاء، فما الحيلة؟) قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها فحفظها الله سبحانه وتعالى.

**  **   **

 

(منزو بنت أبي عثمان المزاتي)

تعالوا بنا نصحب هذه المرأة العاملة الزاهدة ساعة نتأمل سيرتها في روعة صبرها وتقواها وتحملها لمشاق الحياة الزوجية، والصبر على الزوج الفظ الغليظ القلب، لتكون المثل والقدوة والنموذج لكل امرأة صالحة ترجو ثواب الله ورضوانه.

إنها منزو بنت أبي عثمان المزاتي أخت تكفا، زوجها أبوها رجلاً من قومه فركب على جمل له ومضى حتى مر بنساء على ماء، فقال: (إن كانت منزو فيكن فإني لا آذن لها في المقام بعدي) وكانت فيهن فقامت فأخذت رداءها فارتدته، وسارت في إثر بعلها حافية راجلة فمشت حتى رقت قدمها وآذاها المشي، فصارت إذا رفعت قدماً إذا الدم في موضع القدم إلى أن ينزلا، فإذا نزلا قامت فابتدرته بردائها فوسدته، ثم عالجت طعاماً لعشائه، ثم تقوم تصلي بقية الليل إلى أن يطلع الفجر، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتاً بعيداً عن الناس، وكان يسيء إليها وهي تحسن إليه، ثم تزوج عليها امرأة أخرى فلاقت المزيد من سوء العشرة وهي تزيد من الإحسان والصبر، ومرت بها قافلة ذات يوم، وسمعوها تنشد شعراً بالبربرية ما معناه: (ألا أحد من يزورني في الله فيذهب غم النفوس ويزيل الوحشة) فلما وصلوا وطن منزو تذاكروا كلامها، فسمعه بعض المشايخ فذهبوا لزيارتها، ووجدوها في حالة يرثى لها خارج خيمتها؛ فقال لها أحد المشايخ: (إني لأختار أن أجد جنازتك خارجاً ولا أراك على هذا الحال) ومكثوا عندها ثلاثة أيام، وقبل أن ينصرفوا نصحوها بالصبر والتحمل والإحسان ودعوا الله عز وجل لها بالفرج، فما مضت أيام قليلة إلا ومات زوجها ففرّج الله عنها ما تجده من التعب والعناء.

**    **    **

 

(زورغ الأرجانية)

نشأت هذه الفاضلة في كثر فيه أهل العلم والصلاح في جبل نفوسة في قرية "أرجاجن" بليبيا، فليس بغريب أن تشملها نفحات أولئك الأبرار، وأن تتشبه بأولئك الصالحين فكانت شديدة الورع، كثيرة العبادة، قريبة من فعل كل ما أمر الله به، بعيدة عن كل ما نهى الله عنه، ضربت أروع المثل في اجتهاد المرأة الصالحة للسعي لتنال رضى الله، ولم يكن زوجها من تلك الفئة التي لا تقدر الأعمال أو يتلقى ذلك الاجتهاد ببرود وفتور، بل كانت تأخذه الأريحية وهو يراها ذاهبة راجعة في طاعته، فكان دائما ما يدعو لها بالجنة وأي دعوة خير من تلك، وكان لزوجها امرأة أخرى، ومن مواقفها الرائعة مع زوجها أن أختا له مرضت، فأراد الزوج الرحيل إلى الربيع طلباً للمرعى، وما أمكنه أن يقول لإحدى زوجتيه اقعدي لتمرضي أختي وأرتحل أنا بالأخرى، ولكنه ارتجى الخير عند زورغ، فقال لها: (لي عندك حاجة) قالت: (كل حاجة لك مقضية إلا تركي تمريض أختك فلا أرتحل وأتركها) فقال: (تلك أعظم حاجتي ورزقك الله تعالى الأجر والجنة) وظلت تخدم أخت زوجها حتى أتت هذه الأخت، لقد نالت بهذا الموقف الرائع الأجر العظيم فقد أطاعت زوجها وساعدت أخته في محنتها.

لم تكن زورغ مثالا للنساء الصالحات في طاعة الزوج فحسب بل قدوة أيضاً في مساندة زوجها في أمور دينه ودنياه، فكانت نعم المعينة له في ذلك، فكانت تعين زوجها على العدل بينها وبين ضرتها أخذاً بالحديث النبوي: (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما)، فعندما أعجب زوجها بنوع من الطيب اختاره لزورغ، وأتى به إليها ذكرته بالعدل بين نسائه وأبت أن تستأثر به.

كانت هذه المرأة الورعة ساعية في توفير الراحة الجسدية والنفسية لزوجها ليس فقط في البيت وإنما تعداه إلى خارجه، فعندما أراد زوجها نقل شيء من التراب أخبر زوجته زورغ بالمشقة والتعب الذي سيلاقيه إزاء ذلك ففاجأته حين قالت له: (قد نقلته بالبقرة) فما كان من زوجها إلا أن دعا الله لها بأن يرزقها الجنة، وهل يريد الإنسان بعد هذه الدنيا الفانية إلا رضى الله ودخول الجنة، فما أروعه من موقف وما أفضله من دعاء.

وكانت زورغ تسعى جاهدة إلى طلب العلم وإتقانه برغم ما تعاني من صعوبات، فقد زارها العلامة أبان بن وسيم مرة وأخذ يلقنها القرآن الكريم، ولم تطق تقويم لسانها، فرخص لها بعد أن تحيرت في تقويم لسانها أثناء قراءة القرآن.

وكان لهذه المرأة الصالحة التقية الورعة كرامات عديدة ذكرها العلامة الشماخي في سيره، ونحن وإن كنا نؤمن بالكرامات ونعتقد بأنها فضل يختص الله عز وجل به بعض عباده، فإننا برغم ذلك لا نعول عليها كثيراً، وكل نعم الله عز وجل هي محض فضل لعباده بلا استحقاق منهم بذلك، وأعظم كرامة هي أن يعيش الإنسان على الاستقامة ويرزق حسن الخاتمة.

**    **    **

 

(زوج مهدي الويغري)

ما أعظمه من موقف وقفته هذه المرأة الصالحة مع زوجها العالم الورع الزاهد، لقد تركت زخارف الدنيا ومباهجها من أجل أن تتزوج بهذا الرجل الصالح الذي يعينها على أمور دينها ودنياها، فما أجدر فتيات عصرنا أن يقتدين بها في اختيار الزوج الصالح.

لقد علمت هذه المرأة الورعة أن المال لا يخلق السعادة الزوجية فلم يغرها الزوج الطالح الممتلئ بالكنوز والأموال، فإنه إذا وجدت سعادة فستكون زائفة زائلة، وإن الإسلام كان ولا يزال يحلّق بالزوجين إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهيا بنا نستشف من مواقف هذه المرأة ما يعطينا النموذج الأمثل لكل فتاة في اختيار الزوج.

خطب العالم مهدي الويغري امرأة بجبل نفوسة، فاستشارت هذه المرأة في أمره شيخاً من المشايخ، فقال لها: (إن مهدياً رجل له رغبةً في الآخرة، وزهد في الدنيا واجتهاد في الصلاح، وله أرض محثوث لها سدود فانهدمت سدودها وخربت جسورها، وأراد أن يصلحها، وأراد أن يتزوجك فلا تصلح جسوره إلا بتراب تنقليه على رأسك) فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحه.

وتزوجها مهدي، وبعد سنتين زارها فلم يجدها في بيتها، فأعلم بمكانها فوجدها في الحرث مع مهدي وهي تنقل التراب على رأسها لإصلاح الجسور، فذكرها الشيخ فيما أعلمها من قبل به، فحمدت الله على ما أعطاها من خدمة ولي من أوليائه، لقد ضربت هذه المرأة النموذج للمرأة المؤمنة ليس فقط في اختيار الزوج الصالح وإنما أيضا في بذل الجهد والغالي والنفيس من أجل خدمة الزوج وتحقيق الراحة له.

**    **    **

 

(فتاة من ندباس)

عندما ارتحل أبو معبد الجناوني إلى تيجي في ليبيا، والتحق بمدرسة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، درس هناك حتى ظن أنه نال غايته من اعلم، وقفل راجعا إلى مدينته "أجنّاون"، فمر في طريقه بقرية "ندباس"، فوجد أمة تسقي الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش ما بلغ، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه، وبدلا من أن تسارع الأمة إلى إرواء هذا العطشان. نظرت إليه في استنكار، وقالت له: (أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟)، لقد صدعه الجواب العنيف ولقنته الأمة درسا، أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل، ورجع إلى نفسه يسائلها بأي حق يستخدم أمة الغير، وعرف حينئذ أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، ورجع إلى نفسه وتاب، وعرف أن دراسته كانت نظرية بحتة وإنه في حاجة إلى المزيد، ورجع إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتى أصبح عالما بين العلماء ومرجعا، وأصبح ذلك العالم العامل الذي يقوم مقام أمة، إنه بفضل المرأة تعرف حدود الدين ومنتهى الحقوق، وكيف أن الإماء في ذلك العصر بلغن درجة من العلم فحق لهذا الموقف أن يسجله التاريخ في أروع صفحاته ويستخلص منه العبرة والفائدة.

**    **    **

 

(زوج محمد بن محبوب الرحيلي)

هذه زهرة نبتت في دوحة الإيمان والتقى، وسقيت بماء الفضيلة والهدى، وانتقلت من روضة شيخ المسلمين حيث نمت وترعرعت إلى روضة أخرى حيث تفتحت وأثمرت، ونحن لو أردنا أن نصف الورع في أروع صوره، والصبر في أنصع معانيه، والتضحية في أعلى مواقفها لقلنا إنها تتمثل في هذه الصورة الطاهرة، لم تدرس في جامعة فلم تكن في أيامها جامعات، ولكن تولاها في طفولتها بحر العلوم الزاخر شيخ المسلمين موسى بن علي الأزكوي ورعاها في شبابها شيخ التقى والإخلاص العلامة محمد بن محبوب الرحيلي، كانت هذه الدرة المكنونة تتحرى الحلال في المأكل والمشرب والملبس، سيدة كان لها من نبل القلب وكبر العقل وثبات الجنان ما لم يكن مثله إلا في القليل من عظماء النساء، صبرت وتحملت البعد عن الوالدين والإخوان والأهل من أجل زوجها وأولادها حتى منّ الله عليها بزيارة والدها لها بعد عشر سنين من الفراق، فما هي قصة زواج هذه المرأة الطاهرة؟.

يروى أن الإمام محمد بن محبوب الرحيلي الصحاري، زار الإمام موسى بن علي العزري في إزكي بعمان، وكانا قطبي زمانهما، فخطب الإمام محمد بن محبوب إحدى بنات الإمام موسى، وكان عنده ثلاث بنات وعندهن مربية مملوكة، فقال الشيخ موسى للمربية: (اختاري لضيفنا العزيز واحدة من هذه البنات)، فأعطت المربية كل واحدة منهن- على انفراد- شيئاً يؤكل ولم تقل لها شيئا، وفي اليوم الثاني جاءت إلى الكبرى، وسألتها عم أعطتها، فقالت: (أكلته)، والوسطى كذلك، أما الصغرى قالت: (هاهو)، قالت لها المربية: (لأي شيء لم تأكليه؟)، قالت الصغرى: (ما قلت لي كليه بل أعطيتني ومضيت، ولا أدري لماذا العطاء، وما كنت لآكل شيئا لا أعرفه)، فقالت: الخادمة حينئذ لسيدها الشيخ موسى: (ابنتك الصغرى تصلح للضيف)؛ فزوجه إياها، وسافر بها الشيخ الرحيلي إلى صحار، ومضت مدة طويلة فاشتاقت أمها إليها، فقالت لأبيها: (إما أن أسير لزيارتها أو تسير أنت)، قال: (بل أنا أسير) فسار إلى صحار، وكان لا يعرف منزل الشيخ محمد الرحيلي، فبينما هو يمشي في بعض الطرق وجد صبين يتحاوران على عود شوك سقط في الطريق، فقال أحدهما: (إن هذا الشوك سقط من هذا الجدار وهذا أثر موضعه من الجدار فينبغي أن نرده فيه)، وقال الآخر: (بل ألقته الريح في الطريق ويحتاج أن نخرجه إلى مكان آخر) فوقف عندهما، وسألهما فقال لهما: (إني أشم عليكما رائحة آل الرحيل، فأولاد من أنتما؟) قالا: (نحن أولاد محمد بن محبوب الرحيلي) قال: (ومن أمكما؟)، قالا: (ابنة موسى بن علي)، فاحتضنهما وسار معهما إلى البيت، فأخبرا أمهما بمجيء جدهما، فقالت لهما: (قولا له أن يجلس في المسجد أو تحت سدرة هناك لأن صاحب المنزل غير حاضر)، فرجع الشيخ محمد قبيل الظهر، فوجد صهره خارج البيت فتعانقا، وغضب الشيخ محمد على زوجه حيث لم تدخل أباها، قالت: (ما أمرتني بذلك)، قال: (أفأنا أعلم أنه سيأتي هذا اليوم؟) فاعتذرت إلى أبيها لهذا السبب، فقال الشيخ موسى: (أصبت، لو أدخلتني ولم يكن عندكِ سابق إذن، لما رضيت عليك) وأيد ابنته على موقفها وإنها على حق ولا لوم عليها.

**     **    **

 

(أخت أبي حفص عمروس المساكني)

هكذا عرف لنا التاريخ شخصية هذه المرأة بأنها أخت عمروس أما عن اسمها فلم تسعفنا المصادر التاريخية الباقية من التعرف عليها، فإذن هي أخت العلامة أبي حفص عمروس المساكني أحد فطاحل العلماء العاملين، كانت نجيبة ذكية تتمتع بثقافة واسعة وغزارة علمية، ومن حق تاريخها المضيء بنور العلم والمعطر بعبير التقوى أن نقف عندها وقفة نتأمل مدارجها في العلم ومعارجها في الفهم، كان أخوها يستورد نفائس الكتب من كل مكان، ويظل يدرسها دراسة المتعمق الفاهم، وعندما يحس بالتعب أو السأم كانت هي التي تتولى عنه القراءة والكتابة أو النقاش، وكم شهد بناء ذلك المنزل العامر من نقاش واع لمسائل العلم يدور بين ابنة فتح وأخيها، بين هذه الصبية الحسناء الذكية المثقفة التي تمثل المرأة المسلمة الواعية وبين أخيها الذي كان حجة في العلم، وقد يطول النقاش بين الأخوين العالمين حتى تقتنع بصحة رأيه فتسلم، أو يقتنع بوجاهة نظرتها فيرجع إليها، وعندئذ يستمران في الدراسة، وهكذا كانت هذه الفتاة الذكية مرافقة لأخيها في دراسته تستمع إليه، وتأخذ عنه حتى بلغت مبلغاً من العلم قل أن تصل إليه فتاة، وعندما كان يقوم أخوها أبو حفص بالدراسة أو بالتأليف كانت تقدم له مادة التأليف، وتلخص له مواضيع البحث، وتعد له مناهج الدراسة، وتساعده في الكتابة، فتملي عليه، أو تتلقى منه الإملاء فتكتب، وهكذا وجد منها منسقة ذكية بارعة.

ومر ذات يوم العالم المحدث الفقيه بشر بن غانم الخراساني (بقطرس) البلد التي يسكنها عمروس وأخته يحمل معه مدونته. واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين عمروس حتى يعود.. لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها حين ذاك، ولكنه فكر في نفسه، ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه، واستعد للعمل، أحضرت له أخته كل ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تملي عليه وهو يكتب في فناء الدار حتى إذا وصلتهما الشمس تحولا إلى الظل، ولم يمض عليهما وقت طويل حتى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة (بشر بن غانم) يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس، ولكن بشراً كان يتوقع هذا العلم من عمروس، ولذلك عندما تصفحها ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: (لقد سرقتها) فأجاب القاضي – وهو جذلان-: (سمني سارق العلم) وفي إثر هذا كان ما كان من تلف المدونة في تيهرت غصبا وحرقا، ولولا حرص عمروس وأخته على نسخ هذه المدونة لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمدون عليه.

والعلم يكون فائدته بقدر ما يفيد صاحبه، فليس العلم النافع شحن الدماغ بالمعلومات بدون أن يكون لها أثر في حياة الإنسان، بل العلم النافع هو الذي يجد فيه حلاً لمشكلاته ونفعاً في دنياه وآخرته، فعندما ذهب عمروس إلى الجهاد وكانت وقعة (مانو) رافقته أخته إليها، واستشهد أخوها، وقتل أكثر الجيش، أخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد؛ فقالت لزميلاتها: (أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلنستخلف كل واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوءا) وهكذا حتى في أسوء الأحوال ينجدها العلم والدين.

فهذه المرأة العاملة سيظل التاريخ يذكرها، ولن ينسى فضلها في حفظ مدونة العالم الجليل بشر الخراساني.

**   **    **

 

(الزهراء السقطرية)

هي فاطمة بنت حمد بن خلفان بن حميد الجهضمية، ولقبها الزهراء، نشأت في سمد الشأن، ذهبت مرة مع والدها لزيارة نسيبهم الوالي القاسم بن محمد الجهضمي السمدي في جزيرة سقطرى، يوم كانت تابعة لعمان، وذلك في زمن الإمام العادل الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، وحدث أن نكث النصارى وخانوا العهود في هذه الجزيرة، فقتلوا واليها القاسم بن محمد وسلبوا ونهبوا وأخذوا الجزيرة قهرا.

فكتبت الزهراء قصيدة عصماء تستغيث بالإمام وتستنجده، وتطلب منه أن يسارع بنصرة المسلمين، وتستثير في أبيات قصيدتها همة الإمام الصلت بن مالك ومن معه من الرجال لنجدة الإسلام وشرعه وأهله في جزيرة سقطرى، تقول فيها ما نصه:-

                 قــل للإمـام الذي ترجى فضائله                   ابن الكــرام وابن السـادة النجب

                 أمست سقطـرى من الإسلام مقفرة                   بعـد الشرائـع والفرقـان والكتب

                 وبـعـد حـلال صـار مـغتبطـا                   حـي في ظل دولتهم بالمال والحسب

                 لم تُبقِ فيها سنـون المـحل ناضـرةً                   من الغصـون ولا عـوداً من الرُطَبِ

                 واستبدلت بالهـدى كفـراً ومعصيةً                   وبـالأذان نواقـيساً مـن الـخشب

                 وبالذراري رجاـلاً لا خَلـاَقَ لـهم                   من اللئـام علـوا بالقهـر والغـلب

                 جارَ النصارى علـى واليـكَ وانتهبوا                  من الحريـم ولـم يألـوا من السلب

                 إذ غادروا قاسمـاً فـي فتيـةٍ نُجُـبِ                  عقوى مسامعهم فـي سبسبٍ خـرب

                 مُجـدّلين سِراعـاً لا وسـاد لـهم                    للعـاديـات لسبـعٍ ضـارئ كـلب               

                 وأخرجـوا حُـرم الإسـلام قـاطبة                   يهتفـن بالويـل والأعـوال والكُربِ

                 قـل للإمـام الذي تُرجـى فضائله                    بـأن يـغيث بنـات الدين والـحسب

                 كـم مـن مُنعـمةً بـكرٍ وثـيبـةٍ                   مـن آل بيـتٍ كريـم الجد والنسب

                 تـدعو أبـاها إذا ما العِلـجُ همّ بها                   وقـد تلقّـف منهـا موضـع اللبـب

                 وباشر العِلـجُ ما كـانت تَضُـنُ به                  على الحلال بوافـي الـمهر والقـهب

                 وحـلّ كـلَ عـراءٍ من مُـلمتـها                   عن سـوءةٍ لـم تزل في حوزةِ الحُجُبِ

                 وعن فخـوذٍ وسيقـانٍ مـدملجـةٍ                   وأجعـدٍ كعنـاقيــدٍ مـن العـنب

                 قهراً بغيـر صـداقٍ لا ولا خُطِبت                     إلا بضـرب العوالـي السُمرِ والقُضُبِ

                 أقولُ للعيـن والأجفـان تسعدنـي                    يا عين جودي على الأحبـاب وانسكب

                 ما بال صلـتٍ ينـام الليـلَ مُغتبطاً                   وفـي سقطـرى حريـم عُرضة النهب

                 يـا للرجـال أغيثـوا كـل مسلمةٍ                   ولو حبوتـم علـى الأذقـانٍ والرُكبِ

                 حتـى يعـودَ نصـاب الدين منتصباً                  ويهـلك الله أهـل الـجور والـريب

                 وثم يصبح دعـى الزهراء صــادقة                   بعد الفســـوق وتحيى سنـة الكتب

                 ثم الصلاة علـى الـمختـار سيـدنا                   خيـر البـريـة مـأمـونٍ ومنتـخبِ

 

وما أن وصلت الإمام تلك القصيدة إلا فعلت فعلها في نفسه؛ فثار ثورة الضرغام، وصال صولة الغضنفر المقدام، وقام بكل ما يفرضه عليه منصبه وواجبه من عمل، فجهز جيشاً قوامه مائة سفينة مجهزة بالعدة والعتاد، وعين عليه خيرة المجاهدين الشجعان، وزودهم بكتاب عبارة عن دستور تنظيمي ينتهجون نهجه إداريا ودينيا، وبحمد الله تم النصر للجيش المسلم، فأصبح العدو بين قتيل وجريح وأسير، فأخذوا البلاد وهزموا الأعداء ورجعوا ظافرين مستبشرين ومن ينصر الله ينصره.

وهكذا خلد التاريخ اسم الزهراء كما خلد سيرة الإمام المجاهد الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله تعالى، فمن لنساء المسلمين الآن في شرق الأرض وغربها وهن يتجرعن مرارة الذل والهوان على أيدي الطغاة والمستبدين والمجرمين، فكم من زهراء تستغيث اليوم ولا صلت لها.

**   **    **

 

(الغاية زوج أبي القاسم يزيد بن مخلد)

لقد آتاها الله قلبا صافيا يلهمه الحكمة، ونفساً مطمئنة تزكيها الفطنة، وذهنا متوهجا فتح له أكمام الوعي، وامتلكت مواهب وقدرات مما أهلها أن ترتقي إلى أن تكون ملجأ يلجأ إليه العلماء لحل معضلاتهم، فهيا بنا نتعمق في أغوار هذه الشخصية الطاهرة الباهرة.

بعد أن أتم العالم أبو القاسم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم، فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى الغاية لها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لأن تكون زوجة لأبي القاسم.

فخطبها من أهلها وزفت إليه بعد سنة من بلوغها، فكانت تحضر دروسه مع تلاميذه من وراء ستار، وكانت الغاية في بيت أبي القاسم مرجعاً للمؤمنات ومرشدة وهادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات.

كان أبو القاسم يحدث طلابه يوما يحرضهم على الدراسة، وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم، فقال لهم: (لأن يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه) وكانت زوجته الغاية تستمع إليه من وراء ستار فقالت له: (لماذا تزوجت إذن؟) فقال لها: (لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال، وتركتك أيتها الزوجة الحبيبة).

وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصداً لطلاب العلم والدين والخلق القويم، وكان العلماء والمشايخ يزورونها ويستشيرونها ويستفتونها، ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها، وكثيراً ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلة من معضلات علم الفقه أو علم الكلام، فيقول لها: (ماذا كان رأي القاسم فيها أو ماذا حفظت عن زوجك؟)، وهكذا ظلت ملاذاً لطلاب العلم والعلماء إلى أن اختارها الله عز وجل راضية مرضية.

**    **    **

 

(غزال (أم أبي الحاتم))

غزال هي زوج الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح، وكانت أحب نسائه إليه، فقد امتلكت قلبه بقوة شخصيتها، وبالربيع الضاحك في محياها وبصفاء طويتها وحسن قيامها بالبيت، فكونت لأبي اليقظان فيه جواً مفعماً بالحنان ينسيه هموم الرئاسة ويستريح فيه من أتعاب الإمامة، وكانت لحزمها كما قال ابن الصغير: (مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه).

امتازت غزال بذكائها، وثقافتها النسوية وحسن قيامها بالدار وبراعتها في إدارته وحياء الدين الذي كان في محياها ونورها وإشراقها فكانت نجمة متلألأة، وبتميزها تميز طفلها يوسف، فكان ذا شخصية قوية جذابة واتصف بمزايا حببته إلى أبيه، اهتمت غزال بتربية ابنها يوسف تربية إسلامية بناءة حتى أصبح ولدها معيناً لوالده في شؤون الإمامة، وأخذ والده يكلفه بمهمات الدولة فيحسن القيام بها، وبدأت كفاءته ونبوغه تظهر، واتصف بالحزم والذكاء والشجاعة حتى اختير إماماً من بعد أبيه، بفضل إحسانه إلى الناس.

لقد كانت غزال قدوة صالحة للزوجة المخلصة لزوجها، ونبراساً للأم المربية، لقد عاشت مع إمام العدل والعلم وأنجبت ذلك الإمام الفذ أبا حاتم.

**    **    **

 

(نانا تابر كانت السدراتية)

امرأة ربانية عاشت في تلك العصور العامرة بالإيمان والعلم والخير، سكنت (ابناين)، واشتهرت بين العلماء فكانت عالمة فاضلة بلغت من اعلم والورع ما جعلها ملاذاً للمشايخ والعلماء العاملين، ومما يدل على علم نانا تابر كانت وعمق إطلاعها وفهمها لأسرار الشريعة، أنه زارها جمع من العلماء فقالوا لها: (أوصنا يا عجوز) فقالت لهم: (إياكم وكثرة الكلام لئلا تحنثوا، وإياكم والتهمة لئلا تظْلِمُوا) ثم قالت لهم: (يقول بعض العلماء الحكماء: نقِّ العمل فإن الناقد بصير، وجدد السفينة فإن البحر عميق، وكثرة الزاد فإن السفر بعيد) ثم حذرتهم عن الزيارة لطلب الحوائج، والمصافحة بالمقارعة، والأكل أكل النهم، والمشي مشي المرضى، والنوم نوم الموتى. فهنا تصحح هذه العجوز بعض السلوكيات المنحرفة؛ فالزيارة إذا كانت في الله فهي أكثر خيراً، والمصافحة فيما بينهم يجب أن تكون بالتي هي أحسن لا بالفوضى والعنف؛ فتتحول إلى كراهية، وتنهاهم عن كثرة الأكل؛ لأنه من عمل البهائم، وتحثهم على أن يسيروا بمشية الأقوياء المتواضعين، والذين يكثرون النوم فهم يعدون من الأموات لا من الأحياء فالإنسان النشيط لا ينام إلا بعد الحاجة.

كان لعلمها العميق ولخبرتها الواسعة التي حنكتها بها الحياة دور في سبر أسرار النفوس، فأثرت عنها حكم وأقوال بليغة، فمن ذلك قولها: (شر الصدور صدر لا رأفة فيها، وشر الأقدام قدم لا تزور في الله، وشر البيوت بيت لا يدخله المسملون، وشر المال مال لا ينفق منه).

**    **    **

 

(زوجتا أبي هارون

موسـى بـن هـارون)

كان لأبوي هارون امرأة صالحة يحبها وتحبه، وكانت عالمة ذكية ولمنها غير ولود، ونصحه المشايخ أن يتزوج غيرها عسى أن يرزقه الله أولادا صالحين ففوض إليهم أمر الاختيار، ووكّلهم القيام بهذه المهمة وكل ما اشترط عليهم أن يتوفر فيها من الصلاح والتقوى، وتشاور المشايخ ودرسوا الموضوع واستعرضوا عقائل الجبل- جبل نفوسة- فاتفق رأيهم ووقع اختيارهم على امرأة فاضلة.

ترى من تكون هذه المرأة التي اتفق المشايخ على اختيارها زوجة لأعظم رجل في ذلك الحين؟ إنها ابنة جدة المشايخ السيدة (تابر كانت) أعظم امرأة في الجبل وأصلحها، فهي فرع من شجرة العلم الباسقة التي ارتوت بماء الحكمة وتغذت بثمرها وجناها وقطوفها، بذلت الجدة تابر كانت جهدها في تربية ابنتها على الخلق الكريم والدين القويم وزودتها بالعلم النافع الذي يكون نفعه في الدنيا والآخرة وثقفتها الثقافة الهادفة التي تؤهلها للقيام بدورها ومشاركة الرجل في أهم الميادين بالرأي والنصيحة، وعرض الأمر على الفتاة فقبلت الفتاة ورضي الشيخ وزفت العروس الصالحة إلى العالم المؤمن، ورزقها الله عز وجل منه بعدد من الأولاد أقروا عين والدهم الشيخ وخدموا الأمة بإخلاص، وأخذت هذه الأم على عاتقها تربية أبنائها ليكونوا مناراً للأمة ونبراساً يقتدي بهم الناس فكان منهم أبو زكريا يحيى: الذي كان همه آخرته وقد جمع جميع خصال الخير، ومن أقواله: (لا أبالي بالموت متى نزل بي) لبيان قوة استعداده له، ومات وهو شاب عمره أربع وعشرون سنة، أما ابنها أبو الربيع، فقد كان سخي الكف عالماً شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأخذ العلم عن أبي يحيى زكريا بن سفيان اللالوتي وغيرهم، جمع إلى العلم الواسع والدين القويم والخلق الكريم شدة في الحق لا تلين ومحافظة على دين الله لا تفتر، وسيرة صالحة لا تضعف، فحقيق بنا أن نذكر هذه المرأة الصالحة في تاريخنا وسيرنا؛ إنها ابنة أعظم امرأة في الجبل وأصلحها، وزوجة أفضل علماء أهل نفوسة وأم أولئك الأعلام البررة.

**    **    **

 

(عافية (أم ماطوس))

تربت هذه المرأة في حجر الدين، ونمت في رياض طاعة الله عز وجل، وتألق وجدانها في حرم مجالس العلم، وكانت حريصة على حضور هذه المجالس؛ لشغفها بالمعرفة والتفقه في أمور الدين حتى أصبح مشايخ العلم لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، كان اسمها عافية ولكن كنيت بأم ماطوس، طلبت العلم ببلدها بليبيا، ودرست على يد علمائها حتى لم تجد عندهم جديداً فرغبت في الالتحاق بمدرسة أبي محمد بن خصيب، وليس بالمدرسة قسم داخلي للبنات وبين البلدين مسافة طويلة لا تقل عن أربعة أميال، فعرضت أمرها على أهلها فعارضوها، ولما ألحت في الطلب ثارت ثائرتهم، وقرروا أن يمنعوها بالقوة، وكيف يسمحون لفتاة في عمر الزهور ان تقطع تلك المسافة الطويلة يوميا بمفردها، وكان أصلب الجميع في الموضوع أخوها الغيور؛ فتطوع أن يحبسها ويقوم بوظيفة السجان، فكان إذا أتى الليل أغلق الباب على أم ماطوس ونام على الباب، فكانت تتركه حتى ينام، فتفتح الباب وتغلقه خلفها فتأخذ مزراقها في يدها، وتذهب إلى مدرسة أبي محمد التمصمصي، فتحضر المجلس متلحفة بثوبها فإذا افترق المجلس رجعت، وتجعل مزراقها في زيتونة ثم تدخل البيت وتغلق الباب وكأن شيئاً لم يكن، وكان ذلك دأبها، فلم تنجح جميع هذه الوسائل في صدها عما رغبت فيه، ودرست في تلك المدرسة حتى تخرجت منها، وكانت فيما بعد مرجعاً من مراجع العلم والفتوى.

وقضى الله لها أن تتزوج في (مرساون)، فكان المشايخ لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، فتحضر المناقشات وتسمع آراء الأعلام، وكثيراً ما تكبدت مشاق السفر وهي حامل لتحضر المجامع التي تعقد في (أجناون) أو غيرها من الأماكن التي يختارها المشايخ للاجتماع.

وكان لا يعوقها عن حضور تلك المجالس عائق، فقد ذهبت في إحدى المرات إلى أجناون، وهي على بعد عشرة أميال عن منزلها مصطحبة معها أمتهاْ، كانت ورعة في دينها حافظة لحقوق زوجها يروى أن أحد المشايخ أراد المبيت في بلدة أم ماطوس، فلما وصل أرسل بغلته إلى أم ماطوس؛ لينزل عندها فردتها، ثم أرسلت إليها بعد فأخذتها، واعتذرت للشيخ عند العشاء بأن زوجها غائب حين بعث ببغلته فلما جاء استأذنته فأذن لها.

هذه المرأة العالمة لم يمنعها حجابها من الجلوس في مجالس المشائخ تستمع إليهم وتسائلهم وتستجيب لنقاش الطلبة وترد عليهم، ولم يمنعها حياؤها من بلوغ هذه المرتبة السامية من العلم بل زادها العلم مزيداً من الاجتهاد في طلبه.

فما أروع أن تسطر حياة هذه المرأة في أجمل صفحات التاريخ، لتكون قدوة صالحة لكل فتاة في تحمل المشاق وعناء الطريق ومعارضة الأهل من اجل البلوغ إلى الهدف النبيل وهو طلب العلم.

**   **    **

 

(زينب بنت أبي الحسن)

هي زوج العلامة أبي الخطاب عبد السلام منصور المزاتي، كانت فتاة وافرة الدين والأدب والجمال، واستقر بها الحال في مدينة (درجين)، ولم يكن ينقص أبا الخطاب شيء إلا أن يرزقه الله تعالى ولداً ذكراً يكون له عوناً في شيخوخته يرثه ويحمل اسمه، وإنما رزقه الله عدداً من البنات، وعندما يجمعه وزوجته السمر كان كثيراً ما يقول لها في مداعبة ورجاء أن تفهم ما يرمي إليه: (يوشك أن يغلب بنو العم على بناتك يا زينب) وهو يقصد أن أولئك البنات عندما يكبرن يخطبهن أبناء العم فيتزوجن، ولا يبقى في البيت غيرهما، وما أشد وحشة بيت لا يسكنه غير شيخين هرمين، كانت الزوجة الوفية المحبة زينب تفهم ما يرمي إليه زوجها أبو الخطاب، وكان بجوارهم رجل من بني ورغميت مع عياله، وعندهم فتاة صبية أديبة نشيطة، وكانت ذات جمال بارع، فأعجبت بها زينب وأحبتها، فخطبتها لزوجها الشيخ، وهي تدعو أن يهب له ولداً تقر به عينه، ولبناتها أخاً يلج|أن إليه إذا ضاقت بهن سبل الحياة، وتزوج الشيخ هذه الفتاة الورغمية وكان مولودها البكر ذكراً سماه الشيخ سعيداً، ومن هذا الولد تناسلت ذرية العلامة أبو الخطاب عبد السلام، فكان في رأيها الخير والبركة واليمن.

**   **    **

 

(طـوست

زوج أبي عبد الله محمد بن تامر)

إنها شخصية فريدة مميزة في تاريخ المسلمات الإباضيات علماً وسلوكاً، أعطاها الله نوراً في البصيرة وضياءً في القلب حتى كان قلبها أشبه بمرصد يستقبل نفحات الله وأنوار الإيمان، فامتلأ كيانها صفاء ونقاء وشفافية وروحانية، جمع الله تعالى لها بحانب العلم والتقى والعبادة والورع شرف خدمة ولي من أوليائه، فشرفت بالزواج من أبي عبد الله محمد بن تامر وكان شيخاً فاضلاً وعالماً تقياً يسكن (فزاوة).

ومما يدل على عبادتها وورعها وأداء حق زوجها، ما أوصت به ابنتها حين جهزتها للزفاف، فقالت لها: (ما نمت حتى أصلي خمسين ركعة، ولم يرني والدك عابسة قط، ولم تصدر مني كذبة عليه قط إلا مرة واحدة، وهي أن قلت لأبيك أبي عبد الله وقد سألني أعلفت البغلة، وقد تعب وهو صائم ولا يفطر حتى تعلف مطيته، وقدمت له فطوره، قلت: نعم، وزدت للبغلة في علفها وآتيتها به، فقلت: (اجعليني في حل فيما كذبت عليك، وقد زدتك في علفك) فأومأت برأسها شبه من يقول أنت في حل.

وقد كانت داعية بسلوكها الرفيع وعلمها الواسع فتأثرت بها خادمتها أم خليفة، فكانت سبباً في هدايتها وتبصيرها بعقيدة الإسلام الحق، فرجعت إلى عقيدة أهل الاستقامة بعد أن كانت حشوية، وأصبحت من خيار المسلمات الورعات التقيات.

**   **    **

 

(أم ماكسن بن الخير)

عاشت هذه المرأة في عاصمة الدولة الصنهاجية في البلاد التونسية، توفي عنها زوجها وترك لها ابناً اسمه ماكسن، فهي والدة العلامة ماكسن بن الخير، وهي صاحبة الفضل عليه، وكان من أمر ولدها ماكسن أنه أصيب بالعمى وهو طفل؛ فجهدت بكل وسيلة لتجد دواء له ما استطاعت لذلك سبيلا، وكانت لا تفتر عن السؤال عن دواء يرد البصر لوليدها فما اهتدت، وكانت ذات مرة في بيت أم يوسف زوج المعز بن باديس سلطان أفريقيا، فكانت أم يوسف لا تنفك تنظر ماكسن، وتتأمله فأعجبت بذكائه وخفة روحه، ونصحت أمه بأن تأخذه إلى الكتّاب ليتعلم فتنبهت الأم لذلك وتداركت أمرها؛ فأدخلت ابنها ماكسن مدرسة المدينة وحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وبذلت الأم جهدها من أجل تعليمه وتفرغت له وفرغته للعلم والدراسة، وبعد أن كبر سافر إلى مدرسة أبي محمد وسيلان بن أبي صالح بجربة بتونس، وكان أنجب وأذكى طلابها، وكان كل من رآه يستغرب من براعته وكثرة حفظه إلا أنه كان سريع الغضب، حاد الكلام وشكى الطلبة إلى أستاذهم أبي محمد من ماكسن، فسألهم ما يشكون منه، قالوا: (نشكو منه الخفة) فقال لهم: (لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم تكون الخفة في المؤمن؟) فقال لهم: (لغزارة في قلبه) وكان أبو محمد يقول لهم: (والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله) لما تفرس فيه من الخير والبر وجدية في طلب العلم. وظل في دراسته، فاجتهد حتى أصبح عالماً وفقيهاً وإماماً يسعى إليه العلماء، ولم يقعده العمى واليتم عن التعلم والدراسة، فبفضل الله ثم بفضل نصيحة أم يوسف وبفضل بذل الأم الجهد لتعليم ولدها، أصبح ولدها ماكسن ممن يملك إرادة قوية وصدق عزيمة دفعاه إلى أن يتفوق بأعماله المبصرين، ويصبح ذلك العالم الفقيه الذي عوضه الله عن فقد بصره نوراً في البصيرة وضياء في القلب يرى بقلبه ما لا يراه المبصرون بأعينهم.

**   **    **

 

(أمة الواحد

زوج أبي عـامر التصراري)

أمة الواحد امرأة مؤمنة صالحة يجمعها إلى زوجها العالم أبي عامر حب وعطف وحنان وتشابه في الميول والعواطف والأعمال، حدث أن جاءت يوماً عجوز من (تندميرة) إلى (تصرار) تشكو إلى أبي عامر ابنتها الشابة اليتيمة وتدعى (توزين)، وإنها ترفض الزواج خشية حقوق الزوج وخوفاً من المسؤولية في الأسرة، وخافت العجوز على ابنتها أن تتركها في يوم من الأيام دون رعاية أحد، فعطف عليها الشيخ واجتمع بالمشايخ، وذهبوا إلى تندميرة لإقناع الفتاة فاقتنعت، وكانت مفاجأة أن اختارت أبا عامر ليكون زوجاً لها فوافق، ورجع أبو عامر إلى زوجه الحبيبة أمة الواحد بأثقل خبر على المرأة، ورجاها أن تستعد للقاء الزوجة الثانية، فما أخلفت ظنه وقامت تعد في منزل الشيخ ما يعد للعروس في أول الزفاف واستقبلتها استقبال الأخت المحبة.

إن لأمة الواحد قلباً وعاطفة جياشة كما لسائر النساء، وهي تحب زوجها أبا عامر، ولكن لها مع ذلك دين يعصمها من النزق، ويمنعها أن تتعدى حدود الشريعة، وعاشت الزوجتان تحت كنف أبي عامر يرعاهما بلطفه ويغمرهما بحبه ويساوي بينهما بعدله.

ويحكى أن أمة الواحد ذات يوم ذهبت لتجمع الحطب من بعض البساتين، فوسوس لها الشيطان أن الشيخ قد تغدى مع الزوجة الشابة، وتركا لها لقمة باردة في ناحية من البيت، فتعوذت من الشيطان وزادت الحطب إلى حزمتها لترغم أنف الشيطان، فلما رجعت إلى الدار وجدت الزوجين قد تغديا وتركا لها نصيبها في إناء، فرجع إليها الخاطر من جديد فدبت الغيرة في نفسها واصفر لونها، ونظر إليها زوجها أبو عامر بحنان وعطف ورآها متغيرة الوجه، فقام، فقام إليها وأمسك بطرف كمها، وقال كمن يخاطب الشيطان: (اخرج يا عدو الله من جسد طاهر) فاستعادت رشدها وأبعدت وساوس الشيطان ببركة دعاء زوجها وزالت الغيرة من نفسها، وهكذا عاشت أسرة أبي عامر في ظل الإيمان وطاعة الله عز وجل في منزل يغمره الحب والتعاون والتفاهم.

**   **   **

 

(عائشة بنت معاذ بن أبي علي)

ما أحرى بالتاريخ أن يقف قليلاً متأملاً عظمة هذه المرأة الجليلة، وحسبها عراقة في الدين إنها ابنة العالم الجليل معاذ وأخاها أشهر من نار على علم، لقد ولدت في بيت يتلألأ بالدين الحنيف ويتعطر سماه بعبق تعاليمه السمحة، وتتهادى فيه ملائكة الرحمة.. في هذا المناخ الطاهر الباهر نشأت عائشة نشأة مباركة زكية.

كانت أسرة العالم الصالح معاذ بن أبي علي في مدينة (آجلو)، مدينة الصلاح والعلم والعمل، وكانت أسرة دين وعلم وفضل وخير نساء هذه الأسرة ابنته النجيبة عائشة، حفظت القرآن الكريم وهي صغيرة السن، وتفتح عقلها الذكي لمزيد من المعرفة، فلم أبدت عليها ملامح الأنوثة والجمال ونضارة الشباب، طلبت من أبيها أن يشتري لها حصيرا من النوع الخفيف غير عريض، وطلبت من أمها أن تحضر لها عباءة، بعدها أقنعت والدها برغبتها في الاستمرار في طلب العلم على يد المشايخ، فوافقا على ذلك، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلحفة في عباءتها الساترة الحاجبة، فإذا بلغت المجالس وجلست قريبا من شيخها، استترت بالحصير وتخفت بعباءتها فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها، ولكنها تسمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة، فقد انطبق على عائشة قول الشاعر:

                 فاطلب من العم مـما تقتضي به              واعمل بعلمك مضطرا ومـختارا

                 واطلبه ما عشت في الدنيا ومدتها              في موقف العرض أن لا تورد النارا

                 واجعله الله لا تجعـله مفخـرة               ولا ترائي بـه بـدوا وأحضـارا

 

وقد منّ الله على عائشة بعقل متفتح وذكاء متقد وفهم عميق للعلم، فدرست علم الكلام على يد العلامة الكبير تبغورين بن عيسى الملوشطي، وغيره من المشايخ في شبه تخصص تأخذ عن بعضهم علوم الشريعة والأصول، وتدرس عند بعضهم التاريخ والرياضيات وفروع الثقافة المعروفة في ذلك العصر، وتأخذ عن غيرهم علوم اللغة والأدب، وكانت ترى أن تعلم اللغة وآدابها وما تقوم عليه من نحو وصرف لا بد منه حتى يتسنى للمسلم كتاب الله وسنة نبيه الكريم، وظلت تنهل من هذه العلوم المختلفة حتى بلغت مكانة سامقة في العلم، واشتهرت بين أهل العلم بمعارفها الواسعة وإطلاعها الواسع، فصارت تميز بين مراتب العلماء وتقارن بينهم، وكانت تقول: (رأيت كثيراً من العلماء وأهل الخير، واستمعت إلى عدد منهم واستفدت، ولولا أبو العباس لمت على الجهل).

كانت عائشة مثلاً للمرأة المسلمة المتعلمة المستنيرة التي تشارك الرجل في جميع الميادين الثقافية دون أن تتخلى عن رسالتها كأم ترعى أولادها، وكزوجة تصون نفسها وبيتها وتحفظ زوجها في نفسها وماله وبيته وتوفر له وسائل الراحة والسعادة والاستقرار، فلم يمنعها خمارها وثوبها الساتر الفضفاض من مناقشة أذكى الطلاب والتفوق عليهم، ومناقشة كبار العلماء في أدق المسائل، وصلت إلى تلك المكانة العالية من العلم دون أن تلقي عنها ثوب الحياء والحشمة، فكانت نبراساً لكل امرأة صالحة مؤمنة مجتهدة في طلب العلم.

**   **    **

 

(عائشة بنت محمد بن يوسف العبرية)

هذه المرأة السخية عرفت معنى الاستخلاف في المال فلم يبهرها بريق الذهب والفضة، كان إشراق قلبها وسمو روحها يجعلانها في عالم مضيء بالسكينة والارتفاع عن مغريات الحياة، لقد كانت نهراً متدفقاً بالجود والعطاء، لقد اشترت بمالها الفاني الثواب الباقي الذي ستلقاه – إن شاء الله – ثوابا عند الله في جناته، فهيا بنا نستجلي سيرتها العطرة.

هي الابنة الوحيدة التي خلفها الشيخ محمد بن يوسف العبري، وقد تزوجها الشيخ سالم بن خميس بن عمر العبري، نشأت البرة التقية الحرة المرضية عائشة في بيت أدب وعلم، وتربت تربية صالحة، وساعدها على ذلك البيئة العلمية والدينية التي ترعرعت فيها، اتصفت بالزهد وكثرة العبادة والإسراع في الخير طلباً لما عند الله من عظيم الأجر والثواب. ومن آثارها التي ما زالت موجودة في ولاية الحمراء:

       1- بناء مسجد الصاروج المسمى الآن بـ (مسجد السحمة)، وسمي المسجد بالصاروج لأنه بني بالصاروج والحجارة.

       2- أوقفت لإصلاح هذا المسجد أثر ماء من فلج العراقي بعبري.

       3- أوقفت بستاناً كثير النخل مع ما يحتاجه من الماء لعمل خل يكفي لعامة أهل الحمراء.

       4- وما يفضل من ثمر ذلك البستان من الخل أوقفته لمسجد الصلف في بلدة الحمراء لفطرة الصائمين، ولإصلاح مسجد الصاروج أيضاً.

لقد امتثلت هذه المرأة الفاضلة لنصيحة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حين كان يكثر من أمر النساء بالصدقة ويحضهن عليها، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، والوقف هو عين الصدقة الجارية.